رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التقييم الحقيقي للذات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن التقييم الحقيقي للذات

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

كيف تقيّم نفسك بنفسك وتصبح شخصًا فاعلًا في مجتمعك؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. ابدأ بسؤال: من أنا فعلًا؟

التقييم الحقيقي للذات يبدأ من لحظة صدق مع النفس، بعيدًا عن الصورة التي نحاول تقديمها للآخرين. اسأل نفسك: ما القيم التي أعيش وفقها؟ وما المبادئ التي أتخلى عنها عندما أتعرض للضغط؟ وما الصفات التي أفتخر بها، وما السلوكيات التي أخجل من الاعتراف بها؟ إن معرفة الذات ليست ترفًا فكريًا، بل هي أساس القدرة على توجيه الحياة. فالإنسان الذي لا يعرف نفسه قد يقضي سنوات طويلة في تحقيق أهداف لم يخترها أصلًا، وإنما ورثها من الأسرة أو المجتمع أو ضغط المقارنة بالآخرين.

2. قيّم نفسك بالأفعال لا بالكلمات

قد يعتقد الإنسان أنه مسؤول، طموح، صادق أو متعاون، لكن السلوك اليومي هو الاختبار الحقيقي لهذه الصفات. لذلك لا تسأل نفسك فقط: «ماذا أعتقد عن نفسي؟»، بل اسأل: «ماذا أفعل عندما أكون أمام موقف حقيقي؟». هل تفي بوعودك؟ هل تحترم وقت الآخرين؟ هل تتحمل نتائج قراراتك؟ هل تساعد عندما تستطيع؟ إن الفجوة بين الصورة التي نملكها عن أنفسنا وبين سلوكنا الفعلي هي إحدى أهم النقاط التي ينبغي أن يكشفها التقييم الذاتي.

3. اعرف نقاط قوتك وضعفك

الشخص الناضج لا ينظر إلى نفسه باعتبارها مجموعة من العيوب، ولا باعتبارها شخصية كاملة لا تحتاج إلى تطوير. لديه نقاط قوة يمكن استثمارها، ونقاط ضعف تحتاج إلى العمل عليها. اكتب بصدق خمس نقاط قوة تمتلكها، ثم خمس نقاط تحتاج إلى تحسينها، وبعد ذلك اسأل: كيف يمكن أن أوظف نقاط قوتي لخدمة الآخرين؟ وكيف يمكن أن أحول نقاط ضعفي إلى أهداف للتعلم؟ إن الاعتراف بالضعف ليس علامة نقص؛ بل قد يكون أول خطوة نحو القوة.

4. اجعل تقييمك لنفسك دوريًا

لا ينبغي أن تنتظر وقوع أزمة كبيرة حتى تراجع نفسك. خصص وقتًا دوريًا، مرة كل شهر مثلًا، لمراجعة حياتك. ماذا أنجزت؟ أين أهدرت وقتك؟ ما العادات التي تحسنت؟ ما الأخطاء التي تكررت؟ وما الشيء الذي كنت تستطيع القيام به ولم تفعله؟ وتشير الأدلة البحثية في مجال التقييم الذاتي إلى ارتباطه بعمليات التعلم والتنظيم الذاتي والكفاءة الذاتية، وإن كانت فاعليته تعتمد على كيفية استخدامه وجودته.

5. لا تحول النقد الذاتي إلى جلد للذات

هناك فرق كبير بين أن تقول: «ارتكبت خطأ وأحتاج إلى إصلاحه»، وبين أن تقول: «أنا إنسان فاشل». الأول تقييم لسلوك قابل للتغيير، أما الثاني فهو جلد للذات. لذلك اجعل نقدك محددًا وعمليًا: ما الخطأ؟ لماذا حدث؟ ماذا تعلمت منه؟ وما الخطوة التي سأقوم بها حتى لا يتكرر؟ بهذه الطريقة يصبح الخطأ معلّمًا، وليس سجنًا نفسيًا.

