رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن إكتشاف المواهب

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن إكتشاف المواهب

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مِنْ مَوَاضِعِ القُدْوَةِ برَسُولِ اللهِ: اكْتِشَافُ المَوَاهِبِ

وَرَدَ فِي «حِلْيَةِ الأَوْلِيَاءِ وَطَبَقَاتِ الأَصْفِيَاءِ» أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ حَدَّثَ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: «تَمَنَّوْا». فَقَالَ رَجُلٌ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ لِيَ هَذِهِ الدَّارَ مَمْلُوءَةً ذَهَبًا، أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ. ثُمَّ قَالَ: «تَمَنَّوْا». فَقَالَ رَجُلٌ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ لُؤْلُؤًا وَزَبَرْجَدًا وَجَوْهَرًا، أُنْفِقُهُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأَتَصَدَّقُ. ثُمَّ قَالَ: «تَمَنَّوْا». فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. فَقَالَ عُمَرُ: أَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ مَمْلُوءَةٌ رِجَالًا مِثْلَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ، فَأَسْتَعْمِلَهُمْ فِي طَاعَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ، فِي سِيَاقِ الحَدِيثِ عَنِ التَّأَسِّي بِسَيِّدِنَا رَسُولِ اللهِ ﷺ، لَمْ يَزَلِ الحَدِيثُ مَوْصُولًا، سَائِلِينَ اللهَ تَعَالَى أَنْ يُعَلِّمَنَا مِنْهُ، وَأَنْ يُفَهِّمَنَا عَنْهُ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الثَّبَاتَ عَلَى الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ حَتَّى المَمَاتِ.

قَبْلَ أُسْبُوعٍ كَانَ الحَدِيثُ عَنِ التَّأَسِّي بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي دَعْوَتِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى، وَفِي الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، بِالعِتَابِ اللَّطِيفِ، وَبِالكَلِمَةِ الحَانِيَةِ، وَبِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ.

أُسْلُوبٌ رَدَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ مَنْ شَرَدَ، وَأَصْلَحَ بِهِ مَا فَسَدَ، وَأَخَذَ بِقُلُوبِ النَّاسِ إِلَى عَنْ هَدْيِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي اكْتِشَافِ مَوَاهِبِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَالإِفَادَةِ مِنْهَا بِمَا يَنْفَعُ صَاحِبَهَا وَيَنْفَعُ النَّاسَ، مِنْ خِلَالِ وَضْعِ الرَّجُلِ المُنَاسِبِ فِي المَكَانِ المُنَاسِبِ.

أَوَّلُ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ النَّجَاحِ وَالفَلَاحِ وَالتَّوْفِيقِ هِيَ وَضْعُ الرَّجُلِ المُنَاسِبِ فِي المَكَانِ المُنَاسِبِ.

نَتَحَدَّثُ عَنْ أُسْلُوبِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي اكْتِشَافِ المَوَاهِبِ وَتَنْمِيَتِهَا، وَالإِفَادَةِ مِنْهَا بِمَا يَنْفَعُ العِبَادَ وَالبِلَادَ؛ لِنَتَعَلَّمَ وَنَفْهَمَ عَنْ رَسُولِ اللهِ، وَنَقْتَدِيَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَنَكْتَشِفَ المَوَاهِبَ فِي أَوْلَادِنَا، وَفِي طَلَبَةِ العِلْمِ بَيْنَ أَيْدِينَا، فَنَرْعَاهُمْ، وَنَدْفَعَهُمْ إِلَى تَسْخِيرِ المَوَاهِبِ فِيمَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ.

وَفِي بِدَايَةِ الحَدِيثِ أَوَدُّ أَنْ أَقُولَ:

إِنَّ النَّاسَ لَيْسُوا سَوَاءً فِي أَيِّ شَيْءٍ، بَلْ إِنَّ اللهَ تَعَالَى خَلَقَ النَّاسَ مُتَفَاوِتِينَ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

مُتَفَاوِتُونَ فِي الإِيمَانِ؛ فَبَعْضُهُمْ أَقْوَى إِيمَانًا مِنْ بَعْضٍ.

مُتَفَاوِتُونَ فِي الأَخْلَاقِ؛ فَبَعْضُهُمْ أَعْلَى خُلُقًا مِنْ بَعْضٍ.

مُتَفَاوِتُونَ فِي العِلْمِ؛ فَبَعْضُهُمْ أَرْقَى عِلْمِيًّا مِنْ بَعْضٍ.

