رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن اّفة النفاق

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن اّفة النفاق

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

التطبيل للساسة بين النفاق والمداهنة وقول الحق

▪️ من الطرائف التي تُروى عن التملق للحكام:

دخل أعرابي على أحد الأمراء عِشاءً، فقال له: «صباح الخير!»

فغضب الأمير وقال له: «أتستهزئ بي أم تمزح معي؟!»

فأدرك الشاعر مدى خطئه، وقال مرتجلًا:

«صَبَّحتُهُ عندَ المساءِ فقالَ لي

تَهْزَأُ بِقَدْرِي أَمْ تُرِيدُ مِزَاحَا

فَأَجَبْتُهُ إِشْرَاقُ وَجْهِكَ غَرَّنِي

حَتَّى تَوَهَّمْتُ المَسَاءَ صَبَاحَا»

فطرب الأمير لقوله، وأجزل له في العطاء!

ويقال على سبيل الطرفة والمبالغة: إن هذه الحادثة كانت بداية «التطبيل» في العالم! 😄

وتُروى رواية أخرى:

خرج أعرابي مع أحد الأمراء في رحلة صيد، فرمى الأمير غزالًا فلم يُصبه، فقال له الأعرابي:

«أحسنت!»

فغضب الأمير وقال: «أتهزأ بي؟!»

فقال الأعرابي: «يا سيدي، لقد أحسنتَ إلى الغزال؛ إذ إنك لم تُصبه!» 😁

وقد تكون هذه الحكايات من الطرائف التي لا تثبت تاريخيًا، لكن معناها يفتح لنا بابًا مهمًّا للحديث عن ظاهرة قديمة متجددة: التملق لأصحاب السلطة، وقلب الحقائق من أجل رضاهم أو طمعًا في عطائهم.

⚫ أولًا: ما المقصود بالتطبيل؟

▪️ التطبيل ليس مجرد مدح المسؤول أو السياسي؛ فمدح الإنسان بما فيه من خير، وشكر من أحسن، أمر مشروع.

▪️ وإنما التطبيل المذموم هو أن يتحول المدح إلى مبالغة وكذب وتزييف للحقائق، فيُجعل الخطأ صوابًا، والفشل نجاحًا، والظلم عدلًا، ويُدافع عن المسؤول في الحق والباطل؛ طمعًا في منصب أو مال أو قرب أو مصلحة.

▪️ ومن أخطر صور التطبيل أن يعرف الإنسان الحقيقة ثم يقول خلافها؛ فيمدح ما لا يستحق المدح، ويبرر ما لا يجوز تبريره، ويسكت عن الخطأ خوفًا أو طمعًا.

⚫ ثانيًا: القرآن يحذر من الكذب وقلب الحقائق

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 42].

▪️ فالمشكلة ليست فقط في أن تكذب، وإنما في أن تخلط الحق بالباطل حتى يصبح الناس عاجزين عن التمييز بينهما.

▪️ ومن التطبيل أن يعلم الإنسان أن هناك تقصيرًا أو خطأً، ثم يصوره للناس على أنه إنجاز عظيم، وأن يمدح صاحبه على ما لم يفعله أصلًا.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119].

فالسياسي أو المسؤول بشر، يصيب ويخطئ، وليس من الصدق أن نحول أخطاءه إلى إنجازات لمجرد أنه صاحب سلطة.

⚫ ثالثًا: النفاق والمداهنة من أخطر ما يفسد علاقة الناس بالحاكم

قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [هود: 113].

▪️ فإذا كان المسؤول ظالمًا، فلا يجوز أن يتحول حب الإنسان له أو خوفه منه أو طمعه فيما عنده إلى تبرير للظلم.

▪️ وليس معنى ذلك أن المسلم يبحث عن أخطاء الحكام، أو يشتمهم، أو يثير الناس عليهم، وإنما معناه أن العدل لا يتغير بتغير الأشخاص.

قال الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135].

فإذا كان الله قد أمرنا بالعدل حتى على أنفسنا وأقرب الناس إلينا، فمن باب أولى ألا نترك العدل لأن شخصًا يعجبنا أو لأنه صاحب منصب وسلطان.

⚫ رابعًا: السنة النبوية حذرت من المدح الذي يفسد الإنسان

قال النبي ﷺ:

«إِذَا رَأَيْتُمُ الْمَدَّاحِينَ فَاحْثُوا فِي وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ» رواه مسلم.

▪️ وهذا من أشد الأحاديث تحذيرًا من الإفراط في المدح؛ لأن كثرة المدح قد تفسد الممدوح، وتجعله يصدق كل ما يقال عنه، كما أنها تكشف أحيانًا عن طمع المادح فيما عنده.

وقال ﷺ:

«مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» متفق عليه.

▪️ فإذا كان الكلام خيرًا قلناه، وإذا كان كذبًا أو تزييفًا أو شهادة زور، فالصمت خير منه.

⚫ خامسًا: أخطر التطبيل أن يتحول الخطأ إلى إنجاز

▪️ قد يفشل المسؤول في مشروع، فيقول المطبلون: «إنه إنجاز تاريخي».

