رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الضرب في التربية والتعليم

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الضرب في التربية والتعليم

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الضرب في التربية والتعليم .

▪️ يُعدّ ضرب المتعلمين في الميدان التربوي من المسائل التي تباينت حولها أنظار الفقهاء والمربين، وانقسمت فيها الاتجاهات إلى فريقين:

أولًا: الاتجاه المجيز للضرب التأديبي المنضبط

وهو قول جمهور الفقهاء، إذ أجازوا ضرب الصبي للتأديب عند بلوغه العاشرة إن فرّط في الصلاة أو تمادى في الخطأ، بشرط أن يكون الضرب غير مبرّح، لا يشين الجسد، ولا يُحدث جرحًا.

الأدلة التي اعتمدوا عليها:

1. من السنة النبوية:

· قوله ﷺ: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع» <رواه أبو داود>.

“ولا بأس في ذلك؛ فالمعلم والمعلمة والوالد كل منهم عليه أن يلاحظ الأولاد، وأن يؤدب من يستحق التأديب إذا قصَّر في واجبه حتى يعتاد الأخلاق الفاضلة… فالذَّكر يُضرب والأنثى كذلك إذا بلغ كل منهم العشر وقصَّر في الصلاة، ويؤدَّب حتى يستقيم على الصلاة، وهكذا الواجبات الأخرى في التعليم وشئون البيت وغير ذلك… لكن يكون الضرب خفيفاً لا خطر فيه ولكن يحصل به المقصود.” <مجموع فتاوى الشيخ ابن باز (6/ 403)>

2. تحديد مقدار الضرب:

· عن أبي بردة الأنصاري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يُجلد أحدٌ فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله» <رواه البخاري (6456) ومسلم (3222)>. وفي رواية للبخاري (6457): «لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حدٍّ من حدود الله».

“فلا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط؛ فهذا أحسن ما خُرِّج عليه الحديث.” <إعلام الموقعين (2/ 23)>

3. من فعل الصحابة:

· ضرب أبو بكر رضي الله عنه غلامه عندما أضاع بعيره، ورسول الله ﷺ يتبسم ويقول: «انظروا إلى هذا المحرم ما يصنع» <رواه أبو داود>.

والحديث “فيه جواز تأديب الغلام بالضرب إذا بلغ حدًا يحتمله” <شرح صحيح مسلم، النووي، المجلد: 8، الصفحة: 186>

ضوابط الضرب عند الفقهاء:

1. ألا يتجاوز ثلاث ضربات في غير حد الله:

يكون الضرب معتاداً كماً وكيفاً ومحلاً، يعلم المعلم الأمن منه، ويكون باليد لا بالعصا، وبقدر الحاجة، ولا يتجاوز عشر ضربات في الحدود، أما في التأديب على التعليم فلا يتجاوز ثلاثًا.

2. أن يكون بإذن الولي:

فلا يكفي مجرد تسليم الولي صبيه للمعلم إلا إذا كان الضرب متعارفاً عليه عند الجميع، فيقوم العرف مقام التصريح بالإذن به.

3. أن يكون الصبي يعقل التأديب:

قال الأثرم: سئل أحمد عن ضرب المعلم للصبيان فقال: “على قدر ذنوبهم ويتوقى بجهده الضرب، وإذا كان صغيراً لا يعقل فلا يضربه.” <إسلام ويب، ضرب الطلاب – رؤية شرعية، تاريخ النشر: 5-3-2003م>

وجاء في الموسوعة الفقهية (13/ 13):

“للمعلم ضرب الصبي الذي يتعلم عنده للتأديب. وبتتبع عبارات الفقهاء يتبين أنهم يقيدون حق المعلم في ضرب الصبي المتعلم بقيود، منها: أن يكون الضرب معتاداً للتعليم، كما وكيفاً ومحلاً… وأن يكون الضرب بإذن الولي… وأن يكون الصبي يعقل التأديب.” <الإسلام سؤال وجواب، ضوابط ضرب المعلم للطالب، تاريخ النشر: 5/يوليو/2017>

ثانيًا: الاتجاه المانع للضرب في التربية والتعليم مطلقًا

وهو اتجاه بعض التربويين المعاصرين، واستدلوا بأدلة منها:

الأدلة النقلية:

1. من القرآن الكريم:

· قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190]

· قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58]

2. من السنة النبوية:

· حديث عائشة رضي الله عنها: “ما ضرب رسول الله ﷺ شيئاً قط بيده، ولا امرأةً، ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله” <رواه مسلم>.

· قوله ﷺ: «ظهر المؤمن حِمًى إلا بحقه» <رواه الطبراني في المعجم الكبير>.

قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (12/ 85):

“[(حِمًى) أي مَحْمِيٌّ معصوم من الإيذاء، قوله: (إلا في حدٍّ أو في حق) أي لا يُضرَب ولا يُذَلُّ إلا على سبيل الحد والتعزير تأديبًا]”

الأدلة التربوية والنفسية:

إن الإسلام دين العلم، وهو يدعو إلى اتباع الوسائل العلمية الصحيحة التي ينصح بها المتخصصون، ولا يخفى أن الضرب ليس هو الوسيلة الأنفع في التربية كما يقرره كثير من علماء التربية والنفس؛ معللين ذلك بأن:

· اعتماد الضرب وسيلة في التربية عادةً ما يولد السلوك العدواني لدى الطفل المعاقَب، فينظر لِمَن ضربه نظرة الحقد والكراهية.

· العملية التعليمية يجب أن تقوم على التفاهم والحوار، ولا يجوز أن تكون العلاقة بين المعلم والمتعلم علاقة خوف، بل يجب أن تكون قائمةً على المودة والحب والاحترام.

· الضرب من منظور علمي — في علوم التربية وعلم النفس التربوي — يأتي في الدرجة السبعمائة ضمن الوسائل التربوية، وبشروط، كما أنه تعبير صارخ عن الفشل في التربية.

· النبي ﷺ هو المعلِّم الأول، ولم يرد عنه أنه ضرب طفلًا قط، وهو الأسوة والقدوة الحسنة كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]. <دار الإفتاء المصرية، حكم ضرب المدرسين للتلاميذ بالمدارس، علي جمعة محمد، تاريخ النشر: 05 يوليو 2009م>

ثالثًا: الترجيح والمنهج الوسط

المنهج الوسط في ذلك أن الضرب التأديبي إنما هو آخر العلاج، ولا يُلجأ إليه إلا عند الحاجة القصوى، وبشروط صارمة، على ألا يتجاوز ضربًا غير مبرح، ولا يزيد على ثلاث ضربات، ولا يبدأ التعليم به أبدًا، والأصل هو الرفق واللين والترغيب.

الأدلة على وجوب تقديم الرفق:

1. الحض على الرفق:

قال النبي ﷺ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِى شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» <رواه مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها>.

2. الرحمة بالضعفة:

قال النبي ﷺ: «اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَينِ: اليَتِيم، وَالمَرْأة» <رواه النسائي وابن ماجه بإسناد جيد كما قال الإمام النووي في رياض الصالحين>.

وأَوْلَى الناس بالرحمة هم الأطفال لضعفهم واحتياجهم الدائم، حتى جعل النبي ﷺ عدم رحمة الصغير من الكبائر، فقال: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبيرِنَا» <رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه>.

3. تنويع الوسائل التربوية:

ليس الضرب هو الطريقة الوحيدة لحث الطالب على المذاكرة، وإنما ينبغي أن يجمع المدرس بين الترغيب والترهيب على حسب ما يراه يؤدي إلى المصلحة المقصودة، فيثني على الطالب الجيد ويشجعه عن طريق الهدايا والجوائز، ويخوف الطالب المقصر بالحرمان من بعض الدرجات أو بالتعنيف بالكلام أو باستدعاء ولي أمره ونحو ذلك، وينبغي أن يكون قصد المدرس مصلحة الطالب لا مجرد العقاب. <الإسلام سؤال وجواب، حكم ضرب التلاميذ، عبد العزيز بن باز، تاريخ النشر: 10/فبراير/2004>

4. قول الإمام الشاطبي:

قال رحمه الله:

“العلمُ والدينُ لا يُحصَّلان بالعنف، وإنما يُنالان بالرفق واللين، ولذلك كان النبي ﷺ أحسنَ الناس تعليمًا، فما رأى أحدٌ منه غلظةً ولا فظاظة” <الموافقات، الشاطبي، المجلد: 2، الصفحة: 197، الطبعة: الأولى، دار ابن عفان، الخبر، سنة: 1417هـ>

5. توجيه دار الإفتاء المصرية:

أكدت دار الإفتاء أن الأصل في الشرع حرمة الإيذاء بكل صوره وأشكاله، وأن النبي ﷺ ما انتقم لنفسه قط، وما ضرب بيده شيئًا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله. <دار الإفتاء المصرية، حكم ضرب المدرسين للتلاميذ بالمدارس، علي جمعة محمد، تاريخ النشر: 05 يوليو 2009م>

رابعًا: الأساليب السلبية الممنوعة في التربية

من الأساليب السلبية التي يُمنع ممارستها القائدُ التربوي:

· الصراخ والتأنيب واللوم.

· الأوامر الكيفية والتهديدات.

· السخرية والشتم.

· المقارنة بين الأطفال.

· المبالغة في الوعظ.

· سوء الظن بالطفل والاتهام والتجريم.

· المَنُّ والانتقاد المستمر والتحذير.

· العقاب والعنف: المنع من الحركة والحبس، إرغام الطفل، ابتزازه، فرض الرأي الأبوي مقابل إقصاء آراء الأبناء، التفسير الذاتي لمواقف الأبناء.

كل هذه الأساليب السلبية تخالف هدي النبي ﷺ في التعليم، وتناقض شمائله التربوية العظيمة