
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مستويات الظاهرة اللغوية في الفكر اللساني
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
تُعدّ اللغة من أكثر الظواهر الإنسانية تعقيدًا، لأنها ليست مجرد وسيلة للتواصل وتبادل المعلومات، بل هي نظام رمزي تتجلى من خلاله قدرة الإنسان على التفكير والتعبير وبناء العلاقات الاجتماعية. وقد حاولت اللسانيات الحديثة، منذ تشكلها علمًا مستقلًا، أن تحدد طبيعة الظاهرة اللغوية وأن تميز بين مستوياتها المختلفة. ومن أبرز التصورات التي أسهمت في هذا المجال التصور الذي قدمه اللساني السويسري فرديناند دي سوسير، حين ميّز بين اللغة واللسان والكلام، وهو تمييز أصبح منطلقًا أساسًا في الدراسات اللسانية الحديثة.
أولًا: اللغة بوصفها قدرة إنسانية
يمكن النظر إلى اللغة باعتبارها قدرة إنسانية عامة تمكّن الفرد من إنتاج الرموز وفهمها واستعمالها في التواصل. وهي بهذا المعنى ظاهرة إنسانية تتداخل فيها أبعاد متعددة، منها البعد النفسي والاجتماعي والعقلي والصوتي.
فالإنسان يمتلك استعدادًا طبيعيًا لاكتساب اللغة واستعمالها، غير أن هذه القدرة لا تتحقق في صورتها المجردة، بل تظهر من خلال لغات مخصوصة مثل العربية والفرنسية والإنجليزية وغيرها. ومن هنا يمكن القول إن اللغة مفهوم شامل يشير إلى النشاط الرمزي والتواصلي الذي يميز الإنسان.
ولا تقتصر اللغة على الجانب الصوتي وحده، بل تشمل أنظمة مختلفة من العلامات، لأن الإنسان يستطيع التواصل أيضًا بالإشارات والرموز والكتابة. غير أن اللغة الطبيعية المنطوقة تظل النموذج الأكثر اكتمالًا وتعقيدًا للقدرة اللغوية.
ثانيًا: اللسان بوصفه نظامًا من العلامات
يُعد مفهوم اللسان من أهم المفاهيم التي أسس عليها فرديناند دي سوسير مشروعه اللساني. فاللسان هو نظام اجتماعي من العلامات والقواعد المشتركة بين أفراد الجماعة اللغوية.
فاللغة العربية، مثلًا، تمتلك نظامًا صوتيًا وصرفيًا وتركيبيًا ودلاليًا، وهذا النظام لا يصنعه فرد واحد، بل تتوارثه الجماعة اللغوية وتتعلمه الأفراد منذ طفولتهم. ولذلك فإن اللسان ذو طبيعة اجتماعية، لأنه يوجد في المجتمع ويستمر عبر الأجيال.
ويتكون اللسان من مجموعة من القواعد التي تضبط استعمال الوحدات اللغوية، مثل:
– النظام الصوتي.
– النظام الصرفي.
– النظام التركيبي.
– النظام المعجمي.
– النظام الدلالي.
فالناطق بالعربية يستطيع أن يقول: «قرأ الطالب الكتاب»، لأنه يمتلك معرفة ضمنية بالقواعد التي تسمح بتركيب هذه الجملة. وهذه المعرفة لا تتعلق بجملة واحدة، بل بمنظومة كاملة من العلاقات والقواعد.
ومن هنا كان اللسان، في التصور البنيوي، موضوعًا رئيسًا للدرس اللساني، لأنه يمثل النظام المستقر نسبيًا الذي يمكن وصفه وتحليله علميًا.
ثالثًا: الكلام بوصفه ممارسة فردية
إذا كان اللسان نظامًا اجتماعيًا مشتركًا، فإن الكلام يمثل الاستعمال الفردي لهذا النظام. فكل متكلم يستخدم القواعد المشتركة بطريقة خاصة تتأثر بمقام التواصل وبشخصيته وثقافته ومقصده.
عندما ينطق شخص بجملة مثل:
«سأسافر غدًا إلى المدينة»
فإنه يمارس فعلًا كلاميًا فرديًا، لأن الجملة صدرت في لحظة معينة ومن شخص معين وفي سياق مخصوص. أما القواعد التي سمحت بتكوين الجملة فهي جزء من اللسان.
ويتميز الكلام بالتغير والتنوع، إذ تختلف طريقة النطق والتعبير من فرد إلى آخر، بينما يظل اللسان أكثر استقرارًا. ولهذا فإن الكلام يمثل الجانب الفعلي والمتحقق من اللغة، في حين يمثل اللسان النظام الكامن الذي يجعل هذا التحقق ممكنًا.
