
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الطلاق أسبابه ومخاطره وآثارها
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الطلاق أسبابه ومخاطره وآثارها
إن الطلاق هو أبغض الحلال إلى الله، إذ هو هدمٌ لبيتٍ كان يأوي المحبة والمودة، وتفريقٌ لأسرةٍ كانت تجمعها الرحمة والسكينة. لقد جعل الله تعالى الزواج آيةً من آياته، وجعل بين الزوجين ميثاقًا غليظًا، وحث على الصبر والمعاشرة بالمعروف، وأمر بالتغاضي عن الزلات والتسامح فيما بين الزوجين، حفاظًا على كيان الأسرة.
ولكن، حين تعصف الخلافات وتتراكم المشكلات، ويصعب العيش بالمعروف، فإن الله قد شرع الطلاق رحمةً بعباده، إذ فيه حلٌ للمشكلات التي لا يمكن تداركها بغيره. ولكن يجب أن يُعلم أن الطلاق ليس بالأمر السهل، ولا يجب أن يُلجأ إليه إلا بعد استنفاد كل السبل للإصلاح والمصالحة.
اهتمام الإسلام بالأسرة
لقد اهتمَّ الإسلامُ بالأسرةِ اهتمامًا كبيرًا؛ لأنَّ الأسرةَ هي قوامُ المجتمعِ، وجعلَ الزواجَ بناءَ هذه الأسرةِ، وأحاطَهُ بسياجِ السكنِ والمودةِ والرحمةِ، وأخذَ الميثاقَ الغليظَ على الزوجينِ في استمراريةِ العلاقةِ الزوجيةِ، فقالَ تعالَى: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} (النساء: 21)
{وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} أي: وقد أخذ نساؤكم منكم- أيُّها الأزواج- عهدًا شديدًا مؤكَّدًا، وذلك بعقد النكاح، والقيام بحقوقهنَّ، ومن ذلك: إمساكُهنَّ بمعروف، أو تسريحهنَّ بإحسان .
، يقولُ القاسميُّ: ” وَأَخَذْنَ مِنكُم ميثَاقاً غَلِيظاً ” أي : عهداً وثيقاً مؤكداً مزيدَ تأكيدٍ، يعسرُ معَهُ نقضُهُ، كالثوبِ الغليظِ يعسرُ شقُّهُ.
وقالَ الزمخشريُّ: الميثاقُ الغليظُ حقُّ الصحبةِ والمضاجعةِ، ووصفَهُ بالغلظِ لقوتِهِ وعظمِهِ “. ( محاسن التأويل).
فالآيةُ الكريمةُ تُفيد خطَرَ عقْدِ النِّكاح وأهميَّتَه، وأنَّه يجب أن يُعتنَى به، ويُحتفَظ به وبشروطِه وكلِّ ما يلزم فيه؛ حتى لا يقعَ الإشكالُ بين الرجل وزوجته، وتحصُلَ أمورٌ لا تُحمَد عُقباها .
وليس أبلغَ مِن التعبيرِ القرآنِي العظيمِ في وصفِ علاقةِ الزوجيةِ بكونِهَا (الميثاقُ الغليظُ)، وبمَا تعنيهِ الكلمةُ القرآنيةُ مِن بلاغةٍ وروعةٍ مِن العهدِ والقوةِ والتأكيدِ الشديدِ لأهميةِ الحفاظِ عليهِ والوفاءِ بهِ.
وقد جاءَ وصفُ هذا العقدِ بالميثاقِ الغليظِ في هذه الآيةِ الكريمةِ لقوتِهِ وعظمتِهِ ومدَى أهميتِهِ في بناءِ الأسرةِ، والميثاقُ الغليظُ يقتضِي الصحبةَ الصالحةَ، والمعاشرةَ بالمعروفِ، والتضحيةَ والبذلَ والوفاءَ والحبَّ والتفاهمَ، وفى ذلك إشارةٌ إلى قوةِ ومتانةِ هذا العقدِ الذي يعسرُ نقضُهُ، كالثوبِ الغليظِ الذي يعسرُ شقُّهُ أو تمزيقُهُ.
ولمتانةِ هذا الميثاقِ الغليظِ أخذَهُ اللهُ على أنبيائِهِ عليهمُ السلامُ، فقالَ تعالى: { وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}. (الأحزاب: 7).
وللحفاظِ على هذا الميثاقِ الغليظِ شُرِعَ الطلاقُ الرجعيُّ، حتى يكونَ هناك مهلةٌ وفرصةٌ للزوجينِ، وفي حالةِ الرجعةِ أو الطلاقِ لم يغفلْ الشرعُ الحكيمُ عن الالتزامِ بالمعروفِ وحسنِ المعاشرةِ في الحالين: حالِ الإمساكِ، وحالِ التسريحِ. قالَ تعالى: {الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ}.(البقرة: 229).
{الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ }أي: إنَّ عدد الطَّلَقات التي يحلُّ للزَّوج بعدها رجعة زوجته، مرَّتان، فإذا طلق الرَّجُل زوجته، فإنَّه يُخيَّر بين أمريْن ما دامت عدَّتها باقية، إما أن يردَّها إليه ويعاشرها بالمعروف ومن غير ظلمٍ لها، وإمَّا أن يتركها حتى تنقضي عدَّتها، ويُطلِق سراحها محسنًا إليها، دون أن يظلمها أو يضارَّ بها .
وعن ابنِ عباسٍ قال: إذا طلقَ الرجلُ امرأتَهُ تطليقتينِ، فليتقِ اللهَ في الثالثةِ، فإمَّا أنْ يمسكَهَا بمعروفٍ فيحسنُ صحبتَهَا، أو يسرحَهَا بإحسانٍ فلا يظلمهَا مِن حقِّهَا شيئًا”.(تفسير ابن كثير).
