رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن قصة رمي الجمرات

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن قصة رمي الجمرات

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

قصة رمي الجمرات، تلك الشعيرة التي يظن كثير من الناس أنها مجرد رميٍ لحصيات في مواضع محددة، وغفلوا عن كونها إعادة تمثيل رمزي لأعظم مشهد من مشاهد التوحيد في تاريخ البشرية، مشهدٍ واجه فيه أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام عداوة الشيطان في أقدس لحظات الامتثال، حين أمره الله بذبح ولده وفلذة كبده إسماعيل عليه السلام.

وقد جاءت شريعتنا الغراء لتربط حاضر الأمة بماضيها النبوي المجيد، فجعلت رمي الجمرات تذكرةً سنويةً متجددة، تستحضر فيها الأمة ذلك الموقف العظيم، وتعلن فيه مراغمة الشيطان وتكذيبه، وتجديد العهد على طاعة الرحمن.

وهذا هو بيت القصيد من هذه المحاضرة:

أن نكشف الغطاء عن الأصول التاريخية العميقة لهذه الشعيرة، وأن نستبطن معانيها الإيمانية والتربوية، مستندين في ذلك إلى ما ثبت في كتاب الله، وصحت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما حرره علماء الأمة الأثبات، بأسلوب علمي يجمع بين دقة النقل، وجلال الاستنباط، وعمق الوعظ، ولطائف الأدب.

ياتي حديثي في المباحث التالية .

⚫ المبحث الأول: تأصيل قصة رمي الجمرات وبيان مصدرها النبوي الشريف

– إن المتأمل في شعائر الإسلام يجدها لا تخلو من حِكَم بالغة، وأسرار دفينة، وصلات وثيقة بتراث النبوة. ومن أعجب ذلك ارتباط كثير من مناسك الحج بقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام، قال الله تعالى مخاطبًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم وأمته: ﴿ثُمَّ أَوۡحَيۡنَاۤ إِلَیۡكَ أَنِ ٱتَّبِعۡ مِلَّةَ إِبۡرَ ٰهِیمَ حَنِیفࣰاۖ وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ﴾ [النحل: ١٢٣]. فاتباع ملة إبراهيم ليس قولًا باللسان فحسب، بل هو اتباع في العقيدة والعبادة والشعائر.

وإن المصدَر الأصيل الذي نستقي منه قصة رمي الجمرات هو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بواسطة ترجمان القرآن وحبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، حيث روى لنا الإمام أحمد في مسنده بسنده المرفوع حكاية هذه القصة العظيمة. وهذا الحديث هو العمدة في هذا الباب، وفيه من الفوائد والعبر ما تقصر عن إحصائه العبارات، وتضيق عن استيعابه المجلدات.

● عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ: …: وَيَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ؟ قَالَ: صَدَقُوا، إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا أمِرَ بِالْمَنَاسِكِ، عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى فَسَابَقَهُ، فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ شَيْطَانٌ – قَالَ يُونُسُ: الشَّيْطَانُ – فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، قَالَ: قَدْ تَلَّلهُ لِلجَبِينِ – قَالَ يُونُسُ: وَثَمَّ تَلَّهُ لِلجَبِينِ – وَعَلَى إِسْمَاعِيلَ قَمِيصٌ أَبْيَضُ، وَقَالَ: يَا أَبَتِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي ثَوْبٌ تُكَفِّنُنِي فِيهِ غَيْرُهُ، فَاخْلَعْهُ حَتَّى تُكَفِّنَنِي فِيهِ، فَعَالَجَهُ لِيَخْلَعَهُ، فَنُودِيَ مِنْ خَلْهِ: ﴿أَن یَٰۤإِبۡرَ ٰهِیمُ * ‌قَدۡ ‌صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤۚ﴾ [الصافات: ١٠٤ – ١٠٥] فَالْتَفَتَ إِبْرَاهِيمُ، فَإِذَا هُوَ بِكَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَتْبَعُ ذَلِكَ الضَّرْبَ مِنَ الكِبَاشِ، قَالَ: ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى الْجَمْرَةِ الْقُصْوَى، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ حَتَّى ذَهَبَ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى مِنًى قَالَ: هَذَا مِنًى… <مسند الإمام أحمد: ٢٧٠٧>.