6. تحمل مسؤولية الجزء الذي تستطيع التحكم فيه

ليست كل ظروف الحياة تحت سيطرة الإنسان؛ فهناك ظروف اقتصادية واجتماعية وصحية وعائلية قد تفرض قيودًا حقيقية. لكن وجود القيود لا يعني غياب القدرة على الفعل. يؤكد المنظور الاجتماعي المعرفي لدى ألبرت باندورا أهمية «الفاعلية الإنسانية»؛ أي قدرة الإنسان على التأثير في مسار حياته من خلال القصد والتخطيط والتنظيم الذاتي والتأمل في قدراته.

لذلك بدل أن تسأل دائمًا: «لماذا حدث هذا لي؟»، اسأل أيضًا: «ما الذي أستطيع فعله الآن؟».

7. ابنِ كفاءتك الذاتية

من أصعب العقبات التي تمنع الإنسان من الفاعلية اعتقاده المسبق بأنه عاجز عن النجاح. مفهوم الكفاءة الذاتية Self-Efficacy عند باندورا يشير إلى اعتقاد الشخص بقدرته على تنفيذ السلوك المطلوب والتعامل مع التحديات. وقد ارتبطت الكفاءة الذاتية في الأدبيات البحثية بالدافعية والتعلم والمرونة والإنجاز في مجالات متعددة.

لكن الثقة بالنفس لا تُبنى بالشعارات؛ بل بالإنجازات الصغيرة المتراكمة. ابدأ بما تستطيع، أنجزه، ثم ارفع مستوى التحدي تدريجيًا.

8. لا تنتظر أن تصبح مثاليًا حتى تبدأ

من الأخطاء الشائعة أن يقول الإنسان: «عندما أتعلم أكثر، وعندما أملك المال، وعندما تتحسن ظروفي، سأبدأ». وهكذا تمر السنوات دون بداية. الفاعلية لا تحتاج إلى الكمال؛ تحتاج إلى المبادرة. قد تبدأ بمساعدة شخص واحد، أو تعليم مهارة، أو مشاركة معرفة مفيدة، أو المشاركة في عمل تطوعي، أو تحسين محيطك المباشر. الأثر الكبير غالبًا ما يبدأ بفعل صغير يتكرر بإخلاص.

9. حوّل معرفتك إلى قيمة

المعرفة التي تبقى حبيسة العقل لا تصنع أثرًا اجتماعيًا كبيرًا. اسأل نفسك: ماذا أعرف ويمكن أن يستفيد منه الآخرون؟ إذا كنت تمتلك خبرة مهنية، فانقلها. إذا كنت جيدًا في مجال معين، علّم غيرك. إذا كنت قادرًا على الكتابة، فاكتب ما ينفع. وإذا كنت تملك خبرة في الحياة، فاجعلها مصدرًا للحكمة لا للتعالي. المجتمع يتقدم عندما تتحول المعرفة الفردية إلى منفعة مشتركة.

10. تعلم إدارة وقتك وطاقتك

الشخص الفاعل ليس بالضرورة من يعمل أكثر، بل من يعرف أين يضع وقته وطاقته. كثرة الانشغال لا تعني الإنتاجية. لذلك فرّق بين ما هو مهم وما هو عاجل، وبين ما يضيف قيمة وما يستهلك طاقتك بلا نتيجة. راقب الساعات التي تضيع في الهاتف، والمجادلات العقيمة، ومتابعة حياة الآخرين، ثم اسأل: لو استثمرت جزءًا من هذه الطاقة في تطوير نفسي أو خدمة مجتمعي، ماذا كان يمكن أن يتغير؟

11. ابنِ استقلالك الداخلي

أن تصبح شخصًا فاعلًا يعني أن تمتلك القدرة على اتخاذ قراراتك بناءً على قيمك وأهدافك، لا بناءً على مديح الآخرين. وتشير نظرية التحديد الذاتي إلى أهمية ثلاثة احتياجات نفسية أساسية في الدافعية والنمو: الاستقلالية، والكفاءة، والانتماء. عندما يشعر الإنسان بأنه يختار أفعاله، وأنه قادر على تطوير كفاءته، وأنه مرتبط بالآخرين بعلاقات صحية، تزداد فرص الدافعية والاستمرار والرفاه النفسي.