أسباب الطلاق
أيُّها الإخوةُ المؤمنون: لقد انتشرتْ ظاهرةُ الطلاقِ في المجتمعِ انتشارَ النارِ في الهشيمِ، وانتشارُ الطلاقِ في هذه الأزمانِ والتهاونُ بهِ لهُ أسبابٌ كثيرةٌ وعديدةٌ، نذكرُ بعضَهَا على سبيلِ المثالِ لا الحصرِ مِن بابِ :
عرفتُ الشرَّ لا للشرِّ ولكنْ لتوقِّيه ** مَن لم يعرفْ الشرَّ مِن الخيرِ يقعْ فيهِ
من ذلك:
1- عدمُ الصّبرِ وتحملِ العبءِ؛ فتخرجُ العديدُ مِن النّساءِ مِن بيتِ زوجِهَا مهمَا كانتْ المشكلةُ بسيطةً.
2- الاستعجالُ وسرعةُ الانفعالِ وعدمُ ضبطِ النفسِ وعدمُ التغافلِ بينَ الزوجينِ، الرجلُ إذا غضبَ واشتدَ غضبُهُ أوّلُ ما يفكرُ، يفكرُ في الطلاقِ ويسارعُ إليهِ، ولو لأتفهِ الأسبابِ، فعلَى الزوجِ إذا غضبَ، وعلَتِ الأصواتُ، واشتدتْ الخلافاتُ بينَهُ وبينَ زوجتِه – أنْ يتحلَّى بالصبرِ، ويتحكمَ في ألفاظِهِ، وأنْ يُراعِي الآدابَ النبويةَ عندَ الغضبِ، فالرجلُ كلُّ الرجلِ هو مَن يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ، فعن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنه، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: ( ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ ، إنَّما الشَّديدُ الَّذي يملِكُ نفسَه عندَ الغَضبِ” ، وليغيرْ الزوجُ مِن حالتِهِ ساعةَ غضبِهِ، فعن أبي ذرٍّ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: ((إذا غضبَ أحدُكم وهو قائمٌ فلْيجلسْ، فإن ذهبَ عنه الغضبُ وإلاَّ فلْيَضْطَجِعْ))
3- ومِن الأسبابِ أيضًا: تدخُّلُ الآخرينَ بالإفسادِ بينَ الزوجينِ كالذئابِ البشريةِ على مواقعِ التواصلِ الاجتماعِي فبعضُ الناسِ يشعلونَ نارَ الفتنةِ بينَ الزوجينِ، فويلٌ لِمَن كانَ سببًا في خرابِ بيوتِ المسلمين، فقد قال رسولُ اللهِ ﷺ: ( ليسَ منَّا مَن خبّبَ امرأةً على زوجِهَا)، (الحاكم وصححه ووافقه الذهبي). وخببَ: أي أفسدَ.
فانتبهُوا أيُّها الأزواجُ وأنتم أيّتُها الزوجاتُ قبلَ فواتِ الأوانِ، وكونُوا عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مَعْصُومَاً، وَبِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَيْسَتْ مَعْصُومَةً «كُلُّ ابْنِ آدَمَ خَطَّاءٌ وَخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ» رواه الترمذي
4- ومنها: الفهمُ الخاطئُ للرجولةِ الذي يدفعُ الرجلَ للتسلطِ على المرأةِ، وكذا عملُ المرأةِ مع تقصيرِهَا في حياتِهَا الزوجيةِ.
5- ومنها: الخيانةُ الزّوجيةُ التّي يلجأُ إليها العديدُ من الأزواجِ دون الخوفِ من اللهِ تعالى، وضعفِ الوازعِ الدينيِّ عندَ الزّوجِ أو الزّوجةِ، والتّقصيرِ في أحدِ واجباتِ المنزلِ، أو استخدامِ الزّوجِ لأسلوبِ العنفِ في بيتِهِ، أو البخلِ، أو سهولةِ نطقِ كلمةِ الطّلاقِ عندَ الأزواجِ في جميعِ الأمورِ، وقد زادَ في وقتِنَا الحاضرِ طلبُ الزّوجةِ من الزّوجِ الطلاقَ مقابلَ إبراءِ ذمتِهِ ليتمَّ الطّلاقُ بسهولةٍ أكبر.
6- ومِن أسبابِ الطلاقِ أيضًا: سوءُ العشرةِ بينَ الزوجينِ، وعدمُ قيامِ أحدهُمَا بمَا أوجبَ اللهُ عليهِ للآخرِ، فقد أمرَ اللهُ بحسنِ العشرةِ فقالَ: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ النساء: 19.
أي: صاحِبوا- أيُّها الأزواج- زوجاتِكم كما أمرَكم الله تعالى، وذلك بالخُلق الحسَن؛ كالقول الطيِّب، وكفِّ الأذى، وبذْلِ الإحسان، وحُسن الهيئة، وغير ذلك، وصاحبوهنَّ بأداء حقوقهنَّ من النَّفقةِ والكُسوة، وغير ذلك ممَّا أمَرَ الله تعالى به، وبما يَتعارَفُ عليه النَّاس ولا يُنكِرُه الشَّرعُ .
عن عائشةَ رضِي اللهُ عنها، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهلِهِ، وأنا خَيْرُكُمْ لأهلِي)) رواه الترمذي وصححه الشوكاني
.
7- ومِن الأسبابِ: إهمالُ الزوجةِ لبيتِهَا، وكثرةُ خروجِهَا منهُ، وفي المقابلِ انطواءُ الزوجِ على أصحابِهِ دونَ أهلِهِ وعيالِهِ، وكثرةُ انشغالِهِ وعدمُ تحملِ المسؤوليةِ.
8- ومِن أسبابِ انتشارِ مشكلةِ الطلاقِ أيضًا: عدمُ استشعارِ الأزواجِ أهميةَ هذا المشروعِ العظيمِ والميثاقِ الغليظِ وهو الزواجُ، فهم يعتبرونَهُ للوطءِ والجماعِ وتفريغِ الشهوة وحسب، ولا يلتفتُون أبدًا لكونِهِ موضعًا للرحمةِ والمودةِ، ومحلًا للاطمئنانِ والسكينةِ، ومحضنًا للتربيةِ وصناعةِ الأجيالِ.