● شرح غريب الحديث وبيان معانيه:

– هذا الحديث جوهرة من جواهر السنة، وهو يحتاج منا إلى وقفة متأنية لنستجلي دقائقه ومراميه. فقوله: (عَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَسْعَى فَسَابَقَهُ، فَسَبَقَهُ إِبْرَاهِيمُ) فيه إشارة إلى أن أول مواجهة بين إبراهيم والشيطان كانت عند المسعى، وهو الموضع الذي سعت فيه هاجر عليها السلام طلبًا للماء، وسبق إبراهيمُ الشيطانَ، (أي غلبه في المسابقة)، دلالة على أن همة الخليل كانت أعلى من كيد العدو. وهذا يبين لنا أن أصل السعي بين الصفا والمروة مرتبط أيضًا بهذه القصة العظيمة، وهو ما سنشير إليه لاحقًا.

وقوله: (ثُمَّ ذَهَبَ بِهِ جِبْرِيلُ إِلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ) هي الجمرة الكبرى التي ترمى يوم النحر. وقوله: (فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) فيه دلالة واضحة على أن العدد توقيفي مأخوذ من فعل إبراهيم عليه السلام بتعليم جبريل عليه السلام.

وقوله: (قَدْ تَلَّلهُ لِلجَبِينِ) أي: صرعه على جانب جبينه، والجبين هو جانب الجبهة. وقد اختلفت الرواية في اللفظ: (تَلَّلهُ) و(ثَمَّ تَلَّهُ)، ومعنى (تله) أي ألقاه على الجبين، وهو استعداد للذبح، وفي هذا بيان أن محاولة الذبح وقعت عند الجمرة الوسطى، حيث تكرر عرض الشيطان، وحيث ألقى إبراهيم ولده على جبينه امتثالًا للأمر.

وقوله: (فَنُودِيَ مِنْ خَلْهِ) أي: نودي من خلفه، وفيه أن النداء أتاه من جهة لم يحتسبها، وهو قول الله تعالى: ﴿أَن یَٰۤإِبۡرَ ٰهِیمُ * ‌قَدۡ ‌صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤۚ﴾.

وقوله: (بِكَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ) فالأقرن: ذو القرون، والأعين: واسع العينين، وقول ابن عباس: (لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَتْبَعُ ذَلِكَ الضَّرْبَ مِنَ الكِبَاشِ) أي: ذلك النوع من الكباش، وهو دليل على مشروعية استحباب الأضحية بالكباش البيض العين الحسان اقتداءً بتلك القصة.

⚫ المبحث الثاني: تخريج القصة على مقتضى السياق القرآني وربطها بآيات الذبح والفداء .

– إن من دقة هذا الحديث أنه لم يأتِ منفصلًا عن سياق القرآن، بل هو في حقيقته شرح وتفسير للآيات القرآنية التي حكت قصة الذبح والفداء. وهذا من أوجه إعجاز السنة النبوية، حيث تتكامل مع القرآن الكريم كالشمس مع القمر، يضيء أحدهما ويكمل الآخر. قال الله تعالى حاكيًا قصة إبراهيم عليه السلام:

﴿وَقَالَ إِنِّی ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّی سَیَهۡدِینِ * رَبِّ هَبۡ لِی مِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ * فَبَشَّرۡنَـٰهُ بِغُلَـٰمٍ حَلِیمࣲ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡیَ قَالَ یَـٰبُنَیَّ إِنِّیۤ أَرَىٰ فِی ٱلۡمَنَامِ أَنِّیۤ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰۚ قَالَ یَـٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِینَ * فَلَمَّاۤ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِینِ * وَنَـٰدَیۡنَـٰهُ أَن یَـٰۤإِبۡرَ ٰهِیمُ * قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤۚ إِنَّا كَذَ ٰلِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُحۡسِنِینَ * إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلۡبَلَـٰۤؤُا۟ ٱلۡمُبِینُ * وَفَدَیۡنَـٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِیمࣲ * وَتَرَكۡنَا عَلَیۡهِ فِی ٱلۡـَٔاخِرِینَ * سَلَـٰمٌ عَلَىٰۤ إِبۡرَ ٰهِیمَ * كَذَ ٰلِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُحۡسِنِینَ * إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [الصافات: ٩٩ – ١١١].