مُتَفَاوِتُونَ فِي القُوَّةِ، مُتَفَاوِتُونَ فِي المَالِ، مُتَفَاوِتُونَ فِي فِعْلِ الخَيْرَاتِ، مُتَفَاوِتُونَ فِي تَرْكِ المُنْكَرَاتِ.

خَلَقَ اللهُ النَّاسَ، وَفَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَجَعَلَهُمْ مُخْتَلِفِينَ اخْتِلَافَ تَنَوُّعٍ وَتَكَامُلٍ؛ حَتَّى لَا يَسْتَغْنِيَ إِنْسَانٌ عَنْ أَخِيهِ الإِنْسَانِ.

وَقَدْ نَصَّتْ آيَاتُ القُرْآنِ الكَرِيمِ عَلَى هَذَا المَعْنَى فِي قَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ:

﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا القُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ۝ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزُّخْرُف: 31-32].

وَمِنْ بَيْنِ مَا يَتَفَاوَتُ فِيهِ النَّاسُ رَجَاحَةُ العَقْلِ؛ فَمِنَ النَّاسِ مَنْ عِنْدَهُ مِنَ المَوَاهِبِ وَالمَلَكَاتِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِ.

مَوَاهِبُ فِي حِفْظِ القُرْآنِ الكَرِيمِ.

مَوَاهِبُ فِي فَهْمِ القُرْآنِ الكَرِيمِ.

مَوَاهِبُ فِي البَيَانِ.

مَوَاهِبُ فِي فَنِّ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ.

مَوَاهِبُ فِي الكِتَابَةِ.

مَوَاهِبُ فِي القِيَادَةِ.

مَوَاهِبُ فِي الرَّمْيِ بِالسَّهْمِ، وَمَوَاهِبُ فِي الضَّرْبِ بِالسَّيْفِ.

هَذِهِ المَوَاهِبُ اكْتَشَفَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي أَصْحَابِهِ، فَامْتَدَحَهَا فِيهِمْ.

هَذِهِ المَوَاهِبُ نَمَّاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ.

هَذِهِ المَوَاهِبُ وَالمَلَكَاتُ وَظَّفَهَا رَسُولُ اللهِ، وَطَوَّعَهَا، وَجَعَلَهَا فِيمَا يَنْفَعُ العِبَادَ وَالبِلَادَ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ.

زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، شَابٌّ ذَكِيُّ العَقْلِ، نَقِيُّ الفِكْرِ، قَوِيُّ الإِيمَانِ، ضَابِطٌ لِلحِفْظِ. لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ، وَبِالمَدِينَةِ طَوَائِفُ مِنَ اليَهُودِ لَهُمْ لُغَتُهُمْ وَلَهَجَاتُهُمْ، وَلِأَنَّ مَنْ تَعَلَّمَ لُغَةَ قَوْمٍ أَمِنَ مَكْرَهُمْ، انْتَقَى رَسُولُ اللهِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ، فَقَالَ: «اذْهَبْ فَتَعَلَّمْ لُغَةَ اليَهُودِ».

فَقَالَ زَيْدٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ:

«أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَتَعَلَّمْتُ لَهُ كِتَابَ يَهُودَ، وَقَالَ: إِنِّي وَاللهِ مَا آمَنُ يَهُودَ عَلَى كِتَابِي، فَتَعَلَّمْتُهُ، فَلَمْ يَمُرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى حَذَقْتُهُ، فَكُنْتُ أَكْتُبُ لَهُ إِذَا كَتَبَ، وَأَقْرَأُ لَهُ إِذَا كُتِبَ إِلَيْهِ».

مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، شَابٌّ يَتَمَتَّعُ بِلَبَاقَةِ اللِّسَانِ، وَمَهَارَةٍ فِي الأَخْذِ وَالرَّدِّ. أَرْسَلَهُ رَسُولُ اللهِ سَفِيرًا لَهُ إِلَى المَدِينَةِ، يُمَهِّدُ لِلهِجْرَةِ، وَيَدْعُو إِلَى الإِسْلَامِ، وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَيَقْرَأُ القُرْآنَ؛ كُلُّ ذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ.

مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، عَلِيمٌ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ، وَيَتَمَتَّعُ بِالحِكْمَةِ فِي الفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ. أَرْسَلَهُ رَسُولُ اللهِ إِلَى اليَمَنِ، يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فِي كِتَابِهِ، وَبِمَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.

أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ، أَمِينُ الأُمَّةِ، أَمِينٌ عَلَى الإِسْلَامِ وَالقُرْآنِ. أَرْسَلَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْعُو بَنِيَ … إِلَى الإِسْلَامِ، وَيَقْرَأُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، وَيَقُولُ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينًا، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ».

الدَّرْسُ المُسْتَفَادُ

إِنَّ مِنَ الوَاجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ أَنْ تَكْتَشِفَ المَوْهِبَةَ فِي الأَطْفَالِ وَالشَّبَابِ، وَفِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَأَنْ تُنَمَّىَ هَذِهِ المَوَاهِبُ، وَأَنْ تُوضَعَ فِي مَوْضِعِهَا المُنَاسِبِ؛ لِيَنْتَفِعَ النَّاسُ بِهَا فِي مَصَالِحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ:

إِنَّ الأُمَمَ الكَبِيرَةَ وَالرِّسَالَاتِ العَظِيمَةَ لَا تَحْتَاجُ إِلَى المَعَادِنِ المَدْفُونَةِ فَقَطْ، وَلَا تَحْتَاجُ إِلَى الثَّرَوَاتِ المَنْشُورَةِ فَقَطْ، وَلَكِنَّهَا تَحْتَاجُ قَبْلَ كُلِّ ذَلِكَ إِلَى الرُّؤُوسِ المُفَكِّرَةِ.

تَحْتَاجُ إِلَى القُلُوبِ الكَبِيرَةِ.

تَحْتَاجُ إِلَى العَزَائِمِ القَوِيَّةِ، وَإِلَى الهِمَمِ العَالِيَةِ.

الأُمَمُ الكَبِيرَةُ وَالرِّسَالَاتُ العَظِيمَةُ تَحْتَاجُ إِلَى مَوَاهِبَ وَقُدُرَاتٍ وَمَلَكَاتٍ، تَحْتَاجُ إِلَى رِجَالٍ كُفَاةٍ؛ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يُسَاوِي أَلْفًا.

حَاصَرَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ الحِيرَةَ، فَطَلَبَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مَدَدًا، فَمَا أَمَدَّهُ أَبُو بَكْرٍ إِلَّا بِرَجُلٍ وَاحِدٍ، هُوَ القَعْقَاعُ بْنُ عَمْرٍو التَّمِيمِيُّ، وَقَالَ: «لَا يُهْزَمُ جَيْشٌ فِيهِ مِثْلُهُ»، وَكَانَ يَقُولُ: «لَصَوْتُ القَعْقَاعِ فِي الجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ!».

وَلَمَّا طَلَبَ عَمْرُو بْنُ العَاصِ المَدَدَ مِنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي فَتْحِ مِصْرَ، كَتَبَ إِلَيْهِ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي أَمْدَدْتُكَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ رَجُلٍ، عَلَى كُلِّ أَلْفٍ مِنْهُمْ رَجُلٌ مَقَامَ الأَلْفِ»:

الزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ.

وَالمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو.

وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ.

وَمَسْلَمَةُ بْنُ مُخَلَّدٍ.

فِي دِينِنَا وَدُنْيَانَا نَحْنُ بِحَاجَةٍ مَاسَّةٍ إِلَى الرَّجُلِ الكُفْءِ، إِلَى الرَّجُلِ المُخْلِصِ المَوْهُوبِ، إِلَى الرَّجُلِ اللَّبِيبِ الفَطِنِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ مِحْوَرُ الصَّلَاحِ وَالإِصْلَاحِ فِي دُنْيَا النَّاسِ.

اللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الخَيْلِ﴾، لَكِنَّكُمْ لَنْ تُقَاتِلُوا عَدُوَّكُمْ إِلَّا بِالرَّجُلِ المُحَارِبِ.

تُصَاغُ القَوَانِينُ وَاللَّوَائِحُ لِتَحْكُمَ مُعَامَلَاتِ النَّاسِ، لَكِنَّهَا تَبْقَى حِبْرًا عَلَى وَرَقٍ مَا لَمْ تَجِدِ الرَّجُلَ المُنَاسِبَ الَّذِي يَقْضِي بِهَا.

إِنَّ القُوَّةَ لَيْسَتْ بِحَدِّ السِّلَاحِ بِقَدْرِ مَا هِيَ فِي قَلْبِ الجُنْدِيِّ المُنَاضِلِ.

