رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن كيفية تقسيم الأضحية والرد على من يقول: “آكلها كلها ولا أعطي الفقراء”

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن كيفية تقسيم الأضحية والرد على من يقول: “آكلها كلها ولا أعطي الفقراء”

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

علمنا الإسلام أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وحضّ على الإطعام، وجعله من أسباب النجاة يوم الزحام. أما بعد:

الأضحية شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وهي سنة مؤكدة عند جمهور العلماء، وواجبة عند الإمام أبي حنيفة وبعض المالكية. ولم تقف حكمتها عند إراقة الدماء فحسب، بل تعدتها إلى تنظيم حياة المجتمع وترسيخ مبادئ التكافل والتراحم.

وقد دلّت النصوص الشرعية على أن من أخص مقاصد الأضحية: إطعام الطعام، ومواساة الفقراء، والإهداء إلى الجيران. وإن مَن زعم أن التصدق من الأضحية غير واجب البتة، وأنه يجوز للمضحي أن يأكلها ويحتكرها في ثلاجة بيته كاملة، ولا يعطي الفقير منها شيئًا، فقد جانب الصواب، وخالف ظواهر النصوص، وغفل عن مقصد الشارع الكريم.

والنصوص في ذلك محكمة متضافرة، فمن القرآن الكريم قول الله –تعالى-:

﴿فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]

وقوله سبحانه: ﴿فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّۚ﴾ [الحج: ٣٦]

ففي الآيتين أمر صريح بالأكل، وأمر صريح بإطعام الفقير والقانع والمعتر، والخطاب للأمة، والخطاب للوجوب حتى تصرفه قرينة. والتاريخ يشهد أن هذا الأمر فهمته الأمة على أنه إيجاب، لا على سبيل التخيير المطلق.

(والقانع: هو السائل المتعفف.

والمعتر: هو الذي يتعرض لك طمعًا في عطائك دون سؤال).

ومن السنة النبوية المطهرة، ما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من حديث عائشة رضي الله عنها أنه قال في لحوم الأضاحي:

«…فكُلُوا وَادَّخِرُوا وَتَصَدَّقُوا».

<رواه مسلم>.

فهذا الحديث اشتمل على ثلاث أوامر: الأكل، والادخار، والتصدق. والعطف بالواو يقتضي الجمع، وهو يقتضي أن المضحي لا بد أن يجمع بين هذه الأمور الثلاثة. وليس المراد التخيير، لأن الأصل في الأوامر الشرعية أنها للوجوب. ولهذا كان جمهور الفقهاء على أن التصدق بجزء منها واجب، لأن الأمر الشرعي بالتصدق يقتضي الإلزام، فإن لم يجب التصدق، لكان الأمر به عبثًا، وحاشا للشارع الحكيم أن يأمر بالعبث.

فبالله عليك، هل يعقل أن يأمر الله بإطعام البائس الفقير، ويأمر النبي بالتصدق، ثم نقول: إن هذا الأمر للاستحباب المطلق الذي يجوز معه الترك بالكلية؟!

أليس هذا مناقضًا لظواهر النصوص وحكمة التشريع؟!

لو جاز للمضحي ألا يتصدق بشيء مطلقًا، لأوصدنا باب إغناء الفقراء في هذا الموسم العظيم، ولفرغت الشعيرة من مقصدها التكافلي، ولأصبحت الأضحية مجرد ذبيحة خاصة لا تختلف عن أي ذبيحة أخرى.

وهذا قلب لحقيقة الأضحية ومسخ لمشروعيتها.

⚫ العنصر الثاني: تحرير محل النزاع وآراء المذاهب الفقهية الأربعة في الطريقة المستحبة للتقسيم.