● تطابق الحديث والقرآن في تفاصيل القصة:

– تأمل أيها المستمع الكريم كيف يتطابق القرآن الكريم مع الحديث الشريف في تحديد موضع الذبح وزمانه وكيفيته.

فالقرآن يذكر أن الذبح كان بعد بلوغ الغلام مبلغ السعي مع أبيه، وهذا يشير إلى كونه شابًا يافعًا لا طفلًا صغيرًا. والحديث يبين لنا تفصيلًا جديدًا لم يذكره القرآن، وهو أن جبريل عليه السلام هو الذي كان يذهب بإبراهيم من مشعر إلى مشعر، وأن إبليس كان يترصد له في هذه المواضع ليثنيه عن عزمه.

وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّاۤ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِینِ﴾ جاء في الحديث مطابقًا له غاية المطابقة، ففي الحديث: (قَدْ تَلَّلهُ لِلجَبِينِ)، وهذا من دلائل صدق النبي صلى الله عليه وسلم، حيث يخبر بأمر غيبي وقع قبل آلاف السنين، ويأتي مطابقًا لما في الكتب السابقة وما أنزل الله في القرآن، وما كان ليتسنى له ذلك لولا أن الوحي يأتيه من السماء.

وقوله تعالى: ﴿وَفَدَیۡنَـٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِیمࣲ﴾ تجلى في الحديث بوصف ذلك الذبح بأنه (كَبْشٍ أَبْيَضَ أَقْرَنَ أَعْيَنَ)، وهو الذبح العظيم الذي جعله الله فداءً لإسماعيل عليه السلام، وبقيت هذه السنة في الأضاحي تذكرةً لهذا الموقف العظيم إلى يوم الدين.

● منزلة القصة في تحقيق معنى التوحيد والامتثال:

– هذه القصة ليست قصة تاريخية فحسب، بل هي قصة التوحيد العملي المتجسد في أسمى صوره.

فإبراهيم عليه السلام تلقى الأمر بذبح ولده، وهو الولد الذي جاءه بعد طول انتظار ودعاء متضرع: ﴿رَبِّ هَبۡ لِی مِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ﴾، فلما وهبه الله إياه، وأصبح قرّة عين له، وبلغ معه السعي، جاءه الأمر الإلهي بذبحه! إن هذا لهو البلاء المبين حقًا. ولكنه عندما أُمِر امتثل دون تردد، وعندما أخبر ولده، كان الرد عجيبًا: ﴿یَـٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾، فهذا هو محض التوحيد، أن يُقدّم العبد مراد ربه على مراده، وأن يكون هواه تبعًا لما جاء به الوحي.

وفي هذا السياق يأتي دور الشيطان، الذي يحاول بكل حيله أن يفسد هذا المشهد الإيماني المهيب، فيأتي لإبراهيم في تلك المواطن الحرجة ليثنيه عن عزمه، وهنا يتجسد مفهوم “مراغمة الشيطان” في أبهى صوره، برجمه بالحجارة وإبعاده، تأكيدًا على أن لا مجال لكيده في قلب امتلأ توحيدًا ويقينًا.

⚫ المبحث الثالث: تعليم جبريل عليه السلام لإبراهيم عليه السلام كيفية الرمي وأثر ذلك في تشريع المناسك

إن العقل ليقف متأملًا متعجبًا كيف انتقلت هذه الشعائر من جيل إلى جيل، ومن نبي إلى نبي، حتى بلغت نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم فأداها، ثم علمها لأمته من بعده. ولكن الحديث الآخر الذي أورده الإمام العلامة ابن الجوزي رحمه الله يكشف لنا عن التفاصيل الدقيقة لتعليم جبريل عليه السلام لإبراهيم عليه السلام.

