
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مرونة الشريعة في قاعدة: (الميسور لا يسقط بالمعسور)
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مرونة الشريعة في قاعدة: (الميسور لا يسقط بالمعسور)
————-
مقدمة:
#تتميز الشريعة الإسلامية بالواقعية واليسر، فهي لا تكلف الإنسان ما يخرج عن طاقته، وفي الوقت نفسه لا تعفيه من التكليف كلياً إذا عجز عن بعضه.
#ومن هنا صاغ فقهاؤنا الأجلاء قاعدة ذهبية تُعد من مفاخر الفقه الإسلامي، وهي قاعدة: (الميسور لا يسقط بالمعسور).
#فما معنى هذه القاعدة؟ وما هي أدلتها؟ وكيف طبقها الفقهاء في مختلف أبواب العبادات والمعاملات؟
————+
أولاً: معنى القاعدة وأدلتها الشرعية
*المعنى الإفرادي:
#(الميسور) هو الفعل المقدور عليه الذي يسهل إتيانه.
#و(المعسور) هو الفعل الذي يُعجز عنه أو يشق إتيانه مشقة بالغة.
*المعنى الإجمالي للقاعدة: إذا كُلِّف المسلم بعمل شرعي، وكان قادراً على أداء جزء منه وعاجزاً عن الجزء الآخر، فإن عجزه عن البعض لا يسقط عنه وجوب الإتيان بما يقدر عليه.
———–
الأدلة الشرعية: هذه القاعدة مستنبطة مباشرة من نصوص الوحيين، ومنها:
١.قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16].
٢.قوله ﷺ: «فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ». (أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، رقم 7288، ومسلم، رقم 1337).
#وقد نص الإمام السيوطي على هذه القاعدة وجعلها من القواعد الكبرى، فقال: “الْقَاعِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ… وَهِيَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ: إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ”. (السيوطي. الأشباه والنظائر. ص 159).
———–
ثانياً: تطبيقات القاعدة في أبواب الفقه المختلفة
#تتجلى روعة هذه القاعدة في سريانها على مختلف أبواب الفقه، ومن تطبيقاتها:
١. في باب الطهارة:
#مقطوع العضو: إذا قُطعت يد المتوضئ من نصف الساعد، فهل يسقط عنه غسل الباقي لعجزه عن غسل اليد كاملة؟ الجواب: لا، بل يغسل ما بقي من يده.
#قال الإمام النووي: “مَنْ قُطِعَ بَعْضُ عُضْوِهِ الْمَفْرُوضِ غَسْلُهُ، وَجَبَ غَسْلُ الْبَاقِي بِلَا خِلَافٍ”. (النووي. المجموع شرح المهذب. ج1. ص 414).
———
٢.نقص الماء: إذا وجد المتوضئ ماءً يكفي لغسل وجهه ويديه فقط، فإنه يستعمله فيما يكفي (الميسور)، ثم يتيمم للباقي (المعسور).
————
٣.في باب الصلاة:
العجز عن بعض الأركان: كما أشرنا في مقال (الصلاة على الكرسي)، من قدر على القيام وعجز عن الركوع والسجود، لا يسقط عنه القيام، بل يصلي قائماً ثم يجلس للركوع والسجود.
#قال الإمام ابن قدامة: “وَمَنْ قَدَرَ عَلَى الْقِيَامِ، وَعَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، لَزِمَهُ الْقِيَامُ، فَيُصَلِّي قَائِمًا، وَيُومِئُ بِالرُّكُوعِ، ثُمَّ يَجْلِسُ فَيُومِئُ بِالسُّجُودِ”. (ابن قدامة. المغني. ج2. ص 106).
———-
٤.العجز عن القراءة: من لم يحفظ الفاتحة كاملة، وحفظ بعض آياتها، يقرأ ما يحفظه (الميسور) ولا يسقط عنه بجهله للباقي (المعسور).
———-
٥.في باب ستر العورة:
إذا لم يجد المصلي ثوباً يستر به كل عورته، ووجد قطعة قماش صغيرة تستر جزءاً منها فقط، فإنه لا يصلي عارياً، بل يستر بها المغلظتين (القبل والدبر) لأن سترهما ميسور، ولا يسقط بعجزه عن ستر الفخذين.
————-
٦. في باب الزكاة (زكاة الفطر):
زكاة الفطر صاع من طعام، فإذا لم يملك المسلم ليلة العيد إلا (نصف صاع) فاضلاً عن قوت عياله، فهل تسقط عنه الزكاة كلياً؟
#الجواب: لا، بل يخرج النصف صاع. قال الإمام النووي: “مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا بَعْضَ صَاعٍ لَزِمَهُ إخْرَاجُهُ بِلَا خِلَافٍ… لِقَوْلِهِ ﷺ: فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ”. (النووي. المجموع شرح المهذب. ج6. ص 113).
————
ثالثاً: قواعد فقهية وأصولية مشابهة ومكملة
#ترتبط هذه القاعدة بقواعد أخرى تدور في نفس الفلك المقاصدي، منها:
١.قاعدة: (ما لا يُدرك كُلُّه لا يُترك جُلُّه)
#وهي قاعدة قريبة جداً من قاعدتنا، وتُستخدم كثيراً في باب (السياسة الشرعية والدعوة). فإذا عجزنا عن تطبيق كل الخير، فلا نترك ما نقدر عليه منه.
#والفرق الدقيق بينهما: أن (الميسور لا يسقط بالمعسور) تُستعمل غالباً في “الواجبات والأوامر الشرعية الفردية”، بينما (ما لا يدرك كله…) أعم، وتُستعمل في الواجبات والمندوبات والمصالح العامة.
————
٢. قاعدة: (المشقة تجلب التيسير)
وهي القاعدة الأم التي تندرج تحتها قاعدتنا. فالمعسور (المشقة) جلب لنا التيسير (الاكتفاء بالميسور). (ابن نجيم. الأشباه والنظائر. ص 73)
——–
٣.قاعدة: (إذا ضاق الأمر اتسع)
وهي تعني أن التكليف إذا صار شاقاً ضيقاً على المكلف، فإن الشريعة توسعه عليه بالرخص، كالاكتفاء ببعض العبادة عند العجز عن كلها.
———-
خاتمة:
#إن المتأمل في قاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور) يدرك عظمة الفقه الإسلامي الذي وازن بين “حق الله في العبادة” وبين “ضعف الإنسان وعجزه”.
#فالشريعة لا تقبل التفريط الكلي بحجة العجز الجزئي، ولا تطلب الكمال المستحيل عند وجود الموانع، بل تبني أحكامها على الاستطاعة، ليبقى المسلم موصولاً بربه في كل أحواله، قوةً وضعفاً، غنىً وفقراً.
اللهم عفوك وعافيتك ومعافاتك يا رب