إذا تقرر لدينا بالأدلة أن الأضحية مشروعها الأصلي يشمل التصدق، فلننظر إلى أقوال أئمة المذاهب المتبوعة في الكيفية المستحبة لتقسيمها، لنرى أن الخلاف ليس في أصل مشروعية التصدق، بل في القدر والكيفية، وفي حكم ما لو لم يتصدق بشيء:

أولًا: مذهب الحنفية والحنابلة:

يرى الحنفية والحنابلة أن الأفضل والأكمل في تقسيم الأضحية أن تُقَسَّم إلى ثلاثة أثلاث متساوية: ثلث للمضحي وأهل بيته، وثلث للفقراء والمساكين على سبيل الصدقة، وثلث للأقارب والجيران وإن كانوا أغنياء على سبيل الهدية.

ويرى الحنفية –في قول– أنه يُستحب ألا ينقص مقدار الصدقة منها عن الثلث، أخذاً من ظاهر فعل ابن عمر رضي الله عنهما، وما روي في صفة أضحية النبي -صلى الله عليه وسلم-.

واستدلوا بحديث عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- في صفة أضحية النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “ويطعم أهل بيته الثلث، ويطعم فقراء جيرانه الثلث، ويتصدق على السائلين بالثلث”.

<الهداية في شرح بداية المبتدي (٤/٣٦٠)، تبيين الحقائق (٦/ ٨)، الكافي في فقه الإمام أحمد (١/٥٤٥)>

ثانيًا: مذهب المالكية:

أما المالكية فيرون النَّدب المطلق بلا تحديد نسبة معينة، بل الأمر واسع ومتروك لتقدير المضحي وحاجته.

والمستحب عندهم: أن يجمع المضحي بين الأكل والتصدق والإهداء دون تقيد بالثلث أو غيره. واستدلوا بمطلق الأوامر النبوية مثل «كُلُوا وَتَصَدَّقُوا»، ولم يَرَوا أن الأحاديث التي حددت الثلث قد ثبتت من طُرُقٍ قوية توجب التقييد، فالأمر عندهم يدور مع المصلحة وسد حاجة الناس.

<بداية المجتهد (١/٣٥٢)، الذخيرة للقرافي (٤/١٥٨)>

وتأمل! المالكية يقولون بالندب المطلق، لكنهم لا يقولون بجواز ترك التصدق رأسًا بحيث لا يأخذ الفقير شيئًا، بل ندبهم هذا يقتضي أن الأجر العظيم في الإعطاء، لا أن تركه جائز على كل حال.

ثالثًا: مذهب الشافعية:

وهنا بيت القصيد ومحل الرجحان. فقد فرَّق الشافعية بين الأفضل في تقسيمها وبين ما يجزئ منها.

فعندهم أنه يجب على المضحي أن يتصدق بشيء من اللحم النيئ على فقير مسلم، ولا يكفي إطعامهم إياه مطبوخًا، ولا يكفي التصدق بغير اللحم كالجلد أو الأحشاء.

قال الإمام النووي –وهو شافعي– في شرحه لصحيح مسلم عند قوله صلى الله عليه وسلم: «فكلوا وادخروا وتصدقوا»:

“هذا تصريح بزوال النهي عن ادخارها فوق ثلاث، وفيه الأمر بالصدقة منها والأمر بالأكل، فأما الصدقة منها إذا كانت أضحية تطوع، فواجبة على الصحيح عند أصحابنا بما يقع عليه الاسم منها، ويستحب أن تكون بمعظمها قالوا: وأدنى الكمال أن يأكل الثلث ويتصدق بالثلث ويهدي الثلث”.

<شرح النووي على مسلم>

وقال أيضًا في كتابه “المجموع شرح المهذب”:

“وهل يشترط التصدق منها بشيء أم يجوز أكلها جميعا؟

فيه وجهان مشهوران… أحدهما: يجوز أكل الجميع، قاله ابن سريج وابن القاص والاصطخري وابن الوكيل، وحكاه ابن القاص عن نص الشافعي، قالوا: وإذا أكل الجميع ففائدة الأضحية حصول الثواب بإراقة الدم بنية القربة.