12. تعلم كيف تتعامل مع الاختلاف

المجتمع لا يحتاج إلى نسخ متطابقة من البشر. الفاعلية الاجتماعية تتطلب القدرة على الحوار مع أشخاص يختلفون عنك في التفكير والخبرة والخلفية. لا تجعل الاختلاف تهديدًا لكرامتك. استمع، ناقش، اعترض بأدب، وغير رأيك عندما تظهر لك حجة أقوى. الإنسان الذي لا يستطيع التعاون إلا مع من يوافقونه يتحول بسهولة إلى مصدر للصراع بدل أن يكون عنصرًا في الحل.

13. ابحث عن مشكلة حقيقية وابدأ بحلها

إذا أردت أن تعرف قيمتك الاجتماعية، انظر إلى المشكلات التي تستطيع المساهمة في حلها. هل هناك أطفال يحتاجون إلى التعليم؟ أشخاص يحتاجون إلى التوجيه؟ كبار سن يحتاجون إلى المساعدة؟ شباب يحتاجون إلى خبرة؟ حي يحتاج إلى مبادرة؟ مؤسسة تحتاج إلى أفكار؟

الفاعلية ليست مجرد امتلاك الرغبة في خدمة المجتمع، بل القدرة على اكتشاف الاحتياجات وتحويل الرغبة إلى عمل منظم. وهنا تنتقل من «شخص يتحدث عن التغيير» إلى «شخص يشارك في صناعة التغيير».

14. انتقل من الفاعلية الفردية إلى الفاعلية الجماعية

قد يستطيع فرد واحد إنجاز شيء محدود، لكن التعاون يضاعف القدرة على التأثير. يميز باندورا بين الفاعلية الشخصية والفاعلية الجماعية، حيث يستطيع الأفراد من خلال العمل المنسق تحقيق أهداف لا يستطيعون الوصول إليها منفردين.

لذلك تعلم العمل ضمن فريق، وتقاسم المسؤوليات، واحترام أدوار الآخرين، والبحث عن نقاط الاتفاق بدل تضخيم نقاط الاختلاف. المجتمع القوي ليس مجتمع الأفراد الأقوياء فقط، بل مجتمع القادرين على التعاون.

15. اجعل معيار نجاحك مقدار الأثر الذي تتركه

في النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: «كم شخصًا يعرفني؟» بل: «كم شخصًا استفاد مني؟». ولا: «كم حققت لنفسي؟» فقط، بل: «ماذا أضفت إلى المكان الذي عشت فيه؟». قد لا يملك الإنسان شهرة أو منصبًا أو ثروة ضخمة، لكنه يستطيع أن يكون أبًا صالحًا، أو معلمًا مؤثرًا، أو زميلًا نزيهًا، أو جارًا نافعًا، أو متطوعًا مخلصًا، أو صاحب كلمة طيبة ومعرفة نافعة.

القيمة الحقيقية للإنسان لا تختصر في حجم ما يملك، وإنما تظهر أيضًا في حجم الخير الذي يستطيع أن يصنعه بما يملك.

خاتمة

تقييم الإنسان لنفسه ليس جلسة لإدانة الماضي، وإنما فرصة لإعادة توجيه المستقبل. راجع أفكارك، اختبر أفعالك، اعترف بنقاط ضعفك، استثمر نقاط قوتك، طوّر كفاءتك، وتحمل مسؤوليتك عن الجزء الذي تستطيع تغييره.

ثم اسأل نفسك كل فترة:

هل أصبحت أكثر وعيًا؟

هل أصبحت أكثر انضباطًا؟

هل أصبحت أكثر نفعًا؟

هل أصبح وجودي إضافة إلى من حولي؟

إذا كانت الإجابات تتحسن مع مرور الوقت، فأنت لا تطور نفسك فقط؛ بل تتحول تدريجيًا إلى إنسان فاعل قادر على صناعة أثر في أسرته ومهنته ومجتمعه.

مراجع علمية:

Bandura, A. (2001). Social Cognitive Theory: An Agentic Perspective. Annual Review of Psychology, 52, 1–26.

Bandura, A. (1999). Social Cognitive Theory: An Agentic Perspective. Asian Journal of Social Psychology, 2(1), 21–41.

Bandura, A. (2000). Exercise of Human Agency Through Collective Efficacy. Current Directions in Psychological Science, 9(3).

Bandura, A. (1977). Self-efficacy: Toward a Unifying Theory of Behavioral Change. Psychological Review, 84(2), 191–215.