العَدْلُ لَيْسَ فِي نَصِّ القَانُونِ بِقَدْرِ مَا هُوَ فِي ضَمِيرِ القَاضِي..

وَالتَّرْبِيَةُ لَيْسَتْ فِي صَفَحَاتِ الكِتَابِ بِقَدْرِ مَا هِيَ فِي رُوحِ المُعَلِّمِ. وَقَدْ قِيلَ: «رَجُلٌ ذُو هِمَّةٍ يُحْيِي أُمَّةً».

أَحَدُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُقَالُ لَهُ: حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ، أَحَدُ رِجَالِ الأَنْصَارِ. كَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ شَاعِرًا لَبِيبًا، مَوْهُوبًا، مُمَيَّزًا، بَارِزًا فِي نَظْمِ الشِّعْرِ، يَقُولُ كَلَامًا فَصِيحًا بَلِيغًا مَوْزُونًا بِمِيزَانِ الذَّهَبِ.

سَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ يُنْشِدُ شِعْرًا جَمِيلًا، فَأُعْجِبَ بِهِ، وَشَجَّعَهُ، وَرَفَعَ مَعْنَوِيَّاتِهِ.

وَكَانَتْ قَبَائِلُ العَرَبِ، وَكَانَتْ وُفُودُ العَرَبِ تَأْتِي المَدِينَةَ، وَمَعَهَا خَطِيبُهَا، وَمَعَهَا شَاعِرُهَا. فَإِذَا تَكَلَّمَ خَطِيبُهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ، خَطِيبِ رَسُولِ اللهِ: «أَجِبْ خَطِيبَهُمْ»؛ أَيْ: رُدَّ عَلَيْهِ.

وَإِذَا قَامَ شَاعِرُهُمْ فَقَالَ مَا قَالَ، قَالَ النَّبِيُّ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ: «أَجِبْ شَاعِرَهُمْ»؛ أَيْ: رُدَّ عَلَيْهِ.

فَكَانَ خَطِيبُ رَسُولِ اللهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ يَغْلِبُ خُطَبَاءَ العَرَبِ، وَكَانَ شَاعِرُ رَسُولِ اللهِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَغْلِبُ شُعَرَاءَ العَرَبِ.

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ:

بُعِثَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ فِي أُمَّةٍ عَرَبِيَّةٍ.

وَكَانَ العَرَبُ فُصَحَاءَ اللِّسَانِ، وَكَانَ لِلكَلَامِ الفَصِيحِ وَلِلشِّعْرِ أَثَرٌ بَالِغٌ فِي حَيَاتِهِمْ.

وَكَانَ المَدِيحُ يَطِيرُ وَيَنْتَشِرُ بَيْنَهُمْ، يَتَفَاخَرُونَ بِهِ، وَكَانَ هِجَاءُ أَحَدِهِمْ، أَيْ: ذَمُّهُ، أَشَدَّ تَأْثِيرًا عَلَيْهِ مِنَ القَتْلِ.

فَكَانُوا يَخَافُونَ المَذَمَّةَ بِالشِّعْرِ، وَمِنْ بَيْنِ مَا حَارَبَتْ بِهِ قُرَيْشٌ الإِسْلَامَ الهِجَاءُ، وَالهِجَاءُ هُوَ: تَعْدِيدُ المَذَامِّ وَالنَّقَائِصِ، وَلَوْ بِالكَذِبِ.

فَلَمَّا هَجَتْ قُرَيْشٌ الإِسْلَامَ، وَهَجَتْ رَسُولَ اللهِ، قَالَ النَّبِيُّ لِشُعَرَاءِ المُسْلِمِينَ: «اهْجُوا قُرَيْشًا»؛ وَالمُرَادُ هِجَاءُ مُشْرِكِيهَا، مُجَازَاةً لِهِجَائِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ وَلِلْإِسْلَامِ.

وَهَذَا لَيْسَ فُحْشًا، وَلَا أَمْرًا بِالفَحْشَاءِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، بَلِ المَقْصُودُ نِكَايَةُ المُشْرِكِينَ، وَكَفُّ أَذِيَّتِهِمْ بِهَجْوِهِمُ المُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّهُمْ إِذَا عَلِمُوا أَنَّهُمْ يُجَابُونَ عَنْ قَوْلِهِمْ، كَفُّوا عَنِ المُسْلِمِينَ أَذَاهُمْ.

أَرْسَلَ ﷺ أَوَّلًا إِلَى الشَّاعِرِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ فِيهِمُ الشِّعْرَ، دِفَاعًا عَنِ المُسْلِمِينَ.

فَهَجَاهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَلَمْ يَرْضَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِجَائِهِ إِيَّاهُمْ، وَلَمْ يُعْجِبْهُ، وَلَمْ يَشْفِهِ.

فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الشَّاعِرِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَجَاءَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُولَ فِيهِمْ شِعْرًا يَهْجُوهُمْ بِهِ، فَفَعَلَ، فَلَمْ يُرْضِ النَّبِيَّ ﷺ هِجَاؤُهُ إِيَّاهُمْ، وَلَمْ يَشْفِهِ.

ثُمَّ أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ فِي المَرَّةِ الثَّالِثَةِ إِلَى الشَّاعِرِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

فَلَمَّا جَاءَ حَسَّانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَدَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي المَسْجِدِ، قَالَ حَسَّانُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ وَلِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ: «قَدْ آنَ لَكُمْ»؛ أَيْ: قَدْ حَانَ الوَقْتُ، «أَنْ تُرْسِلُوا إِلَى هَذَا الأَسَدِ»

يَقْصِدُ لِسَانَهُ، «الضَّارِبِ بِذَنَبِهِ»؛ أَيْ: الَّذِي يُحَرِّكُ ذَنَبَهُ وَذَيْلَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا لِاغْتِيَاظِهِ وَغَضَبِهِ.

«ثُمَّ أَدْلَعَ لِسَانَهُ»؛ أَيْ: أَخْرَجَهُ مِنْ فَمِهِ، فَجَعَلَ يُحَرِّكُهُ كَأَنَّهُ يُعِدُّهُ لِلإِنْشَادِ وَقَوْلِ الشِّعْرِ، وَجَعَلَ يَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَأَفْرِيَنَّهُمْ بِلِسَانِي فَرْيَ الأَدِيمِ».

فَقَالَ لَهُ ﷺ: «لَا تَعْجَلْ حَتَّى تَسْأَلَ أَبَا بَكْرٍ عَنْ نَسَبِي فِيهِمْ»؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَعْلَمُ قُرَيْشٍ بِأَنْسَابِهَا، وَقُرَيْشٌ قَبِيلَةُ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ «حَتَّى يُلَخِّصَ لَكَ نَسَبِي».

وَذَلِكَ حَتَّى لَا يَسُبَّ حَسَّانٌ نَسَبَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ جَهْلٍ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللهِ مِنْهُمْ، وَنَسَبُهُ فِيهِمْ. فَذَهَبَ حَسَّانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ لَهُ خُلَاصَةَ نَسَبِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ.

ثُمَّ رَجَعَ حَسَّانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَقَالَ: «وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَأَسُلَّنَّكَ مِنْهُمْ كَمَا تُسَلُّ الشَّعَرَةُ مِنَ العَجِينِ».

فَقَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ»، ثُمَّ دَعَا لَهُ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ».

قَالَتْ عَائِشَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ لِحَسَّانَ: «إِنَّ رُوحَ القُدُسِ لَا يَزَالُ يُؤَيِّدُكَ مَا نَافَحْتَ عَنْ اللهِ وَرَسُولِهِ».

قَالَتْ: وَلَمْ يَزَلْ حَسَّانُ بِمَوْهِبَتِهِ الفَذَّةِ يَهْجُو قُرَيْشًا، وَيُعَدِّدُ نَقَائِصَهُمْ، حَتَّى أَعْجَبَ رَسُولَ اللهِ بِمَا قَالَ، وَحَتَّى شُفِيَ صَدْرُ رَسُولِ اللهِ، وَرَضِيَ مَا قَالَ.

وَهُنَا الدَّرْسُ العَظِيمُ

فَلَيْسَتِ القَضِيَّةُ أَنْ تَكْتَشِفَ المَوْهِبَةَ، وَإِنَّمَا القَضِيَّةُ أَنْ تُوَجِّهَ المَوْهِبَةَ لِلخَيْرِ وَالإِصْلَاحِ.

فَاللِّسَانُ مَوْهِبَةٌ؛ فَوَجِّهْهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي الحَقِّ.

وَالقَلَمُ مَوْهِبَةٌ؛ فَوَجِّهْهُ أَنْ يَكْتُبَ فِي الخَيْرِ.

وَالصَّوْتُ مَوْهِبَةٌ؛ فَوَجِّهْهُ أَنْ يَكُونَ فِي القُرْآنِ وَالدَّعْوَةِ.