9- ومِن أسبابِ حصولِ الطلاقِ: الخطأُ الفادحُ في اختيارِ الزوجِ لزوجتهِ واختيارِ الزوجةِ لزوجِهَا.
10- ومِن الأسبابِ: تدخُّلُ الأقاربِ في التفاصيلِ الصغيرةِ والكبيرةِ بينَ الزوجينِ، فيثورُ الأبوانِ ويُعضِّدهُم الإخوةُ والأخواتُ، حتى إذا انتزعُوا ابنتَهُم مِن زوجِهَا، ذهبُوا لحياتِهِم، ونسَوها، تُقاسِي مرارةَ الفرقةِ والوحدةِ. .
11- ومن أسبابِ حصولِ الطلاقِ أيضًا: تهاونُ وتقصيرُ الأزواجِ في مسألةِ الحقوقِ المتبادلةِ بينهم. واللهُ تعالى يقولُ : { وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ }(البقرة: 228).
أي: إنَّ للزَّوجاتِ- سواء كنَّ مُمْسَكات أو مُطلَّقات- حقوقًا، وعلى أزواجهنَّ القيام بها تجاههنَّ، مثلما أنَّ عليهن تُجاه أزواجهن حقوقًا أيضًا، والقيام بها من قِبل الطرفين يكون بما جرت به العادة، من غير وقوع ظلمٍ، أو مخالفةٍ لأمر الله تعالى، ولكنْ للرِّجال عليهن زيادة في الحقوق لِمَا للرجل من فضلٍ على المرأة؛ بسبب الإنفاق عليها وغير ذلك
وبسببِ هذا التقصيرِ في الحقوق يحدثُ النزاعُ والفراقُ.
هذه هي أسبابُ الطلاقِ المشهورةُ المنتشرةُ في المجتمعِ، نعرفُهَا لنتوقاهَا ونحذرُهَا، كما قالَ الشاعرُ:
عَرَفتُ الشَرَّ لا لِلشَرِ ……………………. لَكِن لِتَوَقّــــــــيهِ
وَمَن لَم يَعرِفِ الشَرَّ ………………… مِنَ الخَيرِ يَقَع فيهِ
وقولُ حذيفةَ رضي اللهُ عنه :” كَانَ النَّاسُ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الخَيْرِ، وَكُنْتُ أَسْأَلُهُ عَنِ الشَّرِّ مَخَافَةَ أَنْ يُدْرِكَنِي” (البخاري).
– مخاطرُ الطلاقِ وآثارُهُ
الطلاقُ مشكلةٌ أسريةٌ عظيمةٌ، بسببِهَا تفرقتْ الأسرُ، وتهدّمتْ البيوتُ، وضاعتْ الذريّةُ وتأخرُوا في التعليمِ والدراسةِ، وقُطعتْ الأرحامُ والصلاتُ، وكثُرتْ الآثامُ، وانعدمتْ الرحمةُ والشفقةُ عندَ كثيرٍ من الآباءِ والأمهاتِ، وانتشرتْ الجرائمُ في المجتمعِ، وكثُرتْ الأمراضُ النفسيةُ عندَ الأبناءِ والآباءِ والأمهاتِ، وتزعزعَ الأمنُ والاستقرارُ، وفي انحلالِ الزواجِ وسيلةٌ لزرعِ الكراهيةِ والنزاعِ والمشاجرةِ بينَ أفرادِ المجتمعِ خصوصًا إذا خرجَ الطلاقُ عن حدودِ الأدبِ الإسلامِي.
إنَّ الطلاقَ صدمةٌ، ولذلك يؤثرُ سلبيًّا على الصحةِ النفسيةِ والجسديةِ للمطلقين، حيثُ تتغيرُ مكانتُهُم الاجتماعيةُ مِن (متزوجٍ أو متزوجةٍ) إلى مكانةِ {مطلقٍ أو مطلقةٍ}،وهذا يعنِي أنَّ الطلاقَ يقللُ مِن المكانةِ الاجتماعيةِ لكلٍّ مِن الرجلِ والمرأةِ، حيثُ تتغيرُ نظرةُ الناسِ إلى المطلقين، ويفقدانِ الكثيرَ مِن أصدقائِهِم ويعانيانِ مِن الوحدةِ ويتحملانِ تعليقاتِ اللومِ والفشلِ في الحياةِ الزوجيةِ، مِمَّا يجعلُهُم يعيشونَ على هامشِ الحياةِ الاجتماعيةِ.
وغيرَ ذلكَ مِن المخاطرِ والآثارِ السيئةِ على الفردِ والمجتمعِ، والتي لا يتسعُ المقامُ لذكرِهَا.
ولقد بيَّنَ الاسلامُ أنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَفْرَحُ بِشَيءٍ كَفَرَحِهِ بِالطَّلَاقِ ،سلِّمْ يا ربِّ سلِّمْ لهذا فإنَّ إبليسَ يبعثُ جنودَهُ في الأرضِ، ويجعلُ الجنديَّ البارعَ – الذي فرقَ بينَ الزوجينِ وهدمَ الأسرةَ – أقربَهُم منهُ منزلةً. فعَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ” إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ: فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ ” قَالَ الْأَعْمَشُ: أُرَاهُ قَالَ: «فَيَلْتَزِمُهُ». (مسلم).
فعلينَا أنْ نتنبَّهَ لذلكَ، وأنْ نتَذَكَّرَ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا }.
أي: عاشِروا- أيُّها الأزواج- زوجاتِكم بالمعروف، وإنْ كرهتموهنَّ؛ فعسى أن يكونَ صَبْرُكم مع إمساكِكم لهنَّ وكراهيتِهنَّ، فيه خيرٌ كثيرٌ لكم في الدُّنيا والآخِرة؛ كأولادٍ تُرْزَقُونَهُمْ منهنَّ، أو تزولُ كراهتكم لهنَّ، وتَخْلُفُها محبتُهنَّ، وغير ذلك .