القول الثاني: وهو قول جمهور أصحابنا المتقدمين وهو الأصح عند جماهير المصنفين، ومنهم المصنف في التنبيه: يجب التصدق بشيء يطلق عليه الاسم، لأن المقصود إرفاق المساكين، فعلى هذا إن أكل الجميع لزمه الضمان”.

<المجموع شرح المهذب للنووي (٨/٣٨٢)>

فتأملوا هذا النص النفيس! إنه ينص على أن القول بعدم وجوب التصدق هو قول مرجوح شاذ، وأن القول الراجح المعتمد هو وجوب التصدق، وأن من أكلها كلها ضمن أقل ما يسمى لحمًا للفقراء، لأن حقهم قد تعلق بها.

⚫ العنصر الثالث: الحكمة والمقاصد الاجتماعية والتكافلية من مشروعية التقسيم.

بعد هذا التفصيل الفقهي، يحسن بنا أن نغوص في الحكمة التي لأجلها أوجب الشارع إشراك الفقير في الأضحية:

1. مقصد إدخال السرور على الفقير والتوسعة عليه: في هذه الأيام المباركة، يشعر الفقير بمرارة الحاجة وهو يرى الناس يذبحون ويأكلون، فأراد الله أن يجعل له من هذه الشعيرة نصيبًا، فيأكل لحمًا طريًا ربما لا يتيسر له في العام إلا في هذا الموسم. قال الله تعالى: ﴿لِّيَشْهَدُوا۟ مَنَٰفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا۟ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِىٓ أَيَّامٍ مَّعْلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلْأَنْعَٰمِۖ فَكُلُوا۟ مِنْهَا وَأَطْعِمُوا۟ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]. فانظروا كيف اقترنت المنافع بإطعام البائس الفقير!

2. مقصد شكر النعمة بإشراك الغير فيها: مَن أنعم الله عليه بالسعة، فذبح أضحية، فإن من تمام شكره أن يهدي ويتصدق. أما من حبسها على نفسه وأهل بيته فقط، فكأنه لم يشكر النعمة حق شكرها، بل استأثر بها.

الشكر الحقيقي بالنعمة هو أن ترى أثرها على غيرك، وإلا كان بطرًا وركونًا للشبع.

3. مقصد إحياء شعيرة التكافل:

الأضحية مشروع حضاري، يبني مجتمعًا متراحمًا متكافلاً. فإذا أُعطي الجار، دفع ذلك الحسد والبغضاء، وإن أُعطي الفقير، أورث ذلك المحبة والدعاء الصالح.

وإن احتكارها يورث الشحناء ويقتل المودة، ويجعل الأغنياء طبقة منعزلة عن الفقراء.

وأي شعيرة تلك التي لا يتجاوز نفعها باب المضحي؟!

هذه المقاصد تجعلنا نجزم أن قول القائل: “أنا حر، اذبحها وأحطها في الثلاجة وآكلها مع نفسي وخلاص، والفقير ما ياخدش حاجة”، هو كلام فارغ! إنه ليس كلام فقيه متبصر بمقاصد الشريعة، بل هو كلام نفس شحيحة، وتفسير مادي جاف للشعائر، يفرغها من روحها ويسلبها حكمتها.

إن الأضحية ليست مجرد لحم يوضع في الثلاجة، بل هي قربة يتقرب بها إلى الله، والقربة لا تكتمل أركانها إلا إذا وصل خيرها إلى المستحقين.

⚫ العنصر الرابع: أثر النوازل وحاجة المجتمع على مقدار الصدقة الواجب أو المستحب.

بل إن الشريعة الغراء لم تقف عند هذا الحد من الحث على التصدق، بل ربطت الأمر بالواقع. إن الفقه في الدين ليس مجرد حفظ نصوص، بل هو فهم الواقع وتنزيل الحكم المناسب عليه.

وهنا تبرز مرونة الشريعة، حيث يتغير الحكم من الإباحة إلى الوجوب، أو من الندب إلى التأكيد، بحسب حاجة المجتمع ونوازله.