● نص الأثر عن ابن الجوزي في كيفية التعليم:

– قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الْبَيْتِ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأَرَاهُ الطَّوَافَ، ثُمَّ أَتَى بِهِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ، وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعًا، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ، حَتَّى غَابَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْوُسْطَى، فَعَرَضَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ، فَأَخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَأَعْطَى إِبْرَاهِيمَ سَبْعًا، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ وَكَبِّرْ، فَرَمَيَا وَكَبَّرَا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ، ثُمَّ غَابَ الشَّيْطَانُ، ثُمَّ أَتَى بِهِ الْجَمْرَةَ الْقُصْوَى فَفَعَلا كَذَلِكَ. هَذَا هُوَ الأَصْلُ فِي شُرُوعِ الرَّمْيِ، كَالأَصْلِ فِي شُرُوعِ السَّعْيِ، سَعِيِ هَاجَرَ، بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. <مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن، ابن الجوزي، ص٢٠٩>.

● استنباط الأحكام الفقهية من قصة الرمي الأولى:

في هذا النقل الثمين عن الإمام ابن الجوزي رحمه الله فوائد فقهية جليلة، نلخصها في النقاط التالية:

• الأولى: مشروعية الرمي بسبع حصيات. وهذا أصل ثابت، دل عليه فعل جبريل وإبراهيم عليهما السلام معًا، ثم أقره النبي صلى الله عليه وسلم بفعله، حيث رمى بسبع حصيات في حجة الوداع، وقال: «لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ».

والسبع هو العدد المطلوب، وأي زيادة أو نقصان فيه لا يجزئ عند جماهير الفقهاء، لأن الأصل في العبادات التوقيف.

• الثانية: اقتران التكبير مع كل رمية.

وهذا من السنن الثابتة التي يفعلها الحجيج إلى اليوم، فيكبرون مع كل حصاة، ولا يشرع غير التكبير من التسبيح والتهليل في هذا الموضع على الصحيح من أقوال أهل العلم، اتباعًا لقول جبريل: «ارْمِ وَكَبِّرْ». والتكبير هنا في غاية المناسبة للمقام؛ فالله أكبر من كل شيء، أكبر من الشيطان وكيده، وأكبر من وساوسه وإغوائه، وأكبر من أن يعصى في هذه البقاع الطاهرة.

• الثالثة: الترتيب بين الجمرات.

فقد بدأ جبريل بجمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم القصوى، وهذا هو الترتيب المشروع في أيام التشريق: ترمى الصغرى (الدنيا) وهي القصوى في الحديث (أي الأبعد عن مكة)، ثم الوسطى، ثم الكبرى (العقبة). ولكن في يوم النحر تختص جمرة العقبة بالرمي. (ومعرفة هذه الدقائق في الاصطلاحات مما يزيل الإشكال عن المسميات).

• الرابعة: تعظيم شأن الرمي وكونه عبادة ذات أصل نبوي قديم. يقول ابن الجوزي رحمه الله: «هَذَا هُوَ الأَصْلُ فِي شُرُوعِ الرَّمْيِ، كَالأَصْلِ فِي شُرُوعِ السَّعْيِ»، يعني كما أن السعي أصله سعي هاجر، فإن الرمي أصله رمي إبراهيم.

ولا يقال إن هذا الفعل من شرع من قبلنا، فشرع من قبلنا إذا ورد في شرعنا ما يؤكده فهو شرع لنا، وقد فعله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأمر به، فكان واجبًا بالإجماع.

⚫ المبحث الرابع: الحِكَم والأسرار التربوية والإيمانية في شعيرة رمي الجمرات

– بعد أن بينّا الأصول التاريخية والفقهية لشعيرة الرمي، ننتقل إلى الغوص في بحار الحكم والأسرار، فإن للعبادات في الإسلام ظاهرًا وباطنًا، وصورةً وروحًا. فرمي الجمرات ليس مجرد فعل جسدي آلي، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة، نتعلم منها دروسًا عظيمة:

● أولًا: إعلان العداوة الدائمة للشيطان

– إن الشيطان عدو للإنسان منذ القدم، وقد أخرج أبوينا من الجنة، وأقسم على إغوائنا: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغۡوِیَنَّهُمۡ أَجۡمَعِینَ﴾ [صۤ: ٨٢].

وإن رمي الجمرات هو تجديد عملي لهذه العداوة، وإعلان صريح بأن المؤمن لا يمكن أن يسالم الشيطان أو يصالحه.