وَالذَّكَاءُ مَوْهِبَةٌ؛ فَوَجِّهْهُ فِي حَلِّ مُشْكِلَاتِ النَّاسِ.

وَالمَالُ مَوْهِبَةٌ؛ فَوَجِّهْهُ فِي عِمَارَةِ الأَرْضِ وَنَفْعِ الخَلْقِ.

الكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ تَصْنَعُ عَالِمًا، وَالدَّعْوَةُ الصَّادِقَةُ تَصْنَعُ قَائِدًا، وَالثِّقَةُ المُتَبَادَلَةُ تَفْتَحُ أَبْوَابًا مُغْلَقَةً فِي نَفْسِ الإِنْسَانِ.

بَقِيَ لَنَا فِي خِتَامِ الحَدِيثِ عَنِ التَّأَسِّي بِرَسُولِ اللهِ ﷺ فِي اكْتِشَافِ المَوَاهِبِ وَتَنْمِيَتِهَا وَالإِفَادَةِ مِنْهَا بِمَا يَنْفَعُ العِبَادَ وَالبِلَادَ، بَقِيَ لَنَا أَنْ نَقُولَ:

قَدْ يَكُونُ فِي بَيْتِكَ عَالِمٌ أَرِيبٌ، أَوْ طَبِيبٌ حَاذِقٌ، أَوْ مُهَنْدِسٌ بَارِعٌ، أَوْ مُعَلِّمٌ حَكِيمٌ، أَوْ دَاعِيَةٌ مَاهِرٌ.

لَكِنَّهُ بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ تُكْتَشَفَ مَوَاهِبُهُ، وَإِلَى أَنْ تُنَمَّىَ وَتُوَجَّهَ، فَلَا تَحِدْ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ.

إِنَّ المَوَاهِبَ نِعْمَةٌ.

وَمَا مِنْ نِعْمَةٍ إِلَّا وَهِيَ تَسْتَوْجِبُ الشُّكْرَ.

وَمِنْ شُكْرِ نِعْمَةِ المَوَاهِبِ اكْتِشَافُهَا، وَتَنْمِيَتُهَا، وَرِعَايَتُهَا، وَتَوْظِيفُهَا فِيمَا يَنْفَعُ النَّاسَ، وَرَبْطُ المَوَاهِبِ بِحُسْنِ الأَخْلَاقِ.

فَكَمْ مِنْ مَوْهِبَةٍ لَمْ تَرْتَبِطْ بِالدِّينِ، فَتَحَوَّلَتِ المَوْهِبَةُ إِلَى فِتْنَةٍ!

الذَّكَاءُ بِلَا أَخْلَاقٍ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى مَكْرٍ وَخِدَاعٍ.

وَالقُوَّةُ بِلَا أَمَانَةٍ قَدْ تَتَحَوَّلُ إِلَى ظُلْمٍ وَغَشْمٍ.

وَالعِلْمُ بِلَا تَقْوَى قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى أَدَاةٍ لِلإِبَادَةِ وَالإِفْسَادِ.

وَلِهَذَا جَمَعَ القُرْآنُ بَيْنَ القُوَّةِ وَالأَمَانَةِ، وَفِي سُورَةِ القَصَصِ قَالَتِ الفَتَاةُ صَاحِبَةُ الحَيَاءِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ۖ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ﴾.

نَحْنُ لَا نُرِيدُ فَقَطْ إِنْسَانًا ذَكِيًّا، وَإِنَّمَا نُرِيدُ إِنْسَانًا ذَكِيًّا أَمِينًا.

وَلَا نُرِيدُ فَقَطْ إِنْسَانًا مُبْدِعًا، وَإِنَّمَا نُرِيدُ إِنْسَانًا مُبْدِعًا يَخَافُ اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ.

وَلَا نُرِيدُ فَقَطْ إِنْسَانًا نَاجِحًا، وَإِنَّمَا نُرِيدُ إِنْسَانًا نَاجِحًا يَنْفَعُ نَفْسَهُ، وَيَتَعَدَّى نَفْعُهُ إِلَى النَّاسِ.

قَالَ العَلِيمُ الحَكِيمُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.

نَسْأَلُ اللهَ العَظِيمَ رَبَّ العَرْشِ الكَرِيمِ أَنْ يُعَلِّمَنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَأَنْ يَنْفَعَنَا بِمَا عَلَّمَنَا؛ إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَمَوْلَاهُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.