رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الحقوق الزوجية والمعاشرة بالمعروف في ضوء الكتاب والسنة

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي ي يتحدث عن الحقوق الزوجية والمعاشرة بالمعروف في ضوء الكتاب والسنة

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مما لاشك فيه أن الشريعة الإسلامية جاءت لتكرِّم المرأة ورعت حقوقها أمّاً وزوجة وبنتاً، وجعلت حسن إكرامها والرفق بها دليلاً على كمال الإيمان ورجاحة العقل وحسن الخُلق.

⚫ التأصيل القرآني لحسن العشرة والعدل بين الزوجات

● الأمر بالإحسان والمؤانسة إن الأصل في العلاقات الزوجية هو التراحم والتغاضي والمُعاشرة بالحسنى، حيث أمر الله عز وجل عباده بالرفق بالنساء وصحبتهن بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [ النساء، رقم : ١٩].

● مراعاة الطبيعة البشرية وعدم تكليف النفس ما لا تطيق قد يميل القلب بمشاعره دون قصد، ولكن الواجب الشرعي والعدل المقدر هو العدل المادي في النفقة والمبيت والمُعاملة الظاهرة، مع النهي عن الإضرار بالمرأة وإبقائها كالمعلقة، قال تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تعدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [ النساء، رقم : ١٢٩].

⚫ الهدايات النبوية في تفهم طبيعة المرأة والصبر على عوجها

● الترفق بالطبيعة الخَلقية للمرأة

– استوصى النبي ﷺ بالنساء خيراً، وبيّن أن خلقهن فيه عوج أصلِيّ يقتضي الصبر والملاطفة، وأن محاولة إقامته بالشدة تؤدي إلى كسرها وهو الطلاق، ومما جاء في هذا الباب:

273- عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال : قال رسول ُ اللَّه ﷺ : «اسْتوْصُوا بِالنِّساءِ خيْراً ، فإِنَّ المرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ ، وَإِنَّ أَعْوجَ ما في الضِّلعِ أَعْلاهُ ، فَإِنْ ذَهبتَ تُقِيمُهُ كَسرْتَهُ ، وان تركتَهُ ، لمْ يزلْ أَعوجَ ، فاستوْصُوا بِالنِّسَاءِ » متفقٌ عليه . وفي رواية في الصحيحين:« المرْأَةُ كالضلعِ إِنْ أَقَمْتَها كسرْتَهَا ، وإِنِ استَمتعْت بِهَا،اسْتَمتعْت وفِيها عَوجٌ » . وفي رواية لمسلمٍ : « إِنَّ المرْأَةَ خُلِقتْ مِن ضِلَعٍ ، لَنْ تَسْتقِيمَ لكَ علَى طريقةٍ ، فَإِنْ استمتعْت بِهَا ، اسْتَمتَعْتَ بِهَا وفِيها عَوجٌ ، وإِنْ ذَهَبْتَ تُقيمُها كسرتَهَا ، وَكَسْرُهَا طلاقُها» . قولُهُ : « عوجٌ » هو بفتح العين والواو .

⚫ النهي عن التناقض المعاملي والتصرفات المنافية للمروءة

● النقد النبوي للغلظة والجمع بين الجفاء والطلب .

– أنكر النبي ﷺ على من يظلم زوجته بالضرب المبرح والجفاء ثم يطلب منها القرب والمودة في نهاية اليوم، ودعا إلى الترفع عن السفه في التعامل، ورد في الحديث:

274- عن عبد اللَّه بن زَمْعَةَ رضي اللَّهُ عنه ، أَنه سمعَ النبيَّ ﷺ يخْطُبُ ، وذكَر النَّاقَةَ والَّذِى عقَرهَا ، فقال رسول اللَّه ﷺ : « إِذِ انْبعث أَشْقَاهَا » انْبعثَ لَها رَجُلٌ عزِيزٌ، عارِمٌ منِيعٌ في رهْطِهِ » ثُمَّ ذكَرَ النِّساءَ ، فَوعظَ فِيهنَّ ، فَقالَ : « يعْمِدُ أَحَدكُمْ فيجْلِدُ امْرأَتَهُ جلْد الْعَبْدِ فلَعلَّهُ يُضاجعُهَا مِنْ آخِر يومِهِ » ثُمَّ وَعَظهُمْ في ضحكهِمْ مِن الضَّرْطَةِ وقال : «لِمَ يضحكُ أَحَدَكُمْ مِمَّا يفعلُ ؟ » متفق عليه . « وَالْعارِمُ » بالعين المهملة والراءِ : هُو الشِّرِّيرُ المُفْسِد ، وقولُه : « انبعثَ »، أَيْ : قَامَ بسرعة .

