
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن «الهدوء المؤسسي».
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
من المفاهيم التي تستحق أن نتوقف أمامها كثيرًا مفهوم «الهدوء المؤسسي».
فالهدوء المؤسسي لا يعني أن تخلو المؤسسة من المشكلات أو الاختلافات أو التغييرات، وإنما يعني أن تمتلك قدرًا من الاستقرار والوضوح والنضج المؤسسي يجعل العمل يسير دون توتر دائم، ودون ارتباك، ودون استنزاف لطاقات العاملين فيما لا يضيف إلى رسالتها.
المؤسسة الهادئة مؤسسيًا هي التي يعرف فيها كل فرد ما له وما عليه، وتكون فيها الأدوار والمسؤوليات واضحة، والإجراءات مستقرة، والمعلومات متاحة، وقنوات التواصل فاعلة؛ فلا يعيش العاملون في مساحة من التخمين، ولا ينشغلون بما قد يتغير غدًا أكثر مما ينشغلون بما ينبغي إنجازه اليوم.
فالإنسان يحتاج إلى قدر من الاستقرار حتى يستطيع أن يفكر ويخطط ويبدع، والمؤسسة كذلك تحتاج إلى أرض ثابتة تستطيع أن تبني عليها مستقبلها.
والهدوء المؤسسي لا يعني الجمود، ولا الخوف من التغيير، ولا تأجيل القرارات الضرورية؛ بل يعني أن يكون التغيير مدروسًا، والقرار مفهومًا، والتوقيت مناسبًا، والمسار واضحًا.
ومن هنا، فإن كثرة القرارات وتتابعها بصورة مفاجئة قد تضر بالجميع؛ لأنها تربك الأولويات، وتخلق شعورًا بعدم الاستقرار، وتجعل التخطيط للمستقبل أكثر صعوبة، حتى وإن كانت بعض هذه القرارات جيدة في ذاتها.
فالقرار لا يعيش منفردًا داخل المؤسسة؛ كل قرار قد يعيد ترتيب خطط ومسؤوليات وأولويات، وربما حياة أشخاص أيضًا. ولذلك فإن استقرار السياسات ووضوح الاتجاهات يمنحان الجميع مساحة أكبر للتخطيط والبناء بثقة.
كما أن الهدوء المؤسسي يعني ألا تتحول كل مشكلة إلى أزمة، وكل اختلاف إلى صراع، وكل خطأ إلى حالة من الاتهام المتبادل؛ بل أن تمتلك المؤسسة ذاكرة تتعلم، ونظمًا تحكم، وثقافة تستوعب الاختلاف، وقدرة على تصحيح المسار دون أن تفقد توازنها.
فجزء كبير من طاقة المؤسسات قد يُهدر أحيانًا في القلق والترقب، وتفسير القرارات، وملاحقة الشائعات، ومحاولة توقع ما سيحدث غدًا… وهي طاقة كان يمكن أن تتجه إلى العمل والتطوير والإبداع.
فالاستقرار لا يتعارض مع التطوير، والهدوء لا يتعارض مع الطموح، والتغيير لا يشترط الاضطراب.
الهدوء المؤسسي ليس صمتًا… بل وضوح.
وليس بطئًا… بل انتظام.
وليس جمودًا… بل استقرار يسمح بالحركة.
وليس مقاومةً للتغيير… بل قدرة على إدارته دون ارتباك.
وربما يكون أجمل ما يمنحه الهدوء المؤسسي للإنسان هو شعوره بأن ما يبنيه اليوم يمكن أن يبني عليه غدًا.
فالهدوء المؤسسي لا يوقف حركة المؤسسة… بل يجعلها تتحرك إلى الأمام دون أن تفقد توازنه

