رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التكييف الفقهي للإيداع البنكي والاستثمار

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التكييف الفقهي للإيداع البنكي والاستثمار: قراءة موضوعية في قرارات المجامع ورؤية دار الإفتاء

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

التكييف الفقهي للإيداع البنكي والاستثمار: قراءة موضوعية في قرارات المجامع ورؤية دار الإفتاء

———

مقدمة:

#حث الإسلام على تنمية الأموال واستثمارها، وحذر من كنزها وتعطيلها، حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “اتَّجِرُوا فِي أَمْوَالِ الْيَتَامَى لَا تَأْكُلُهَا الزَّكَاةُ”.

#وفي عصرنا الحاضر، ظهرت المؤسسات المصرفية وتعددت أشكال التعامل معها، مما أحدث نقاشاً فقهياً واسعاً حول التكييف الشرعي لـ (الإيداع البنكي ذي العائد الثابت) ومقاربته بعقود (الاستثمار) في الفقه الإسلامي.

#ولبيان هذه المسألة، نعرض الرأيين الفقهيين المعاصرين في تكييف هذه المعاملة بتجرد وموضوعية، مع بيان موقع البنوك الإسلامية من هذا الخلاف.

———-

المحور الأول: رؤية المجامع الفقهية وجمهور المعاصرين (المنع)

أولاً: التكييف الفقهي للإيداع البنكي عند الجمهور

#يرى أصحاب هذا الاتجاه أن العميل عندما يضع ماله في البنك التقليدي، فإن البنك يخلطه بأمواله ويتصرف فيه، ويلتزم برد مثله متى طُلب.

#هذا التصرف يُكيَّف فقهياً عندهم على أنه (قَرْضٌ)؛ لأن حقيقة القرض هي دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله.

وبما أن البنك يضمن رأس المال، ويشترط زيادة محددة سلفاً، فإنهم يرون انطباق القاعدة الفقهية: (كُلُّ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا فَهُوَ رِبًا).

#يقول الإمام ابن قدامة: “وَكُلُّ قَرْضٍ شَرَطَ فِيهِ أَنْ يَزِيدَهُ، فَهُوَ حَرَامٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ… لِأَنَّ الْقَرْضَ عَقْدُ إرْفَاقٍ وَقُرْبَةٍ، فَإِذَا شَرَطَ فِيهِ الزِّيَادَةَ أَخْرَجَهُ عَنْ مَوْضُوعِهِ”. (ابن قدامة. المغني. ج4. ص240).

———-

ثانياً: حقيقة الاستثمار (المضاربة) عند الجمهور

#الاستثمار في الفقه الإسلامي يقوم على عقد يسمى (المضاربة) أو (القراض)، وهو: أن يدفع شخص ماله إلى جهة لتتجر له فيه، ويكون الربح بينهما بنسبة متفق عليها.

#هذا العقد مبني على قاعدة: (الْغُنْمُ بِالْغُرْمِ)؛ أي أن من يستحق الربح يتحمل مخاطرة الخسارة.

#يقول الإمام الكاساني: “وَأَمَّا رُكْنُ الْمُضَارَبَةِ فَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ… وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مَعْلُومَ الْقَدْرِ بِالْجُزْءِ الشَّائِعِ كَالنِّصْفِ وَالثُّلُثِ”. (الكاساني. بدائع الصنائع. ج6. ص79).

———

ثالثاً: الفروق الدقيقة بين العقدين في هذا الاتجاه

#يفرق أصحاب هذا الرأي بين المضاربة الشرعية والإيداع البنكي بمعيارين:

١. من حيث (ضمان رأس المال): في الإيداع البنكي رأس المال (مضمون) بالكامل، بينما في المضاربة رأس المال (غير مضمون) ضد الخسارة التجارية، ولا يجوز شرعاً اشتراط ضمانه.

——–

٢. من حيث (طريقة تحديد العائد): #في الإيداع البنكي يُحدد العائد بنسبة مئوية من (رأس المال)، بينما في المضاربة يُحدد بنسبة مئوية شائعة من (الربح الفعلي) إن وُجد.

———

المحور الثاني: رؤية دار الإفتاء المصرية (الجواز)

#في المقابل، سلكت دار الإفتاء المصرية (وخاصة في العقدين الأخيرين) مسلكاً فقهياً وأصولياً آخر، يخرج هذه المعاملة من دائرة (القرض) إلى دائرة (الاستثمار)، وذلك استناداً إلى النقاط الآتية:

——–

أولاً: تكييف العقد على أنه (عقد تمويل واستثمار)

#ترى دار الإفتاء أن العلاقة بين المودع والبنك ليست علاقة (مقرض ومقترض)، بل هي علاقة (مستثمر وجهة استثمار).

#وبناءً عليه، فإن قاعدة (كل قرض جر نفعاً فهو ربا) لا تنطبق هنا؛ لأن العقد من أساسه يُكيّف كـ (عقد تمويل) أو (وكالة بالاستثمار).

——–

ثانياً: الاعتماد على فكرة (العقود المستحدثة)

#كيفت دار الإفتاء هذه المعاملة على أنها من (العقود المستحدثة) التي لم تكن موجودة في الفقه الموروث بصورتها الحالية.

#والقاعدة الأصولية عندهم أن (الأصل في المعاملات الإباحة)، وما دام هذا العقد يحقق مصلحة للطرفين، ولا يشتمل على غرر فاحش، فهو عقد صحيح.

———–

ثالثاً: التخريج الفقهي لـ (تحديد العائد مقدماً) و(ضمان رأس المال)

١. تحديد العائد:

#رأت دار الإفتاء أن تحديد العائد مقدماً (بنسبة من رأس المال) هو بمثابة (تحديد للربح لقطع النزاع)، واعتبرت أن هذا التحديد جائز في العقود المستحدثة بناءً على تغير العرف الاقتصادي.