⚫ التغاضي والنظر إلى المحاسن وتوازن الرؤية

● الميزان النبوي في عدم البغض المكتمل لا يخلو إنسان من نقص، والواجب على المؤمن أن ينظر إلى الجوانب الإيجابية والمحاسن في زوجته بدلاً من التركيز على السلبيات والأخلاق المكروهة، وقد جاء في ذلك:

275- عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه قال : قال رسول اللَّه ﷺ : « لا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِه مِنها خُلقاً رضِيَ مِنْها آخَرَ » أَوْ قَالَ : « غيْرَهُ » رواه مسلم. وقولُهُ : « يفْركْ » هو بفتحِ الياءِ وإِسكانِ الفاءِ معناه : يُبغضُ ، يقَالُ : فَركَتِ المرْأَةُ زَوْجَهَا ، وفَرِكَهَا زَوْجُها ، بكسر الراءِ ، يفركُها بفتحهَا : أَيْ : أَبغضهَا .

⚫ خطبة حجة الوداع وبيان الحقوق المتبادلة بين الزوجين

● الحقوق والواجبات والمساحة المشروعة في المعاتبة خصص النبي ﷺ جانباً مهماً من الخطبة الجامعة في حجة الوداع للتأكيد على حقوق النساء والتحذير من ظلاّمتهن، وبيّن ضوابط المعاشرة والحقوق المتكافئة:

276- عن عَمْرو بنِ الأَحْوَصِ الجُشميِّ رضي اللَّه عنه أَنَّهُ سمِعَ النبي ﷺ في حَجِّةِ الْوَداع يقُولُ بعد أَنْ حَمِدَ اللَّه تعالى ، وَأَثنَى علَيْهِ وذكَّر ووعظَ ، ثُمَّ قال: « أَلا واسْتَوْصوا بِالنِّساءِ خَيْراً ، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوانٍ عَنْدَكُمْ لَيْس تمْلكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئاً غيْرَ ذلِكَ إِلاَّ أَنْ يأْتِينَ بِفَاحشةٍ مُبيِّنةٍ ، فإِنْ فَعلْنَ فَاهْجُروهُنَّ في المضَاجعِ ، واضْربُوهنَّ ضَرْباً غيْر مُبرِّحٍ ، فإِنْ أَطعنَكُمْ فَلا تبْغُوا عَلَيْهِنَّ سبيلا ، أَلا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسائِكُمْ حَقًّا ، ولِنِسائِكُمْ عَلَيْكُمْ حقًّا، فَحَقُّكُمْ عَلَيْهنَّ أَن لا يُوطِئْنَ فُرُشكمْ منْ تَكْرهونَ ، وَلا يأْذَنَّ في بُيُوتكمْ لِمن تكْرهونَ ، أَلا وحقُّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَن تُحْسنُوا إِليْهنَّ في كِسْوتِهِنَّ وَطعامهنَّ». رواه الترمذى وقال : حديث حسن صحيحٌ .

وقوله ﷺ « عوانٍ » أَيْ : أَسِيرَاتٌ ، جمْعُ عانِيةٍ ، بِالْعَيْنِ المُهْمَلَةِ ، وهى الأَسِيرَةُ ، والْعانِي : الأَسِيرُ .

شَبَّهَ رسول اللَّه ﷺ المرْأَةَ في دُخُولَهَا تحْتَ حُكْم الزَّوْجِ بالأَسيرِ «والضرْبُ المُبرِّحُ » : هُوَ الشَّاقُّ الشديدُ ، وقوله ﷺ : « فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً » أَيْ : لا تَطلُبوا طرِيقاً تحْتجُّونَ بِهِ عَلَيْهِنَّ وَتُؤذونهنَّ بِهِ، واللَّه أعلم .