وتأملوا معي هذا الهدي النبوي العظيم الذي يرويه سَلَمَةُ بْنُ الأَكْوَعِ –رضي الله عنه– قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلاَ يُصْبِحَنَّ بَعْدَ ثَالِثَةٍ وَبَقِيَ فِي بَيْتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» فَلَمَّا كَانَ العَامُ المُقْبِلُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ المَاضِي؟ قَالَ: «كُلُوا وَأَطْعِمُوا وَادَّخِرُوا، فَإِنَّ ذَلِكَ العَامَ كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ، فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا».

<صحيح البخاري>

انظروا! النبي ﷺ في عام المجاعة، وقد كان “بِالنَّاسِ جَهْدٌ”، أمرهم ألا يدخروا منها شيئًا فوق ثلاث ليال، وأراد أن يعينوا الفقراء فيها. فلما زال الجهد في العام القابل، أذن لهم في الادخار. فهذا أصل عظيم: أن الحاجة والمجاعة توجب التوسعة في الصدقة وتقديمها على الادخار.

فإذا كان هذا الأمر في زمن النبي ﷺ، فكيف بنا اليوم وفي مجتمعاتنا من فقراء ومساكين ومحتاجين؟!

وكيف بمن يعيش في بحبوحة من العيش ويقول: “أنا لا أعطي الفقير شيئًا، وسأحتفظ بالأضحية كلها لنفسي”؟! أليس هذا من الجشع والشح الذي حذرت منه الشريعة؟ أليس هذا مضادة لهدي النبي ﷺ الذي أراد أن يُعِينُوا الفقراء في عام الجهد؟! هذا إن دل فإنما يدل على أن الشريعة تنظر إلى الغير، وتربأ بالمسلم أن يكون نهمًا لا يرى إلا نفسه وبطنه.

⚫ العنصر الخامس: القدر الواجب والمجزئ من الصدقة في الأضحية عند الفقهاء.

بعد أن أثبتنا رجحان القول بوجوب أصل الصدقة، نبين هنا القدر المجزئ الذي تبرأ به الذمة. الفقهاء الذين قالوا بالوجوب قدروا هذا الواجب بمقدار يقع عليه اسم اللحم.

قال الإمام البهوتي الحنبلي في كتابه “كشاف القناع”:

“(فإن أكل أكثر) الأضحية أو أهدى أكثرها (أو أكلها كلها) إلا أوقية تصدق بها جاز، (أو أهداها كلها إلا أوقية جاز، لأنه يجب الصدقة ببعضها) نيئا على فقير مسلم لعموم ‘وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ’ (فإن لم يتصدق بشيء) نيء منها (ضمن أقل ما يقع عليه الاسم) كالأوقية (بمثله لحما)”.

<كشاف القناع عن متن الإقناع للبهوتي>

فانظروا إلى دقة الفقهاء! إذا تصدق بأقل ما يقع عليه الاسم، فقد خرج من العهدة، وأجزأته أضحيته. فأما من لم يتصدق بشيء مطلقًا، فإنه ضامن، أي أنه يضمن للفقراء قدر الواجب من ماله ولو بعد فوات وقت الذبح.

وهذا الضمان معناه أن ذمته لم تبرأ، وأن حق الفقير ما زال معلقًا بها، وهذا يبين بطلان قول من قال: “تبقى برده أضحية حتى لو أكلتها كلها”.

وهنا ننقل قولًا فقهيًا جامعًا من فتوى معاصرة لسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز –رحمه الله– حين سئل عن توزيع الأضحية، فقال:

“الأضحية شرعها الله لعباده، وجعلها قربةً يتقرب بها إليه في عيد النَّحر، في الحاضرة والبادية، ولم يُحدد سبحانه ما يأخذه منها صاحبها، وما يُعطيه الفقراء، فقال: فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ [الحج:28]… فالمشروع للمؤمن في ضحيَّته أن يأكل ويُطعم، فإذا أخرج الثلث ووزعه للفقراء وأكل الثلثين مع أهل بيته؛ فلا بأس ولا حرج في ذلك، ولو أخرج أقلَّ من الثلث؛ كفى ذلك… فالأمر في هذا واسعٌ”.