عن أبي هريرة رضِي اللهُ عنه أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال: ((لا يَفْرَكْ(أَيْ لاَ يُبْغِضْ) مؤمنٌ مؤمنةً ؛ إنْ كَرِهَ منها خُلُقًا رضِيَ منها آخرَ، أو قال: غيرَهُ )) .مسلم). وكما قالَ الشاعرُ:
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَصْبِرْ مِرَارًا عَلَى الْقَذَى …………… ظَمِئْتَ وَأَيُّ النَّاسِ تَصْفُو مَشَارِبُهْ
كثرةُ الطلاقِ خطرٌ يهددُ المجتمعاتِ.
أيُّها السادةُ: كَلِمَةُ الطَّلَاقِ تَهْتَزُّ لَهَا القُلُوبُ حُزْنًا، وَتَرْتَجِفُ النُّفُوسُ لَهَا، بِوُقُوعِهَا يَفْرَحُ بِهَا الشَّيْطَانُ، وَيَهْتَزُّ لَهَا عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَالعَجَبُ كُلُّ العَجَبِ في طَلَاقٍ يَقَعُ في عُمُرِ الزُّهُورِ، مِنْ شَبَابٍ وَشَابَّاتٍ لم يتحملُوا المسؤوليةَ ولم يعرفُوا معنَى الزواجِ الحقيقِي ، والطَّلَاقُ فُرْقَةٌ وَخَرَابُ بَيْتٍ كَانَ مَبْنِيَّاً عَلَى أَسَاسٍ مِنَ المَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ، لِذَا جَاءَتْ سُورَةُ الطَّلَاقِ، كَعَلَامَةٍ حَمْرَاءَ تُشِيرُ إلى خَطَرِهِ، وَتُحَذِّرُ مِنَ الاقْتِرَابِ مِنْهُ؛ لذا صَوَّرَ الإِسْلَامُ الطَّلَاقُ صُورَةً تُرْهِبُ كُلَّاً مِنَ الزَّوْجَيْنِ، حَتَّى يَبْتَعِدُوا عَنْهُ مَا اسْتَطَاعُوا إلى ذَلِكَ سَبِيلَاً، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَبْغَضُ الْحَلَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى الطَّلَاقُ» رواه أبو داود، فَلَا يَصِحُّ اسْتِعْمَالُ كَلِمَةِ الطَّلَاقِ لِأَسْبَابٍ يُمْكِنُ عِلَاجُهَا عَنْ طَرِيقِ ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلَاً إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيَّاً كَبِيرًا﴾، أَو عَنْ طَرِيقِ ﴿فَابْعَثُوا حَكَمَاً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمَاً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحَاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾.
أَو عَنْ طَرِيقِ ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئَاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾.
انْظُرُوا إلى هَذَا الحِوَارِ بَيْنَ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَرَجُلٍ جَاءَ يَسْتَشِيرُهُ في طَلَاقِ امْرَأَتِهِ، رُوِيَ أَنَّ رَجُلَاً قَالَ فِي عَهْدِ عُمَر لِامْرَأَتِهِ: نَشَدْتُكِ بِاللهِ هَلْ تُحِبِّينِي؟ فَقَالَتْ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنِي بِاللهِ، فَلَا. فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى عُمَرَ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: أَنْتِ التي تَقُولِينَ لِزَوْجِكَ: لَا أُحِبُّكَ؟ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَشَدَنِي بِاللهِ، أَفَأَكْذِبُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَاكْذِبِيهِ، لَيْسَ كُلُّ البُيُوتِح تُبْنَى عَلَى الحُبِّ، وَلَكِنَّ النَّاسَ يَتَعَاشَرُونَ بِالإِسْلَامِ وَالأَحْسَابِ.
فقد أباح رضي الله عنه الكذب للزوجة والتجمل في القول لزوجها حفاظًا على الزوجية، والمراد إظهار الود والمحبة واللين فى القول؛ مما يساعد على استقرار العلاقة الزوجية، ومن المعلوم كما ورد في الحديث عن أم كلثوم بنت عقبه قالت: (لم أسمَعْ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ يرخَّصُ في شيءٍ مِمَّا يقولُ النَّاسُ: إنَّه كذِبٌ إلَّا في ثلاثٍ: الرَّجلُ يُصلِحُ بينَ النَّاسِ والرَّجُلُ يكذِبُ لامرأتِهِ والكذِبُ في الحَربِ)؛ صحيح الجامع.
كَلِمَةُ الطَّلَاقِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّلَاقُ؟ كَلِمَةٌ تَعْنِي الوَدَاعَ وَالفِرَاقَ، وَالنِّزَاعَ وَالشِّقَاقَ، كَلِمَةُ الطَّلَاقِ كَمْ هَدَّمَتْ مِنْ بُيُوتِ المُسْلِمِينَ؟ وَكَمْ قَطَّعَتْ مِنْ أَوَاصِرَ للأَرْحَامِ وَالمُحِبِّينَ؟ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ كَمْ مِنْ عَيْنٍ أَبْكَتْ، وَقَلْبٍ أَجْهَشَتْ، وَفُؤَادٍ رَوَّعَتْ، كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ صَغِيرٌ حَجْمُهَا، لَكِنَّ خَطْبَهَا جَليِلٌ، كَلِمَةٌ تُرْعِدُ الفَرَائِصَ بِوَقْعِهَا، وَتَجْعَلُ الفَرَحَ تَرَحَاً، وَالبَسْمَةَ غُصَّةً، كثرَ الطلاقُ حينمَا فقدنَا زوجًا يرعَى الذمَمَ حينمَا فقدنَا الأخلاقَ والشيمَ، زوجٌ ينالُ من زوجتهِ اليوم، فيأخذُهَا من بيتِ أبِيهَا عزيزةً كريمةً ضاحكةً مسرورةً، ويردُّهَا بعدَ أيامٍ قليلةٍ حزينةً باكيةً مطلقةً ذليلة!
كثرَ الطلاقُ حينمَا استخفَّ الأزواجُ بالحقوقِ والواجباتِ، وضيَّعُوا الأماناتِ والمسؤولياتِ.