———

٢. ضمان رأس المال: استندت الدار إلى أن البنك يعمل تحت إشراف (البنك المركزي) الذي يمثل (ولي الأمر)، وتدخل ولي الأمر لضمان أموال المودعين هو من باب (المصلحة العامة) وحفظ أموال الناس، وليس من باب اشتراط الضمان المفسد للمضاربة الفردية.

———

رابعاً: اعتبار (الشخصية الاعتبارية) للبنك

#اعتمدت دار الإفتاء على أن البنك (شخصية اعتبارية) وليس شخصاً طبيعياً.

#ورأت أن علة تحريم الربا هي (الاستغلال لحاجة المقترض)، وهذه العلة تنتفي عند التعامل مع مؤسسة مالية ضخمة تضخ الأموال في مشاريع كبرى، فلا يوجد استغلال لمحتاج.

———-

المحور الثالث: المناقشات الأصولية بين الفريقين

#ولم تخلُ هذه المسألة من مناقشات وجدالات أصولية عميقة بين المانعين والمجيزين، نلخص أبرزها في الآتي:

١. النقاش حول (الشخصية الاعتبارية): اعترض المانعون بأن كون البنك شخصية اعتبارية لا يخرجه عن كونه يضمن المال في ذمته، وكل ما ضُمِن في الذمة بعائد مشروط فهو قرض ربوي.

#وأجاب المجيزون بأن الذمة الاعتبارية لا يُتصور فيها مقصود الاستغلال الذي لأجله حُرِّم الربا.

#فرد المانعون بأن العلة الشرعية للتحريم هي (الزيادة المشروطة في القرض) سواء كان المقترض فرداً أو مؤسسة.

——–

٢. النقاش حول (القياس على بيت المال):

#استدل المجيزون بجواز معاملة “بيت المال” في عقود لا تجوز بين الأفراد.

#فاعترض المانعون بأن هذا قياس مع الفارق؛ لأن بيت المال يتصرف لعموم مصلحة المسلمين، بينما البنك مؤسسة ربحية تسعى لتعظيم أرباح مساهميها.

——–

٣. النقاش حول (العقود المستحدثة):

#اعترض المانعون بأن تحديد النسبة من رأس المال وضمانه يخرج العقد عن حقيقة المضاربة ويجعله قرضاً، وأن (العقود المستحدثة) لا يجوز أن تصادم نصاً قطعياً أو إجماعاً مستقراً.

#وأجاب المجيزون بأن المقاصد معتبرة، والعرف محكم، وتدخل ولي الأمر يبيح الضمان لحفظ الحقوق.

———

المحور الرابع: البنوك الإسلامية (البديل التطبيقي والرد على الشبهات)

#بناءً على رأي المجامع الفقهية المانع للفوائد البنكية المحددة سلفاً، ظهرت (البنوك الإسلامية) كبديل تطبيقي يسعى لتشغيل الأموال وفق صيغ العقود الشرعية المسماة (كالمضاربة، والمرابحة، والمشاركة).

——–

١.آلية عملها في حسابات الاستثمار: #تقوم البنوك الإسلامية بقبول أموال المودعين على أساس عقد (المضاربة المطلقة).

#وفي هذه الحالة، لا يضمن البنك الإسلامي رأس المال (إلا في حالة التعدي أو التقصير)، ولا يحدد عائداً ثابتاً مقطوعاً من أصل المبلغ، بل يوزع الأرباح الفعلية الناتجة عن نشاطه الاستثماري بنسب شائعة متفق عليها.

———

٢.شبهة (البنك الإسلامي خدعة والمال يصب في مكان واحد): يتردد هذا القول كثيراً، والرد عليه يتلخص في الآتي:

١. العبرة بصحة العقود لا بتشابه النتائج:

#الشرع يحكم على (طريقة الحصول على المال) وليس على (النتيجة الرقمية). فقد يكون العائد من القرض الربوي 10%، والعائد من المرابحة الإسلامية 10%، النتيجة الظاهرية واحدة، لكن الأول تم بزيادة على قرض (حرام)، والثاني تم ببيع وشراء وتملك (حلال). قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾.

——

٢. الخضوع للبنك المركزي ضرورة تنظيمية:

#كون البنوك الإسلامية تخضع لرقابة البنك المركزي فهذا إجراء سيادي لحماية اقتصاد الدولة، ولا يعني إجبارها على التعامل بالربا، بل تُخصص لها نوافذ وقوانين تتوافق مع هيئاتها الشرعية.

——-

٣. أخطاء التطبيق لا تُبطل الفكرة:

#قد تقع بعض الأخطاء التطبيقية من الموظفين، لكن هذا يُحسب على (التطبيق البشري) ولا يُبطل (الفكرة الإسلامية) من أساسها.

——–

الخلاصة:

١.رأي المجامع الفقهية:

#يرى أن العبرة في العقود بالمعاني والحقائق، وأن ضمان رأس المال مع تحديد عائد ثابت يجعله قرضاً ربوياً، وأن الاستثمار الحقيقي يتطلب تحمل المخاطرة وتوزيع الأرباح الفعلية.

——

٢.رأي دار الإفتاء:

#يرى أن الإيداع البنكي عقد استثمار وتمويل مستحدث بين ذمة اعتبارية ومودع، ويجوز فيه تحديد العائد وضمان رأس المال بناءً على العرف وتدخل ولي الأمر لقطع النزاع.

——-

٣.البنوك الإسلامية:

#تمثل التطبيق العملي لرأي المجامع الفقهية، حيث تعتمد على عقود المضاربة والمشاركة دون ضمان لرأس المال أو تحديد مسبق للعائد من أصل المبلغ.

والله أعلم.