<الموقع الرسمي لسماحة الشيخ الإمام ابن باز رحمه الله>

فتأمل عبارة “فالمشروع للمؤمن… أن يأكل ويُطعم”، فهو تقرير للمشروع، وليس تقريرًا لقول من قال: “آكل ولا أطعم”.

لأن فعل “يأكل ويُطعم” يدل على الجمع بين الأمرين، أي أن المشروعية لا تتحقق إلا بالجمع بين الأكل والإطعام.

⚫ العنصر السادس: حكم أكل الأضحية كاملة أو تقديمها في وليمة دون توزيع اللحم النيئ.

قد يتحايل البعض فيقول: “أنا لم أمنع الفقراء، بل دعوتهم إلى وليمة وأطعمتهم لحمًا مطبوخًا، فهل يجزئ هذا؟” أو يقول: “أنا أولمتها كلها ودعوت الأقارب، والأقربون أولى بالمعروف”.

وهنا يجب التمييز الدقيق:

نقل الإمام النووي عن جمهور أصحاب الشافعية أن الواجب هو التصدق بشيء من اللحم النيئ، فلا يكفي إطعامهم إياه مطبوخًا، لأن الطبخ يغير صفة اللحم ويمنع الفقير من حق التصرف فيه بالبيع أو الادخار أو إهدائه لغيره.

التصدق باللحم النيئ هو تمليك حقيقي للفقير ينتفع به كيف شاء، بخلاف الإطعام المطبوخ فهو مقيد بزمان ومكان معين.

وفي فتوى لمركز الفتوى بإسلام ويب:

“فإذا كان في أقاربك أو أصهارك الذين دعوتهم إلى تلك المأدبة فقراء، فلا حرج عليك فيما صنعت، وإن كان الأولى توزيع شيء من لحم الأضحية على الفقراء خروجا من خلاف من أوجب تمليك الفقير شيئا من لحم الأضحية ولم ير جواز الاكتفاء بدعوة الفقير للأكل منها وإن لم يكن فيهم فقراء فيجب أن تشتري أقل ما يسمى لحما كأوقية وتتصدق به”.

<إسلام ويب، مركز الفتوى، حكم أكل الأضحية دون الصدقة منها>

فانظروا، إن كانت الوليمة كلها للأغنياء، ولم يصب الفقير من اللحم النيئ شيئًا، فإن المضحي مطالب بشراء لحم وتصدق به ليخرج من عهدة الخلاف القوي.

فهذا يبين أن الأصل هو إعطاء الفقير، وأن دعوى الاكتفاء بدعوة الأغنياء أو جعلها وليمة خاصة دعوى باطلة لا تبرئ الذمة في المذهب المعتمد.

وأما مقولة “الأقربون أولى بالمعروف”، فقد بين أهل العلم أنها ليست بحديث، بل اشتهرت على الألسنة، ومعناها صحيح لكن ليس على إطلاقه بحيث يحرم الفقير الغريب. فالمعروف يكون للأقربين وللأبعدين، والأضحية جعلها الله للفقراء والمساكين أيضًا، فلا يصح أن تكون حجة للاستئثار.

⚫ العنصر السابع: الأحكام المتعلقة بتوزيع الأحشاء والرأس والجلد.

من تمام الفقه في هذه الشعيرة أن يعلم المضحي ما يتعلق بباقي أجزاء الأضحية.

– الأصل أن المقصود الأعظم هو اللحم، وهو الذي يعود نفعه على المستحقين.

وأما الأحشاء من كبد وطحال ورئة ونحوها، والرأس، والأكارع، فإنها تدخل تبعًا في الأضحية.