كثرَ الطلاقُ حينمَا فقدنَا زوجًا يَغفرُ الزلَّةَ، ويسترُ العورةَ، حينمَا فقدنَا زوجًا يخافُ اللهَ، ويتَّقي اللهَ، ويرعى حدودَ اللهِ، ويحفظُ العهودَ والأيامَ التي خلَتْ، والذكرياتِ الجميلةَ التي مضت.
كثرَ الطلاقُ حينمَا فقدنَا الصالحاتِ القانتاتِ الحافِظاتِ للغيب بما حَفِظَ اللهُ، حينما أصبحت المرأةُ طليقةَ اللسانِ، طليقةَ العنانِ، تخرجُ متى شاءتْ، وتدخلُ متى أرادتْ، مضيعةً لحقوقِ الأزواجِ والبناتِ، يا لها مِن مصيبةٍ عظيمةٍ.
كثُرَ الطَّلاقُ حينما تدخَّلَ الآباءُ والأمهاتُ في شؤونِ الأزواجِ والزوجاتِ الأبُّ يتابعُ ابنَهُ في كلِّ صغيرٍ وكبيرٍ، وفي كلِّ جليلٍ وحقيرٍ، والأمُّ تتدخَّلُ في شؤونِ بنتِهَا في كلِّ صغيرٍ وكبيرٍ، وجليلٍ وحَقيرٍ، حتى ينتهي الأمرُ إلى الطَّلاقِ والفراقِ، ألم يَعلمَا أنَّهُ مَن أفسدَ زوجةً على زوجِهَا أو أفسدَ زوجًا على زوجتِهِ، لعنَهُ اللهُ؟
كثرَ الطلاقُ لما كثرَتْ النعمُ، وبطرَ الناسُ الفضلَ من اللهِ والكرمَ، وأصبحَ الغنيُّ ثريًّا؛ يتزوَّجُ اليومَ ويطلِّقُ في الغدِ القريبِ، ولم يعلمْ أنَّ اللهَ سائلُهُ، وأنَّ اللهَ محاسبُهُ، وأنَّ اللهَ موقفُهُ بينَ يديهِ في يومٍ لا ينفعُ فيه مالٌ ولا بنونَ، ولا عشيرةٌ ولا أقربون.……
كثرَ الطلاقُ بسببِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعِيِّ والذئابِ البشريةِ عليها وصدقَ النبيُّ ﷺ إذْ يقولُ كما في حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْه ـ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ“ (رواه أبو دواد) لذا اهتمَّ دينُنَا الحنيفُ بالأسرةِ اهتمامًا كبيرًا ودعَا إلى تقويتِهَا، ودوامِ ترابطِهَا؛ لتكونَ أسرةً متماسكةً سعيدةً، ينعمُ أفرادُهَا من أبٍّ وأمٍّ وأولادٍ ومَن يعيشُ معهم مِن الأقاربِ والأرحامِ بالمحبةِ والوئامِ، مِنْ أَجْلِ بِنَاءِ مُجْتَمَعٍ مُسْلِمٍ عَلَى أُسُسٍ سَلِيمَةٍ، وَأَمَرَ بِالمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ بَيْنَ الزَّوْجَينِ، مَعَ تَحَمُّلِ كُلِّ طَرَفٍ مَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَمَّلَهُ مِنْ مُنَغِّصَاتِ الْحَيَاةِ مِنَ الطَّرَفِ الآخَرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ (البقرة: 228) فَحَثَّ الإِسْلَامُ عَلَى المُعَاشَرَةِ الحَسَنَةِ، وَأَنْ يَتَحَمَّلَ الرَّجُلُ اِعْوِجَاجَ الْمَرْأَةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ: “الْمَرْأَةُ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ أَعْوَجَ، وَإِنَّكَ إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ تَرَكْتَهَا تَعِشْ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ“رَوَاهُ الحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ.
وَأَلْزَمَ الإِسْلَامُ الْمَرْأَةَ بِطَاعَةِ الزَّوْجِ بِالمَعْرُوفِ، فعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ :قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:” إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ“(رواه أحمد)
وَنَهَى النبيُّ ﷺ المَرْأَةَ أَنْ تَطْلُبَ مِنْ زَوْجِهَا الطَّلَاقَ دُونَ أَسْبَابٍ أَوْ مُبَرِّرَاتٍ شَرْعِيَّةٍ، فَعَلَى الْمَرْأَةِ أنْ تصبرَ عَلَى الزَّوْجِ، وَأنْ لا تتسرعَ بِطَلَبِ الطَّلَاقِ، قَالَ ﷺ: أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ .
واللهِ الذي لا إلهَ إِلّا هو ما خربتْ الأسرُ وتفككتْ إِلّا أنَّها أَعرضَتْ عن منهجِ اللهِ وسنةِ نبيِّهَا ﷺ وصدقَ ربُّنَا إذْ يقولُ:{ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}(سورة طه : 125 )فمَن اتبعَ منهجَ اللهِ سعدَ في دنياهُ وسعدَ في أُخراهُ، ومَن أعرضَ عن منهجِ اللهِ وعصَى مولَاهُ شقِيَ في دنياهُ، وهلَكَ في أُخراه.
لذا كرَّهَ الإسلامُ الطلاقَ ونفَّرَ منهُ، وَجَعَلَتْ الشَّرِيعَةُ الإِسْلَامِيَّةُ الطَّلَاقَ آخَرَ الحُلُولِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَجَعَلَتْهُ مُتَدَرِّجًا مِنْ ثَلَاثِ طَلْقَاتٍ؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾ فَالطَّلَاقُ غَيْرُ مُحَبَّبٍ فِي الإِسْلَامِ فِي أَصْلِهِ، لِذَا وَضَعَ الإِسْلَامُ الحُلُولَ الأُولَى قَبْلَ تَقَطُّعِ الْعَلَاقَةِ الزَّوْجِيَّةِ.
استوصُوا بالنساءِ خيرًا.