ففي كل مرة يرمي فيها الحاج حصاة، فإنه يقول بلسان حاله: «هذه حرب لا هوادة فيها، وهذه عداوة لا تنتهي إلا بدخول الجنة». إنه إعلان عن رفض كل ما يأتي به الشيطان من وساوس وشبهات وشهوات، واستعاذة بالله من شره وكيده.

تأمل كيف أن الله تعالى جعل الحاج يكرر هذا المشهد كل عام، ليبقى هذا المعنى حيًا في قلبه، فلا يغفل عنه ولا ينساه. فالحاج عندما يعود إلى بلده، يعود وقد جدد العهد مع ربه على محاربة الشيطان والبراءة منه.

● ثانيًا: الاقتداء العملي بإمام الموحدين إبراهيم عليه السلام

– الأصل في العبادات أنها توقيفية، بمعنى أننا نتعبد الله بها كما أمر، سواء علمنا الحكمة أم لم نعلمها. ولكن الله بحكمته جعل في هذه العبادة معنى زائدًا، وهو ربط الأمة بنبيها إبراهيم عليه السلام، الذي قال الله عنه: ﴿إِنَّ إِبۡرَ ٰهِیمَ كَانَ أُمَّةࣰ قَانِتࣰا لِّلَّهِ حَنِیفࣰا وَلَمۡ یَكُ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ﴾ [النحل: ١٢٠]. فحين يرمي الحاج الجمار، فإنه يتذكر مقام إبراهيم، ويستحضر إيمانه ويقينه، ويسأل الله أن يرزقه من ذلك الإيمان نصيبًا.

وليس هذا فحسب، بل هو اتباع لمحمد صلى الله عليه وسلم الذي اتبع إبراهيم عليه السلام، فالمؤمن يقتدي بنبيه في اتباعه لإبراهيم، وفي هذا شرف عظيم، أن يكون المرء في صف الموحدين عبر التاريخ، يقتفي آثارهم، ويحيي ذكراهم، ويتأسى بهديهم.

● ثالثًا: دروس في التضحية والفداء والصبر

قصة الذبح التي هي أصل الرمي مليئة بدروس التضحية. فلقد ضحى إبراهيم عليه السلام بأغلى ما يملك، وهو ولده، عندما أمره الله بذلك.

وضحى إسماعيل عليه السلام بنفسه عندما سمع رؤيا أبيه، فقال: ﴿یَـٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُۖ﴾. وهكذا المؤمن يتعلم أن طاعة الله قد تكلفه تضحيات، وقد تقتضي منه بذل المحبوبات، ولكنه متى استحضر عظمة الآمر سبحانه، هانت عليه كل التضحيات.

ثم إن الله تعالى لما رأى صدقهما في التضحية، فداهما بذبح عظيم: ﴿وَفَدَیۡنَـٰهُ بِذِبۡحٍ عَظِیمࣲ﴾، وهذه سنة الله في عباده: ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرًا * إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ یُسۡرࣰا﴾ [الشرح: ٥ – ٦].

فمن ترك شيئًا لله، عوضه الله خيرًا منه. ومن صبر على البلاء، جاءه الفرج من حيث لا يحتسب.

هذا المعنى ينبغي أن يستصحبه الحاج وهو يرمي الجمار، ليكون الرمي تذكرة لنفسه بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

● رابعًا: وحدة الأمة واستمرارية الدين عبر العصور

– إن كون جميع الحجيج يقفون في مكان واحد، ويرمون في زمان واحد، وفعل واحد، إنما هو تجسيد لوحدة الأمة الإسلامية، التي تتجاوز حدود الزمان والمكان واللغة واللون، لتجتمع على معنى التوحيد الخالص. وفعلهم هذا يربطهم بإبراهيم وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، وكأنهم يقولون بلسان حالهم: ﴿رَبَّنَاۤ ءَامَنَّا بِمَاۤ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ﴾ [آل عمران: ٥٣]. هذه الوحدة هي سر قوة الأمة، وهي سر بقاء هذا الدين غضًا طريًا في القلوب مهما مرت العصور.