وقد سئلت لجنة الإفتاء بالأردن: “كيف توزع الأُضْحِيَّة؟ وهل الأحشاء توزع وكذا الرأس؟”

فأجابت:

“وأما ما يقسم من الأُضْحِيَّة فهو اللحم؛ لأنه المقصود الأعظم، وهو الذي يعود نفعه على المستحقين، وأما أحشاؤها من كبدٍ وغيره فإنه يستحب تقسيمه، وإن لم يقسمه المضحي فلا حرج في ذلك، والرأس لا تقسم بل تكون لصاحب الأُضْحِيَّة، ولا يبيعها ولا يعطيها للجزار مقابل أجره”.

<دائرة الإفتاء العام الأردنية>

وهنا نؤكد على محظور عظيم يقع فيه البعض، وهو حرمة بيع أي جزء من الأضحية: لا يجوز للمضحي أن يبيع شيئًا من لحم الأضحية، ولا شحمها، ولا جلدها، ولا رأسها. إن الأضحية خرجت من ملك صاحبها لله، فليس له أن يعود في جزء منها ليبيعه ويتربح منه.

وهذا ما نص عليه الفقهاء في جميع المذاهب.

فمن باع شيئًا منها، فعليه أن يتصدق بثمنه.

وكذلك لا يصح استبدال جلد الأضحية غير المدبوغ بآخر مدبوغ، لأنه صورة من صور البيع المحرم.

قال فضيلة الدكتور علي جمعة في فتوى له:

“وللمضحِّي المتطوع الأكل من أضحيته أو الانتفاع بها لحمًا وأحشاءً وجِلدًا كلها أو بعضها، أو التصدق بها كلها أو بعضها، أو إهداؤها كلها أو بعضها، إلا أنه لا يجوز إعطاء الجِلد أجرةً للجزار، وكذلك لا يجوز بيعه”.

<دار الإفتاء المصرية>

⚫ العنصر الثامن: حكم إعطاء الجزار من الأضحية وضوابط ذلك.

يكثر السؤال عن الجزار الذي يقوم بالذبح والسلخ، هل يجوز إعطاؤه جزءًا من الأضحية؟ والجواب في حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال:

“أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنْ أَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ أَتَصَدَّقَ بِلَحْمِهَا وَجُلُودِهَا وَأَجِلَّتِهَا، وَأَنْ لاَ أُعْطِيَ الْجَزَّارَ مِنْهَا، قَالَ: نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا”.

<صحيح البخاري>

(أَجِلَّتِهَا: جمع جِلّ، وهو ما يوضع على ظهر البعير كالبَرْذَعَة).

فالنهي هنا صريح في منع إعطاء الجزار شيئًا من الأضحية على سبيل الأجرة. لماذا؟ لأن الأضحية قربة خالصة لله، فلو أُعطي الجزار منها كأجرة، لصار ذلك كالمعاوضة، فكأنه باع جزءًا من القربة وانتقع به، وهذا يُذهب حقيقة التضحية ويحولها إلى معاملة دنيوية بحتة.

أما إذا أُعطي الجزار جزءًا منها على سبيل الصدقة (إن كان فقيرًا)، أو الهدية بعد إعطائه أجرته كاملة نقدًا، فيجوز ذلك. فالضابط: أن يُعطى الأجرة من مال المضحي الخاص، ثم بعد ذلك، إن شاء أن يعطيه كهدية أو صدقة، فله ذلك. ولا يجوز أن تُحسب الهدية أو الصدقة من أصل الأجرة.

⚫ العنصر التاسع: مراعاة صلة الرحم والتغاضي عن الخلافات عند توزيع الأضحية.

مما قد يغفل عنه الكثيرون في زحمة توزيع اللحم والحرص على تثليث الأضحية، مقصد أسمى وروح أعظم، ألا وهو إصلاح ذات البين وجمع الشمل. فقد تقع بعض الهفوات العائلية أثناء التقسيم؛ أم توزع على زوجة ابنها بالتساوي مع أخرى، أو يُعطى شخص ما دون آخر، فتحتد النفوس وتشتعل الخلافات.