هذه هي وصيةُ النبيِّ ﷺ بالنساءِ في قولِهِ: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ المَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ». (متفق عليه). وفي روايةِ مسلمٍ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنِ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا، كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا».
وعندَ ابنِ حبانٍ: «إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ فَإِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا فَدَارِهَا تَعِشْ بِهَا».
قال الإمامُ النوويُّ: “فيه الحثُّ على الرفقِ بالنساءِ والإحسانِ إليهِنَّ والصبرِ على عوجِ أخلاقهِنَّ، واحتمالِ ضعفِ عقولهِنَّ وكراهةِ طلاقهِنَّ بلا سببٍ، وأنَّه لا مطمعَ في استقامتِهِنَّ”، وقالَ القسطلانيُّ: “في الحديثِ الندبُ إلى المداراةِ لاستمالةِ النفوسِ وتألفِ القلوبِ، وفيه سياسةُ النساءِ بأخذِ العفوِ عنهنَّ والصبرِ على عوجهِنَّ، فإنَّ مَن رامَ تقويمَهُنَّ فاتَهُ الانتفاعُ بهنَّ، مع أنَّه لا غنَى للإنسانِ عن امرأةٍ يسكنُ إليهَا ويستعينُ بهَا على معاش”.
وفي حجةِ الوداعِ يقولُ ﷺ: ” اتَّقُوا اللهَ فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ”. (مسلم). كما أوصانَا ﷺ بالرفقِ بالقواريرِ، حيثُ قالَ: «يَا أَنْجَشَةُ رُوَيْدَكَ سَوْقًا بِالْقَوَارِيرِ». (متفق عليه).
«قالَ العلماءُ: سمَّى النساءَ قواريرَ؛ لضعفِ عزائمِهِنَّ، تشبيهًا بقارورةِ الزجاجِ لضعفِهَا، وإسراعِ الانكسارِ إليهَا». فاتقُوا اللهُ في أهليكُم وأزواجِكُم وأولادِكُم؛ فأنتُم مسئولونَ عنهم أمامَ اللهِ يومَ القيامةِ،
فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّهُ: سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ؛ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». ( متفق عليه). وعَنْ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللهَ سَائِلٌ كُلَّ رَاعٍ عَمَّا اسْتَرْعَاهُ، أَحَفِظَ ذَلِكَ أَمْ ضَيَّعَ؟ حَتَّى يُسْأَلَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ».(النسائي وابن حبان بسند صحيح).
فعليكُم التحملَ والصبرَ والرضا، فالميثاقُ الغليظُ الذي بين الزوجينِ يقتضِي أنْ يتحملَ كلٌّ منهما هفواتِ الآخر، يقولُ أبو الدرداءِ -رضي اللهُ عنه- لزوجتِهِ أمِّ الدرداء: ” إذا رأيتنِي غاضبًا فرضِّينِي، وإذا رأيتُكِ غضبَى رضَّيتُكِ. وإلّا لم نصطحبْ”. فبالودِّ والمسامحةِ والمحبةِ تدومُ العشرةُ، وبدونِهَا لا توجدُ ألفةٌ ولا عشرةٌ.
ولو أنّ كِلَا الزوجينِ وقفَ عندَ هفواتِ الآخرِ، ما استمرتْ الحياةُ، بل صارتْ إلى هدمٍ وزوالٍ، وما صارَ أحدٌ مع زوجتِهِ في المجتمعِ كلِّه، فلابدَّ لكلٍّ منهُمَا أنْ يتحملَ صاحبَهُ، حتى تستقرَّ الأسرُ والمجتمعُ.
فاستوصُوا بالنساءِ خيرًا، واتقُوا اللهَ في نسائِكُم وأهلِيكُم وأولادِكُم.
نداءٌ ورسالةٌ إلى الزوجينِ:
يَا أَيُّهَا الأَزْوَاجُ:
تَذَكَّرُوا قَوْلَ اللهِ تعالى: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئَاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾. تَذَكَّرُوا قَوْلَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ: َكما في حديث أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقَاً رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» رواه مسلم
يَا أَيُّهَا الأَزْوَاجُ وَالزَّوْجَاتُ، كُونُوا عَلَى حَذَرٍ مِنْ إِخْلَالِ العِشْرَةِ الزَّوْجِيَّةِ لِأَنَّ طَامَّتَهَا كُبْرَى، وَأَوَّلُ البَاكِينَ عَلَى نَتَائِجِ سُوءِ العِشْرَةِ هُوَ أَنْتُمْ، ثُمَّ أَبْنَاؤُكُمْ .
أقولُ للزوجِ:
فَيَا أَيُّهَا الزَّوْجُ:
قَبْلَ أَنْ تُفَكِّرَ بِكَلِمَةِ الطَّلَاقِ التي تُدَمِّرُ وَلَا تُعَمِّرُ عَلَيْكَ أَنْ تُفَكِّرَ في حَسَنَاتِ زَوْجَتِكَ في سَاعَةِ الغَضَبِ، وَبَعْدَ اسْتِحْضَارِ الحَسَنَاتِ تَكَلَّمْ.
وَقَبْلَ أَنْ تُفَكِّرَ الزَّوْجَةُ في طَلَبِ الطَّلَاقِ مِنْ زَوْجِهَا، لِتَتَذَكَّرْ حَسَنَاتِهِ ثُمَّ لِتَتَكَلَّمْ. وَلْيَذْكُرْ كُلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ قَوْلَهُ تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾. كَمْ فَضْلُ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ؟ وَكَمْ فَضْلُ الزَّوْجَةِ عَلَى الزَّوْجِ؟
أيُّها الزوجُ، يا مَن تريدُ طلاقَ زوجَتِكِ، كيفُ هي حياتُكَ بعدَهَا؟ وكيف سيكونُ أبناؤُكَ وبناتُكَ؟ وإلى أيِّ مآلٍ ستتجهُ حياتُكَ واهتماماتُكَ؟ فاللهَ اللهَ في الحكمةِ والصبر، والتدرجِ في معالجةِ الأمورِ، وجَرِّبِ النُّصْحَ لِزَوْجِكَ، وامتثلْ قولَ اللهِ تعالَى: { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا }.(النساء: ) وَحَاوِلِ الصُّلْحَ بِحَكَمٍ مِنْ أَهْلِهَا وَحَكَمٍ مِنْ أَهْلِكَ. { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا }.(النساء: ). وكنْ لزوجِكَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: ” خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي” .(الترمذي وحسنه). يقولُ صاحبُ تحفةِ الأحوذِي في شرحِهِ لهذا الحديثِ:” قولُهُ: خيرُكُم خيرُكُم لأهلِه: أي لعيالِه وذوِي رحمِهِ، وقِيلَ لأزواجِهِ وأقارِبِه، وذلكَ لدلالتِهِ على حسنِ الخُلقِ، “وأنا خيرُكُم لأهلِي” فأنَا خيرُكُم مطلقًا، وكان أحسنَ الناسِ عشرةً لهم، وكان على خُلقٍ عظيمٍ.”
