رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الحداثة

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الحداثة

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

“الحداثة” مصطلح غربي تم تزييف مضمونه عندما “خلط” المتغربون مضمونه بمضمون مصطلح “التجديد” الإسلامي ..

فعلى حين يعني التجديد الانطلاقَ من الثوابت الجامعة إلى فقه الواقع المتغير والبحث له عن الأحكام التي تَصِله بمناهج الإسلام، على النحو الذي يجمع بين العقل والنقل، وبين فقه الواقع وفقه الأحكام،

فإن الحداثة هي النزعة الغربية التي تقيم قطيعةً معرفيةً كبرى مع الموروث، ومع الموروث الديني على وجه الخصوص .. إنها الثقافة التي زعمت أن الدين إنما مَثَّلَ طفولة العقل البشري في التاريخ القديم، وجاءت الميتافيزيقا لتقيمَ قطيعةً معرفيةً مع مرحلة الدين، ثم جاءت الفلسفة الوضعية لتقيمَ قطيعةً معرفيةً مع الميتافيزيقا، ولتحل الإنسان في مركز الثقافة بدلاً من الله ..

تلك هي الحداثة في مضمونها الغربي، ولذلك تجد كلَّ الحداثيين، في بلادنا وفي غيرها، علمانيين، يقيمون قطيعةً معرفيةً مع الشريعة، ويتبنون في بلادنا – كأسلافهم الغربيين- القانون الوضعي الغربي بدلاً من الفقه الإسلامي في المعاملات ..

ومِن هؤلاء العلمانيين مَن يقفون بالدين عند ما لله، جاعلين ما لقيصر هو للنُّظُم الغربية في الحُكم والإدارة والقضاء والتشريع ..

ومنهم ماديون يجعلون قيصر هو السيد على ما لله أيضاً ..

فحداثتهم تقيم قطيعة معرفية مع الدين .. وعلمانيتهم تقيم قطيعةً بين الأرض والسماء.

* أما موقفي من الغرب وحضارته الحديثة فهو موقف “التمييز” بين :

– ما أبدعه الغرب الحديث في العلوم الطبيعية وتطبيقاتها (وهو “مشترك إنساني عام” لا تختلف حقائقه وقوانينه باختلاف ديانات وفلسفات المبدعين لها، ولقد سبق للغرب القديم أن تتلمذ في هذا الميدان على الحضارات الشرقية القديمة، ثم تتلمذت الحضارة الإسلامية فيه على الإغريق والرومان، ثم تتلمذت النهضة الأوربية الحديثة فيه على الحضارة الإسلامية، فكان هذا الجانب من الإبداع الحضاري “مشتركاً إنسانياً عاماً” كالماء والهواء، لا يعرف الحدود ولا السدود)،

– بينما تظل الثقافات والعقائد والفلسفات بمثابة “البصمة” التي تُمايِزُ بين الأمم في “منتدى الحضارات الإنسانية”.

ولهذه الحقيقة التي تَرَى العالَم “منتدى حضاراتٍ”، بينها “مشترك إنساني عام”، كما أن لكل منها “خصوصيةٌ” تُمَيِّزُها، كان تركيزي على ضرورة التمييز بين “التفاعل الحضاري” (المطلوب) وبين “التبعية الحضارية” (المرفوضة).

إنَّ لدينا لَوْنَان من “الجمود السلفي” :

– يهاجر أصحابُ اللون الأول من “الحاضر” إلى “تجارب الماضي وشكلياته”،

– أما اللون الثاني فهاجر أصحابه من “الشرق الحضاري” إلى “الغرب الحضاري”، بزَعْم وحدة الحضارة على النطاق العالمي،

وأولهم لا يميز أصحابه بين الثوابت والمتغيرات،

وثانيهما لا يميز أصحابه بين ما هو “مشترك إنساني عام” بين كل الحضارات وبين ما هو من “الخصوصيات الثقافية والحضارية”.

ولقد تصديتُ لكلا الانحرافَيْن (انحراف الجمود والتقليد، وانحراف التغريب)، ونبهتُ على أن انحرافَ الجمودِ هو الذي يَخْلق الفراغَ الذي يتمدد فيه التغريب، كما أن انحرافَ التغريب يُخِيفُ أهلَ الجمودِ فيزدادون انغلاقاً على جمودهم، بينما “التجديد” هو الذي يحافظ على الهُوِية، ويملأ الفراغَ، فلا يَدَعُ مجالاً لتمدد التغريب في فضائنا الحضاري.

وإذا كنتُ قد ركزتُ كثيراً على مخاطر التغريب؛ فلأنَّ أغلبَ نُظُم الحكم الشرقية قد سَخَّرَتْ مؤسسات الفكر والثقافة والتعليم والإعلام لخدمة التغريب، الأمر الذي جعل من هذا التغريب الحداثي الخطرَ الأكبرَ على الإسلام وحضارته.