العلاقة بين اللغة واللسان والكلام
يمكن تصور العلاقة بين هذه المفاهيم الثلاثة باعتبارها علاقة بين العام والنظام والاستعمال.
فاللغة هي الظاهرة الإنسانية الشاملة، واللسان هو النظام الخاص الذي تتبناه جماعة لغوية معينة، أما الكلام فهو الاستعمال الفردي لهذا النظام.
فعندما نقول إن الإنسان كائن لغوي، فإننا نتحدث عن اللغة بوصفها قدرة إنسانية. وعندما نتحدث عن العربية باعتبارها مجموعة من القواعد والعلامات، فإننا نتحدث عن اللسان العربي. أما عندما يتحدث شخص بالعربية في موقف معين، فإننا نكون أمام الكلام.
ويمكن تلخيص العلاقة على النحو الآتي:
اللغة ← القدرة الإنسانية العامة
اللسان ← النظام الاجتماعي المشترك
الكلام ← الاستعمال الفردي للنظام
أهمية التمييز بين اللسان والكلام
كان التمييز بين اللسان والكلام خطوة أساسية في تأسيس اللسانيات الحديثة، لأنه سمح بتحديد موضوع الدراسة العلمية. فاللسانيات البنيوية اهتمت أساسًا باللسان باعتباره نظامًا من العلاقات، لأن دراسة النظام أكثر قابلية للوصف والتنظيم من دراسة الاستعمالات الفردية المتغيرة.
غير أن الدراسات اللسانية اللاحقة أعادت الاعتبار إلى الكلام والاستعمال والسياق، خاصة مع ظهور التداوليات ولسانيات الخطاب وتحليل المحادثة. فلم يعد من الممكن دراسة اللغة باعتبارها نظامًا مجردًا فقط، بل أصبح من الضروري الاهتمام بكيفية استعمال هذا النظام في الحياة اليومية.
وهكذا انتقلت الدراسات اللسانية من التركيز على البنية إلى الاهتمام بالفعل التواصلي والسياق والمقاصد.
اللسان بين النظام والاستعمال
رغم التمييز النظري بين اللسان والكلام، فإن العلاقة بينهما علاقة تكاملية. فلا وجود فعلي للسان خارج استعمال المتكلمين له، كما أن الكلام لا يمكن أن يتحقق من دون نظام لغوي مشترك.
فالطفل يكتسب اللسان من خلال سماع الكلام، ثم يصبح قادرًا على إنتاج عدد لا محدود من الجمل اعتمادًا على القواعد التي اكتسبها. وهذا ما يكشف عن الطبيعة الدينامية للغة، فهي نظام ثابت نسبيًا، لكنه يتطور باستمرار من خلال الاستعمال.
ومن هنا فإن الكلام الفردي يمكن أن يسهم، مع مرور الزمن، في حدوث تغيرات داخل اللسان نفسه، إذ قد تنتشر بعض الاستعمالات الجديدة بين أفراد الجماعة حتى تتحول إلى جزء من النظام اللغوي.
خاتمة
إن التمييز بين اللغة واللسان والكلام يمثل أحد الأسس النظرية الكبرى التي قامت عليها اللسانيات الحديثة. فاللغة تحيل إلى القدرة الإنسانية العامة على التواصل الرمزي، واللسان يمثل النظام الاجتماعي من العلامات والقواعد، بينما يجسد الكلام الاستعمال الفردي والفعل الفعلي للغة.
وقد مكّن هذا التمييز من النظر إلى الظاهرة اللغوية بوصفها ظاهرة متعددة المستويات، تجمع بين النظام والاستعمال، وبين الاجتماعي والفردي، وبين الثبات والتغير. ولذلك ظل هذا التصور حاضرًا في مختلف الاتجاهات اللسانية، حتى وإن أعادت النظريات الحديثة صياغته وتوسيعه في ضوء مفاهيم جديدة تتعلق بالكفاية والتواصل والخطاب والسياق.
مراجع
– فرديناند دي سوسير، محاضرات في اللسانيات العامة.
– أحمد مختار عمر، علم الدلالة.
– محمود السعران، علم اللغة: مقدمة للقارئ العربي.
– كمال بشر، علم اللغة العام: الأصوات.
– عبد السلام المسدي، التفكير اللساني في الحضارة العربية.
– محمد محمد يونس علي، مدخل إلى اللسانيات.