ألَا فتخلقْ بأخلاقِ الرسولِ ﷺ مع أزواجِهِ، واحذرْ مِن الغفلةِ والغضبِ التي توردُكَ مواردَ الندمِ والحسرةِ.
– وأقولُ للزوجةِ:
أيّتُها الزوجةُ، يا مَن تريدينَ الطلاقَ، استشعرِي ما هو حالُكِ بعدَ أنْ تفقدِي نعمةَ الزوجِ، سيئولُ للعنوسةِ والوحدةِ والانطواءِ، وحملِ لقبٍ منبوذٍ في المجتمعِ (مطلقة)، وقد لا يقدرُ اللهُ لكِ زواجًا آخرَ، واصبرِي على علّاتِ زوجِكِ، واحتسبِي الأجرَ على ذلك، وانظرِي إلى مواطنِ الإيجابيةِ فيه، واعلمِي أنّ طاعتكِ لزوجكِ وخدمتكِ لأولادكِ طريقٌ إلى الجنة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خُمُسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَصَّنَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ بَعْلَهَا دَخَلَتْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شَاءَتْ».( ابن حبان وصححه الأرنؤوط)، واحذرِي أنْ تطلُبِي منهُ الطلاقَ من غيرِ سببٍ واضحٍ، فذلك ذنبٌ عظيمٌ وعقوبتُهُ عظيمةٌ. فعَنْ ثَوْبَانَ رضي اللهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ” أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلاَقَ فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ “(ابن ماجة بسند صحيح).
فما أجملَ أنْ يعيشَ الزوجانِ في عشِّ الزوجيةِ تحتَ ظلالِ الحبِّ والسكنِ والمودةِ والرحمةِ، حتى يسودَ الأمنُ والاستقرارُ بينَ الأسرِ وأفرادِ المجتمعِ.
يامَن تريدُ الطلاقَ تمهلْ قليلًا
أيُّها السادةُ: الطلاقُ أبغضُ الحلالِ عندَ اللهِ تباركَ وتعالى، وإنْ كان مشروعًا إِلّا أنَّهُ مكروهٌ إِلّا في أضيقِ الحدودِ كما قالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه و سلم عن محمودِ بنِ لَبِيدٍ أنَّه قال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا، فَقَامَ غَضْبَانًا، ثُمَّ قَالَ: أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللهِ، وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، حَتَّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا أَقْتُلُهُ؟
*فانتبِهْ يامَن تريدُ الطلاقَ تمهلْ قليلًا تفكرْ كثيرًا قبلَ أنْ تقدمَ على هدمِ أسرةٍ بأكملِهَا يا مَن يريدُ الطلاقَ، إنْ كانتْ زوجتُكَ ساءَتْكَ اليوم، فقد سرَّتْكَ أيامًا، وإنْ كانتْ أحزنَتْكَ هذا العام، فقد سرَّتْكَ أعوامًا.
*يا مَن تريدُ الطلاقَ، صبرٌ جميلٌ فإنْ كانتْ المرأةُ ساءَتْكَ، فلعلَّ اللهَ أنْ يُخرجَ منها ذريَّةً صالحةً تقرُّ بها عينُكَ، قال ابنُ عباسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ في قولِهِ تعالى: (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)(النساء:19 ) .قال: هو الولدُ الصالحُ. فالمرأةُ تكونُ عندَ زوجٍ تؤذيهِ وتسبهُ وتهينهُ وتؤلِمهُ، فيصبرُ لوجهِ اللهِ ويَحتسبُ أجرَهُ عندَ اللهِ، ويعلمُ أنَّ معه اللهَ، فما هي إلا أعوامٌ حتى يقرَّ اللهُ عينَهُ بذرِّيةٍ صالحةٍ، وما يدريكَ فلعلَّ هذه المرأةَ التي تكونُ عليكَ اليومَ جحيمًا، لعلَّهَا أنْ تكونَ بعدَ أيامٍ سلامًا ونعيمًا، وما يدريكَ فلعلَّهَا تَحفظُكَ في آخرِ عمرِكَ، صبرٌ فإن الصبرَ عواقبهُ حميدةٌ، وإنَّ مع العسرِ يسرًا
* يا مَن يريدُ الطلاقَ، تريَّثْ فيما أنتَ قادِمٌ عليه، فإذا أردتَ الطلاقَ، فاستشرْ العلماءَ، وراجعْ الحكماءَ، والتمسْ أهلَ الفضلِ والصلحاءَ، واسألْهُم عمَّا أنتَ فيه، وخذْ كلمةً منهم تثبتكَ، ونصيحةً تقويك.َ
* يا مَن يريدُ الطلاقَ، إذا أردتَ الطلاقَ، فاستخِرْ اللهَ، وأنزِلْ حوائجَكَ باللهِ، فإنْ كنتَ مريدًا للطَّلاقِ، فخذْ بسنَّةِ حبيبِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم؛ طلِّقْهَا طلقةً واحدةً في طُهرٍ لم تجامِعهًا فيه، لا تطلِّقهَا وهي حائضٌ، فتلكَ حدودُ اللهِ: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾ (الطلاق: 1) وإذا طلَّقتَهَا، فطلِّقْهَا طلقةً واحدةً لا تزيدُ، جاءَ رجلٌ إلى ابنِ عباسٍ رضى اللهُ عنه فقالَ: يا ابنَ عباسٍ طلقتُ امرأتِي مائةَ تطليقةٍ. قال: ثلاثٌ حُرمتْ بهنًّ عليك، وسبعٌ وتسعون اتخذتَ بها كتابَ اللهِ هزوا))،
يَا مَنْ تُرِيدُ الطلاق تَدَرَّجْ فِي الْحَلِّ وَلاَ تَتَسَرَّعْ؛ فتندمْ وتخسرْ كثيرًا .