⚫ المبحث الخامس: مسائل فقهية وأصولية متعلقة برمي الجمرات

– من تمام الفائدة أن نعرج على بعض المسائل الفقهية والأصولية التي تثيرها هذه القصة، فهي جسر يصل الماضي بالحاضر، ويجعل الحاج يؤدي عبادته على بصيرة من أمره، عالمًا بفقهها، مستبصرًا بأسرارها.

● المسألة الأولى: هل الرمي واجب أم ركن؟

– ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن رمي الجمار واجب، وليس ركنًا، وأنه إذا تركه الحاج فعليه دم.

وخالف بعض المالكية فقالوا هو ركن من أركان الحج، لا يتم إلا به.

وسبب الخلاف راجع إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبين صراحة حكم من ترك الرمي، بخلاف الوقوف بعرفة مثلًا حيث قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ». لكن الجمهور استدلوا بأنه من المناسك التي تؤدى في أيام محددة، ويمكن تداركها بالدم، وأما الأركان فلا تجبر إلا بالأداء. وهذا البحث الفقهي يعلمنا أدب الخلاف، حيث أن كلًا من الفريقين ينظر من زاوية ويستدل بما يراه، والمقصود هو إصابة الحق بحسب الوسع والاجتهاد.

● المسألة الثانية: حكمة تخصيص الحصى بعدد السبع

– تساءل بعض العلماء عن سر العدد سبع في الرمي، وفي الطواف، وفي السعي بين الصفا والمروة.

وقد ذكر العلماء وجوهًا من الحكمة، منها:

– أن الله تعالى خلق السماوات سبعًا، والأرضين سبعًا، وعدد أيام الأسبوع سبعة. وفي التكرار بهذا العدد إشارة إلى الكمال والتمام، فكانت العبادات التي تتكرر على هذا العدد مشيرة إلى تمام الانقياد لله رب العالمين.

وقيل: إن فيه إشارة إلى أن الشيطان يحاول إغواء الإنسان في كل وقت، من جميع الجهات، كما أن السماوات سبع تحيط بالأرض.

فرميه بهذا العدد إعلان بأن العبد محيط بعدوه من كل جهة، باذل وسعه في دحره وطرده.

وقيل: إن الأصل هو اتباع فعل إبراهيم دون تعليل، وهذا هو الأقرب، فالأصل في العبادات التعبد، وقد نلتمس الحكمة فنصيب وقد نخطئ، ولكن العبادة صحيحة على كل حال.

● المسألة الثالثة: وقت الرمي وعلاقته بحال إبراهيم عليه السلام

يبدأ رمي جمرة العقبة يوم النحر بعد طلوع الشمس، ويمتد إلى الليل عند بعض الفقهاء.

وأما أيام التشريق فيرمي الحاج الجمار الثلاث بعد الزوال (أي بعد الظهر). وقد استنبط العلماء أن وقت الزوال هو الوقت الذي بدأ فيه إبراهيم عليه السلام المسير إلى الجمرات، لأن الترويحة والغداة كان يشتغل فيهما بالدعاء والمناجاة.

فكان وقت الضحى وما بعد الزوال هو وقت المواجهة مع الشيطان، وفيه شرع الرمي.

وهذا الربط البديع بين الوقت والحال يعطي للعبادة بُعدًا تاريخيًا وشعوريًا، فيستحضر الحاج أنه يعيش اللحظات نفسها التي عاشها أبوه إبراهيم عليه السلام.

⚫ المبحث السادس: الخاتمة والعبرة الجامعة

وبعد، فإننا بعد هذا التطواف في رحاب هذه القصة الإيمانية العظيمة، نجد أنفسنا أمام حقيقة ناصعة: وهي أن شعائر الإسلام ليست طقوسًا جامدة، ولا حركات ميكانيكية لا روح فيها، بل هي عبرٌ حية، وقصص خالدة، ومعانٍ متجددة. فرمي الجمرات هو فصل من كتاب التوحيد، كتبه الله لإبراهيم، وجعله سنة في عقبه إلى يوم الدين. وهو إعلان حرب على الشيطان، وإعلان وفاء للرحمن، وتجسيد لمعاني الصبر واليقين والتضحية.