⚫ معالم النفقة والأدب الإسلامي في التعامل والتهذيب

● الضوابط الشرعية للأحكام والأخلاق المنزلية سأل الصحابة النبي ﷺ عن التفاصيل الدقيقة لحق الزوجة، فجاء البيان حاسماً بالنفقة والكسوة والنهي عن الأذى اللفظي والجسدي والمكاني:

277- وعن مُعَاويَةَ بنِ حَيْدةَ رضي اللَّه عنه قال : قلتُ : يا رسول اللَّه ما حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدنَا عَلَيْهِ ؟ قال : « أَن تُطْعمَها إِذَا طَعِمْتَ ، وتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسيْتَ ولا تَضْربِ الْوَجهَ، وَلا تُقَبِّحْ ، ولا تَهْجُرْ إِلاَّ في الْبَيْتِ » حديثٌ حسنٌ رواه أَبو داود وقال : معنى « لا تُقَبِّحْ» أَى : لا تقُلْ قَبَّحَكِ اللَّه .

⚫ الإيمان والخُلُق واختبار الخيرية في المعاملة الأهلية

● المقاييس الحقيقية لفضل الرجل وكمال إيمانه جعل النبي ﷺ الإحسان إلى أهل البيوت والنساء مقياساً أساسياً لخيرية الرجل وحسن خُلقه وكمال إيمانه:

278- عن أبي هريرة رضي اللَّه عنه ، قال : قال رسول اللَّه ﷺ : « أَكْمَلُ المُؤْمنين إِيمَاناً أَحْسنُهُمْ خُلُقاً ، وَخِياركُمْ خيارُكم لِنِسَائِهِم » رواه التِّرمذي وقال : حديثٌ حسنٌ صحيحٌ .

⚫ معالجة النشوز وتنزيه الأفاضل عن استعمال الشدة

● موقف النبي ﷺ من الشكاوى وموقفه من الذين يضربون نساءهم

– حذر النبي ﷺ من مظالم النساء والتعسف في استخدام الحقوق، وبين أن خيار الأمة لا يلجؤون للضرب والشدة:

279- عن إِياس بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي ذُباب رضي اللَّه عنه قال : قال رسولُ اللَّه ﷺ: « لاَ تَضْربُوا إِمَاءَ اللَّهِ » فَجاءَ عُمَرُ رضي اللَّه عنه إلى رسول اللَّه ﷺ، فَقَالَ : ذَئِرْنَ النِّساءُ عَلَى أَزْواجهنَّ ، فَرَخَّصَ في ضَرْبهِنَّ فَأَطاف بِآلِ رسولِ اللَّه ﷺ نِساءٌ كَثِيرٌ يَشْكونَ أَزْواجهُنَّ ، فقال رسول اللَّه ﷺ : « لَقَدْ أَطَافَ بآلِ بَيْت مُحمَّدٍ نِساءٌ كَثيرِ يشْكُونَ أَزْوَاجَهُنَّ لَيْسَ أُولِئك بخيارِكُمْ » رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح .

⚫ قيمة المرأة الصالحة وأثرها في الدنيا والآخرة

● أعظم متاع الحياة الدنيا .

– ختم المورد النبوي بيان قدر المرأة الصالحة بأنها خير ما يستفيده المرء ويتمتع به في حياته لكونها عوناً له على دينه ودنياه:

280- عن عبدِ اللَّه بنِ عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما أَن رسول اللَّه ﷺ قال : «الدُّنْيَا مَتَاعٌ ، وَخَيْرُ مَتاعهَا المَرْأَةُ الصَّالحةُ » رواه مسلم .

تتضح لنا عظائم الشريعة الإسلامية في تنظيم الأسرة وحماية حقوق المرأة والوصية بها خيراً، وإن الاستقامة على هذه الهدايات النبوية والتخلق بالأخلاق الكريمة داخل البيوت هو أصل السعادة الأسرية، والأمان الاجتماعي، ونيل رضا رب العالمين.

🤲🤲 اللهم أصلح بيوت المسلمين، ووفق أزواجهم لما تحب وترضى، واجعل المودة والرحمة والرفق سائدة في ديارهم.

اللهم ارزقنا حسن الخُلق والعمل بالوصية النبوية، واجعلنا من خيار الناس لأهاليهم، واجمعنا على طاعتك وتقواك يا أرحم الراحمين