
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الفرق بين الهيستيريا والوسواس عند سيغموند فرويد
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الفرق بين الهيستيريا والوسواس عند سيغموند فرويد
تتخذ الأمراض العصابية أشكالا تعبيرية متباينة، وتحوّل الصراعات النفسية المكبوتة إلى أعراض مرئية أو أفكار ملحة. هيمنت دراسة الهستيريا على الأبحاث النفسية في التراث الفرويدي المبكر، باعتبارها شكلا واضحا يسهل تتبع آلياته، ثم برز “العصاب الوسواسي” مع تعمق الممارسة العيادية كبنية تتطلب أدوات تحليلية أشد دقة لتفكيك شفراتها.
يميّز فرويد بين بنية الهستيريا وبنية العصاب الوسواسي، معتبرا أن وسائل الإفصاح عن الأفكار الدفينة تختلف بين الحالتين. لغة العصاب الوسواسي، في تصوره، نوع من لهجات اللغة الهستيرية، غير أنها لهجة عصية على الفهم وتتطلب جهدا لاختراق أسرارها. يقتضي فهم هذا التباين الغوص في الآليات الدفاعية التي يوظفها كل مرض للتعامل مع “الحدث الصادم” أو الرغبة المكبوتة.
يحل العقل الصراع النفسي، في حالة الهستيريا، عبر آلية “التعصيب البدني” أو التحول الهستيري. يقوم العقل بطمس الشحنة الانفعالية للفكرة المكبوتة وتحويلها مباشرة إلى عرض جسدي ملموس، مثل الشلل المؤقت، أو فقدان النطق، أو العمى الهستيري. يصبح الجسد هنا مسرحا تُعرض عليه المأساة النفسية، ويترافق هذا التحول مع تفعيل آلية “النسيان” (Amnesia)، إذ يبتلع النسيان الهستيري الذكريات المؤلمة، وتتآكل مقدرة المريض على استرجاع تفاصيل الصدمة، ليعيش حالة من غياب الوعي بأسباب مرضه.
أما العصاب الوسواسي فيحافظ على مسرح العمليات داخل الحيز الذهني والفكري دون أن يقفز إلى الجسد. الآلية المركزية هنا لا تعتمد على محو الذاكرة؛ فالمريض الوسواسي يتذكر الحدث الصادم أو الرغبات المبكرة بتفاصيلها الدقيقة. يفصل العقل الوسواسي “الشحنة الوجدانية”، أي الانفعال أو الشعور بالذنب، عن “الفكرة الأصلية” أو الحدث الدفين، ويرحّل هذه الشحنة العاطفية ليلصقها بفكرة أخرى محايدة أو سطحية. هذا الانشطار بين الفكرة الأصلية وشحنتها العاطفية هو ما يولد الأفكار الاستحواذية التي تبدو للمراقب عبثية وغير منطقية.
خذ مثلا فردا يحمل شعورا دفينا بالذنب لتقصيره تجاه والديه في طفولته: بدلا من نسيان الحدث، كما في الهستيريا، يتذكره جيدا، لكنه يعزله عن الشعور بالذنب. يتدحرج هذا الشعور عبر مسارات اللاوعي، ويلتصق فجأة بفكرة غسل اليدين خوفا من التلوث الميكروبي. الفكرة الظاهرة، وهي الجراثيم هنا، تبدو تافهة، لكنها تحمل ثقلا عاطفيا مسروقا من الفكرة الأصلية المكبوتة، وهذا ما يفسر وقوف المريض حائرا أمام قوة مشاعره التي لا تتناسب مع حجم أفكاره الظاهرة.
يترتب على هذا التباين، بحسب فرويد، أن علاج العصاب الوسواسي أكثر تعقيدا. يقبل مرضى الهستيريا على التحليل ويسلمون أنفسهم للطبيب بيسر نسبي بحثا عن الذاكرة المفقودة، بينما يخوض مريض الوسواس دفاعا حادا عن منظومته الفكرية، متمسكا بأفكاره المعزولة، ومستخدما ذكاءه في إنتاج تبريرات عقلانية زائفة تحمي مرضه من التفكيك. الفارق إذن بين جسد يعبّر عن ألم نسيه العقل، وعقل يجتر أفكارا واعية سُرقت منها مشاعرها الحقيقية لتُزرع في طقوس عبثية.
[سيغموند فرويد، التحليل النفسي للعصاب الوسواسي (رجل الجرذان)، جورج طرابيشي، دار الطليعة – بيروت،