لقد وقف إبراهيم عليه السلام في هذه المواطن فكان إمامًا للموحدين، ورجم الشيطان فكان قدوة للمؤمنين. ونحن حين نرمي الجمار، فإننا نعلن أننا من حزب إبراهيم، وعلى ملته، سالكين سبيله: ﴿وَمَن یَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَ ٰهِیمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ وَلَقَدِ ٱصۡطَفَیۡنَـٰهُ فِی ٱلدُّنۡیَاۖ وَإِنَّهُۥ فِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ﴾ [البقرة: ١٣٠].

فما أجدر بالحاج أن يستحضر هذه المعاني وهو يلبي ويرمي، فيكون رميه عن قلب حاضر، ونية خالصة، ويقين صادق، واستحضار لتلك المواقف العظيمة التي جرت في تلك البقاع قبل آلاف السنين، فتتحول عبادته من صورة جسدية إلى حقيقة روحانية، تزكي النفس، وتقرب إلى الله، وتحقق المقصود الأسمى من الحج: ﴿لِّیَشۡهَدُوا۟ مَنَـٰفِعَ لَهُمۡ وَیَذۡكُرُوا۟ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِیۤ أَیَّامࣲ مَّعۡلُومَـٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِیمَةِ ٱلۡأَنۡعَـٰمِۖ﴾ [الحج: ٢٨].

▪️وبعد هذا المطاف العلمي في رحاب قصة رمي الجمرات، نقف على عتبة الختام لنستجمع شتات الفوائد، ونربط أواخر البحث بأوائله، ونصوغ خلاصة ما تقدم في كلمات جامعة تكون زادًا للسامع ومعينًا للقارئ.

لقد تبيَّن لنا بعون الله وتوفيقه أن شعيرة رمي الجمار ليست وليدة الإسلام وحده، بل هي امتدادٌ لملَّة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام، الذي وقف في تلك البقاع المقدسة، يواجه عدوَّ الله الشيطان، في الوقت الذي كان فيه يمتثل أمر ربه بذبح ولده وفلذة كبده، فرجمه بالحصيات حتى أذن الله له بالذبح ثم فداه بذبح عظيم. وتجلى لنا كيف أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم بإحياء هذه الشعيرة، لتظل الأمة على صلة وثيقة بنبيها إبراهيم، وتظل قصة التوحيد والامتثال والتضحية حية في ضميرها، تنتقل من جيل إلى جيل، لا يمحوها مرور الزمان ولا تقادم العهد.

ولقد وقفنا مع النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة وقوف المستبصر، فقرأنا قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّاۤ أَسۡلَمَا وَتَلَّهُۥ لِلۡجَبِینِ * وَنَـٰدَیۡنَـٰهُ أَن یَـٰۤإِبۡرَ ٰهِیمُ * قَدۡ صَدَّقۡتَ ٱلرُّءۡیَاۤۚ إِنَّا كَذَ ٰلِكَ نَجۡزِی ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [الصافات: ١٠٣ – ١٠٥]، وسمعنا من حديث ابن عباس رضي الله عنهما بيان المواطن التي عرض فيها الشيطان لإبراهيم، وكيف رماه بسبع حصيات في كل موطن، وأدركنا بجلاء أن جبريل عليه السلام كان المعلِّم الأول لإبراهيم في هذه المناسك، إذ قال له: «ارْمِ وَكَبِّرْ»، ليكون التكبير دثار الرمي، والتوحيد روح هذه العبادة، والإعلان بأن الله أكبر من كل شيطان ومن كل هوى ومن كل معبود سواه.

وفي ختام هذا البحث، نؤكد على جملة من المعاني التي ينبغي أن تستقر في قلب كل مؤمن:

• أن رمي الجمرات مدرسة إيمانية متكاملة، تعلِّم المسلم أن طريق الامتثال لأمر الله محفوف بالمكاره، وأن الشيطان يترصد للمؤمن في أحرج لحظات العبادة، ولكن الله يعصمه ويثبته.

• أن هذه الشعيرة تجديد عهد مع الله على البراءة من الشيطان وأوليائه، وتأكيد على أن الحرب بين المؤمن وعدوه حرب أبدية لا تنتهي إلا بانتهاء أجل الحياة الدنيا.