قالَ قتادةُ في تفسيرِ قولِ اللهِ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا، الميثاقُ الغليظُ الذي أخذَهُ للنساءِ على الرجالِ : إمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ. وقد كان في عقدِ المسلمينَ عندَ إنكاحِهِم : ” آللهُ عليكَ لتمسكنَّ بمعروفٍ أو لتسرحنَّ بإحسانٍ ” .فحافظُوا على أسرِكُم وعلى بيتِكُم وعلى أولادِكُم مِن الضياعِ وتمهلْ كثيرًا قبلَ أنْ تنطقَ بكلمةِ الطلاقِ واعلمْ أنَّهَا كلمةٌ خطيرةٌ تفسدُ البيوتَ ولا تصلحُهَا وتدمرُهَا ولا تبنيهَا وتخربُهَا ولا تعمرُهَا، وأعلمْ أنَّ البيوتَ لا تخلُو مِن المشاكلِ والخلافاتِ فلو خلتْ البيوتُ من المشاكلِ الزوجيةِ لخلى بيتُ النبيِّ ﷺ، كان يقولُ كما في صحيحِ البخارِي من حديثِ أمنَا عائشةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ : إنِّي لَأَعْرِفُ غَضَبَكِ ورِضَاكِ “قالَتْ: قُلتُ: وكيفَ تَعْرِفُ ذَاكَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ قالَ: “إنَّكِ إذَا كُنْتِ رَاضِيَةً قُلْتِ: بَلَى ورَبِّ مُحَمَّدٍ، وإذَا كُنْتِ سَاخِطَةً قُلْتِ: لا ورَبِّ إبْرَاهِيمَ “قالَتْ: قُلتُ: أجَلْ، لَسْتُ أُهَاجِرُ إلَّا اسْمَكَ)
فحافظوا على الأسرةِ؛ لأنّ المحافظةَ عليها دينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، واتباعِ لمنهجِ الرحمن .
نسال الله أن يحفظَ لنا بيوتَنَا، وبيوتَ المسلمينَ مِن كلِّ سوءٍ وشر، كما نسأله أنْ يباركَ لنَا في أزواجِنَا وأبنائِنَا ، وأن ينزل علينا بركاته ورحمته، وأن يجعل بينا المودة والرحمة.
اللهم ارزقنا الحب والتفاهم، وجنّبنا الفتن والخلافات، وثبت أقدامنا على طريق الصلاح والاستقامة.
اللهم ألّف بين قلوبنا ، واجعلنا لبعضنا لباساً وسكناً، وأبعد عنا شبح الطلاق والفرقة، فإن الطلاق جرحٌ لا يندمل وألمٌ لا يُحتمل.
اللهم إن الحفاظ على الأسرة أمرٌ عظيم ، فاجعلنا من الذين يحافظون على هذا العهد، ولا تجعل للشيطان علينا سبيلاً. وارزقنا الصبر والحكمة، واملأ قلوبنا بالحب والرحمة، ولا تفرق بيننا يا أرحم الراحمين.
اللهم يا حيّ يا قيوم، يا من تباركت أسماؤك وتعالت صفاتك، نأسألك برحمتك الواسعة وعلمك الذي أحاط بكل شيء، أن تجعل بيوتنا مطمئنًة، مليئًة بالمحبة والرحمة والسكينة.
اللهم اجعلنا من عبادك الذين تستجاب لهم الدعوات وتغفر لهم السيئات وتقبل منهم الحسنات، وارزقنا في بيوتنا حسن التفاهم والتواصل، وأبعد عنا كل سوء وشر.
اللهم اجعل بيننا وبين أزواجنا ميثاقًا غليظًا كما أمرت، واجعلنا لبعضنا سكناً ورحمة، وأبعد عنا الفتن والمحن.
اللهم أزرع في قلوبنا الودّ والمحبة، وألّف بين قلوبنا كما ألّفت بين قلوب المؤمنين.
اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، أن تحفظ لنا أسرنا من كل شر، وأن تُبْعِدَ عنا وساوس الشيطان ومداخل الفساد.
اللهم اجعلنا من الصابرين على البلاء، الشاكرين على النعماء، ولا تجعل للطلاق سبيلاً في حياتنا.
اللهم إن الطلاق يفرق بين الأرواح ويهدم البيوت، فاجعلنا ممن يحرصون على الحفاظ على هذه النعمة العظيمة، ولا تجعل لنا في الطلاق مخرجًا إلا بقدرٍ من حكمتك وعدلك.
اللهم اجعلنا ممن يبنون حياتهم على الإخلاص والصدق والتقوى، واجعل بيننا وبين الخلافات بُعد المشرقين، وأبدلنا كل ضيقٍ بسعة، وكل همٍّ بفرج، وكل كربٍ بيسر.
اللهم احفظنا من كل سوء، ووفقنا إلى ما تحب وترضى، وارزقنا السعادة والبركة في كل أمورنا، واغفر لنا ولأهلنا ولأزواجنا ما تقدم من ذنوبنا وما تأخر، ونسألك اللهم أن تُبْعِدَ عنّا كل ما يُفَرِّقُ بيننا، وأن تَرزقَنا حياةً مليئةً بالطاعة والإيمان والود والمحبة.
اللهم آمين، والحمد لله رب العالمين