وهنا يجب أن نذكر بحديث عظيم يجعلنا نراجع موازيننا.

ففي حادثة وقعت فيها مشكلة في التوزيع، جاء التوجيه النبوي ليكون دستورًا لنا:

جاء في فتوى لمركز الفتوى بإسلام ويب، حين سُئلت امرأة عن خلاف وقع مع حماتها في تقسيم الأضحية:

“أما بخصوص ما حدث من توزيع أم زوجك لها بهذه الكيفية المذكورة فنرى أن تغضي الطرف عن هذا، فإن الأمر قد مضى وانتهى ويريد الشيطان أن يتخذ هذه الحادثة سبيلا للتحريش وإفساد ذات بينكم فكوني على حذر من كيد عدوك… واعلمي أن صلاح ذات البين من أعظم القربات وأجل الأعمال الصالحات التي يتقرب بها إلى الله جل وعلا، بل هي أفضل من الأضحية نفسها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا بلى، قال صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين. رواه الترمذي، وصححه الألباني”.

<إسلام ويب، مركز الفتوى، تقسيم الأضحية وحكم التصدق منها>

فتأمل! الأضحية سنة عظيمة، لكن إصلاح ذات البين أوجب وأعظم، حتى إن النبي ﷺ جعله أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة! فكم من شخص تشدد في كيفية توزيع لحم أضحيته، فقطّع أرحامه، وأغضب والديه، وكسر خواطر إخوته؟! هذا لم يفقه فقه الأولويات.

إن الشيطان قد يدخل من باب الطاعة ليفسد ما هو أعظم منها. فمراعاة صلة الرحم، والتغاضي عن الهفوات في التوزيع، والتسامح في مثل هذه المواقف، هو الفقه كله. أعطِ وتغافل، واجعل شعيرة الأضحية سببًا في وصل القلوب لا قطعها.

⚫ العنصر العاشر: خلاصة أحكام التقسيم وتحقيق مقصد التقوى.

وبعد هذا السياق المنهجي، نصل إلى خاتمة هذا البحث التي تجمع شتات ما تفرق.

– إن الطريقة الشرعية في تقسيم الأضحية تُظهِر مرونة الفقه الإسلامي وعمقه.

فالجمهور من الحنفية والحنابلة يستحبون التثليث: ثلث للأكل، وثلث للهدية، وثلث للصدقة. والمالكية يرون الندب المطلق دون تقيد بنسبة، تاركين التقدير لحاجة المضحي ومن حوله. والشافعية –وهو الراجح في المسألة– يرون وجوب إخراج أقل ما يقع عليه اسم اللحم للفقراء، وأن الإمساك بكل الأضحية يوجب الضمان.

وهكذا نرى أن القول بجواز حبس الأضحية كلها وأكلها مع أهل البيت وعدم إعطاء الفقير شيئًا مطلقًا، هو قول مرجوح عند عامة الفقهاء، بل هو شاذ مرفوض، يضرب بمقاصد الشريعة في التكافل عرض الحائط.

إن الأضحية ليست وليمة شخصية، بل هي شعيرة اجتماعية الغاية منها إدخال السرور على البيوت كلها، غنيها وفقيرها.

فلا يليق بمسلم عرف حكمة التشريع وغاية العبادة أن يفرح بلحم أضحيته وقد أغلق بابه دون جاره المحتاج وفقير حيِّه. لقد قال الله تعالى في ختام آيات الشعيرة: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقْوَىٰ مِنكُمْۚ﴾ [الحج: ٣٧]. فالتقوى هي الغاية، والتقوى تتحقق بامتثال الأمر، وإيثار الفقير، وشكر المنعم، وشهود القلب في هذه القربة العظيمة.

فكلوا واطعموا وتصدقوا، وأدخلوا السرور على الفقراء، تكونوا بذلك من المتقين، وتكون أضحيتكم مقبولة بإذن الله، نافعة لكم في الدنيا، ذخرًا لكم في الأخرى. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.