• أن الأمة الإسلامية أمة واحدة، ترتبط برباط العقيدة وتاريخ الأنبياء، تجمعها شعائر موحدة، وتربطها قصة واحدة، فيا لها من وحدة تتجاوز الأقطار والأمصار والأعصار.

• أن التضحية هي عماد الدين، وأن العبد إذا ضحى بشيء من محبوباته في سبيل الله، فإن الله يعوضه خيرًا مما ترك، كما عوَّض إبراهيم بذبح عظيم، وفداء من عنده.

• أن الإخلاص لله والتسليم لأمره هو سر القبول، فلما أسلما وتله للجبين، جاء النداء بالبشارة والفداء، وفي هذا دعوة لكل مؤمن أن يستسلم لأمر الله، ويوقن بأن العاقبة للمتقين.

فالحمد لله الذي أكرمنا بهذا الدين القويم، وجعلنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وشرع لنا من المناسك ما يربطنا بإبراهيم خليله، وجعل في أداء هذه الشعائر تكفيرًا للذنوب، ورفعة للدرجات، وزيادة في اليقين. وما أحوجنا ونحن نرمي الجمار أن نستحضر أنها رمي للشيطان في الخارج، ورمي للشيطان الذي في قلوبنا من وساوس وشهوات وشبهات، فنطهر قلوبنا كما نطهر أبداننا، ونقبل على الله بقلب سليم.

⚫🤲 الدعاء 🤲

اللهم يا من جعلت البيت مثابة للناس وأمنًا، وشرعت المناسك تعظيمًا لذكرك وإحياء لملة خليلك، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلا، وبحق هذا البيت العتيق، وهذه المشاعر العظام، أن تتقبل منا ومن جميع حجاج بيتك الحرام، وأن تجعل حجهم مبرورًا وسعيهم مشكورًا وذنبهم مغفورًا.

اللهم كما علَّمت إبراهيم المناسك وأرشدته، علِّمنا مناسك ديننا وارزقنا الفقه في عباداتنا، والبصيرة في طاعاتنا، وأدِم علينا نعمة الهداية والاستقامة.

اللهم كما رجم إبراهيم عليه السلام الشيطان في تلك المواطن، فارزقنا قوة اليقين وثبات الموقف، واجعلنا ممن يرجمون الشيطان بالتوحيد والإيمان كلما عرض لهم في صلاة أو صيام أو حج أو أي طاعة، ونجنا من كيده ومكره ووسوسته، إنك أنت القوي العزيز.

اللهم يا فادي إسماعيل بذبح عظيم، فُكَّ رقابنا من النار، واعتقنا من كل سوء، وارزقنا الفداء من كل بلاء وفتنة، واكتب لنا الخير حيث كان، وارضنا به يا رب العالمين.

اللهم اجعلنا من المقتدين بإبراهيم في إسلامه لله، وفي تسليمه لأمرك، وفي تضحيته بكل غالٍ في سبيل مرضاتك، ولا تجعلنا ممن يرغب عن ملة إبراهيم سفاهة وجهالة، واجمعنا به في دار كرامتك، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

اللهم ارزقنا تكبيرة صادقة مع كل حصاة نرمي بها، تكبيرة تملأ القلب إجلالًا وتعظيمًا لك، وتُذل بها الشيطان وتُبعده عنا، وتُقرِّبنا إليك زلفى.

اللهم اجعل تكبيرنا في الحج وفي سائر أعمالنا عنوان توحيدنا، وشعار إخلاصنا، ودليل محبتنا لك.

اللهم وحد صفوف المسلمين كما توحدت صفوفهم في هذه المشاعر، وألِّف بين قلوبهم، وأزل ما فيها من بغضاء وشحناء، واجعلهم أمة واحدة على الحق، مقتفين آثار الأنبياء، متبعين سنة سيد المرسلين.

اللهم بلِّغنا حج بيتك الحرام، وزيارة مسجد نبيك عليه الصلاة والسلام، وارزقنا شهود تلك المواطن التي شهدها خليلك إبراهيم، واجعل لنا فيها من الخشوع والخضوع والتوبة النصوح أوفر الحظ والنصيب.

اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، يوم يقوم الناس لرب العالمين.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار، برحمتك يا عزيز يا غفار.