▪️ وقد يتخذ قرارًا خاطئًا، فيقال: «إنها حكمة سياسية عظيمة».

▪️ وقد يقصر في واجبه، فيقال: «إنه يعمل ليل نهار».

▪️ وقد تكون هناك مشكلة حقيقية يعاني منها الناس، فيقال لهم: «أنتم لا ترون الإنجازات».

▪️ وهنا لا يعود الأمر مجرد مجاملة، وإنما يصبح تزويرًا للوعي العام.

والأخطر أن المسؤول نفسه قد يصبح محاصرًا بدائرة من المطبلين؛ فلا يسمع إلا المديح، ولا تصله الحقيقة، ولا يرى أخطاءه، فيستمر الخطأ ويتسع.

⚫ سادسًا: الإسلام لا يمنع الثناء على المسؤول الصالح

▪️ يجب أن نكون منصفين.

ليس كل مدح تطبيلًا، وليس كل ثناء نفاقًا.

فإذا أحسن المسؤول، وجب الاعتراف بإحسانه.

قال تعالى:

﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: 60].

▪️ فمن العدل أن نقول للمحسن: أحسنت.

▪️ ولكن الفرق كبير بين أن تقول: «أحسنت في هذا الأمر»، وبين أن تقول: «أنت لا تخطئ أبدًا، وكل ما تفعله حكمة، وكل قرار تتخذه صواب».

الأول إنصاف، والثاني تطبيلًا.

⚫ سابعًا: أخطر ما في التطبيل أنه قد يحول السلطة إلى دائرة مغلقة

▪️ المسؤول يحتاج إلى من يقول له الحقيقة، لا إلى من يصفق له في كل الأحوال.

▪️ يحتاج إلى من يقول: هذا القرار صائب، وهذا يحتاج إلى مراجعة، وهذا فيه تقصير، وهذا فيه نجاح.

▪️ أما أن يجتمع حوله قوم لا يعرفون إلا كلمة واحدة: «عاش، أحسنت، عظيم، عبقري، لم يسبقك أحد»، فهذه ليست خدمة له، بل قد تكون ضررًا عليه وعلى المجتمع.

وقد قال النبي ﷺ:

«الدِّينُ النَّصِيحَةُ»، قلنا: لمن؟ قال: «لِلَّهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» رواه مسلم.

▪️ فالنصيحة للحاكم أو المسؤول ليست معناها التشهير به أو الإساءة إليه، وإنما أن يُرشد إلى الخير، ويُنبَّه إلى الخطأ بالأسلوب المشروع.

⚫ ثامنًا: لا تجعل مصلحتك الشخصية تبيع ضميرك

▪️ بعض الناس لا يمدح المسؤول حبًّا فيه، وإنما لأنه يريد وظيفة، أو منصبًا، أو مصلحة، أو عطية.

▪️ وهنا يتحول المدح إلى تجارة: أنا أمدحك، وأنت تعطيني.

وقد قال الله تعالى:

﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: 44].

▪️ والمؤمن لا يبيع كلمة الحق من أجل مكسب دنيوي.

فإذا مدحت، فامدح بالحق.

وإذا انتقدت، فانتقد بالعدل.

وإذا سكت، فلا تسكت عن خوف أو طمع.

⚫ تاسعًا: بين النقد والتطبيل طريق اسمه العدل

▪️ الإسلام لا يريد مجتمعًا يصفق لكل شيء.

▪️ ولا يريد مجتمعًا يشتم كل شيء.

▪️ وإنما يريد مجتمعًا عادلًا.

قال تعالى:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].

فكما أن من الظلم أن ترفض كل شيء لأنك تكره المسؤول، فمن الظلم أيضًا أن تمدح كل شيء لأنك تحبه.

الحق لا يعرف الأشخاص، وإنما الأشخاص يُعرفون بالحق.

⚫ والخلاصة .

▪️ التطبيل السياسي ليس مجرد كلمة عابرة أو مجاملة بسيطة؛ فإذا وصل إلى الكذب، وتزييف الحقائق، وتبرير الظلم، وشهادة الزور، وإخفاء الأخطاء، فهو أمر خطير يخالف الصدق والعدل والنصيحة.

▪️ والمسؤول ليس معصومًا، كما أن المعارض ليس معصومًا.

▪️ فلا ينبغي أن نعبد الأشخاص، ولا أن نقدس المناصب، ولا أن نحول السياسة إلى معركة بين مؤيد يمدح كل شيء، ومعارض يذم كل شيء.

▪️ قل الحق ولو كان في غير مصلحة من تحب، وقل الحق ولو كان على من تكره.

▪️ وأجمل ما يمكن أن نقوله للمسؤول:

إذا أحسنتَ قلنا: أحسنت.

وإذا أخطأتَ قلنا: أخطأت.

وإذا أصبتَ شكرناك.

وإذا قصرتَ نصحناك.

لا نطبل لك، ولا نظلمك.

فذلك هو العدل الذي أمر الله به، والنصيحة التي جاء بها رسول الله ﷺ.