
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن زكاة الزروع والثمار
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن الْحَدِيثَ عَنْ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ لَيْسَ مُجَرَّدَ سَرْدٍ لِأَحْكَامٍ فِقْهِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ، بَلْ هُوَ إِبْحَارٌ فِي أَسْمَى مَعَانِي الْعُبُودِيَّةِ وَالِامْتِنَانِ لِلْخَالِقِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنَ الْأَرْضِ الْمَيْتَةِ حَبًّا فَأَكَلْنَا مِنْهُ، وَجَعَلَ لَنَا فِي حَبَّاتِ الْقَمْحِ وَعَنَاقِيدِ الْعِنَبِ وَقِنْوَانِ النَّخِيلِ آيَاتٍ لِلسَّائِلِينَ.
إِنَّهَا الشَّعِيرَةُ الَّتِي تَرْبِطُ قَلْبَ الْفَلَّاحِ بِرَبِّهِ عِنْدَ أَوَّلِ قَطْرَةِ غَيْثٍ، وَتَرْبِطُ يَدَهُ بِيَدِ الْفَقِيرِ عِنْدَ أَوَّلِ يَوْمِ حَصَادٍ. وَفِي هَذِهِ السُّطُورِ، نَسْتَعْرِضُ أَحْكَامَ هَذَا الْحَقِّ الرَّبَّانِيِّ، لِنَعْلَمَ كَيْفَ تَتَحَوَّلُ الْمَحَاصِيلُ إِلَى بَرَكَاتٍ، وَكَيْفَ يَكُونُ الْعَطَاءُ سَبِيلًا لِلنَّمَاءِ.
● نِعْمَةُ الْأَرْضِ وَإِخْرَاجُ الزَّرْعِ.
إِنَّ نِعَمَ اللهِ عَلَيْنَا غَامِرَةٌ، وَرِزْقَهُ يُحِيطُ بِنَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ؛ فَقَدْ خَلَقَ لَنَا هَذِهِ الْأَرْضَ وَبَسَطَهَا لِتَكُونَ مُسْتَقَرًّا لَنَا وَمَهْدًا لِحَيَاتِنَا. جَعَلَهَا سُبْحَانَهُ أَرْضًا طَيِّبَةً، وَأَجْرَى فِي مَنَاكِبِهَا الْأَنْهَارَ وَالْعُيُونَ، لِتَكُونَ مَصْدَرًا لِلِارْتِوَاءِ وَالْحَيَاةِ.
ثُمَّ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا مِدْرَارًا، فَاهْتَزَّتِ الْأَرْضُ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ؛ فَخَرَجَتِ الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ، وَتَدَلَّتِ الْقُطُوفُ الدَّانِيَةُ بِأَصْنَافٍ وَأَلْوَانٍ لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى.
كُلُّ هَذَا الْجَمَالِ وَهَذَا الرِّزْقِ هُوَ مِنْ تَدْبِيرِ الْخَالِقِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَنْشَأَ الْجَنَّاتِ وَالنَّخِيلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ، وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ، لِيَكُونَ لَنَا فِيهَا مَتَاعٌ وَغِذَاءٌ.
فَمِنْ تَدْبِيرِهِ الْعَظِيمِ أَنْ أَخْرَجَ لَنَا الثِّمَارَ الْيَانِعَةَ، وَالْقُطُوفَ الدَّانِيَةَ، وَأَصْنَافًا مِنَ الْأَرْزَاقِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي لَا تُحْصَى.
وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَنَا فِي هَذَا الْعَطَاءِ مَتَاعاً وَغِذَاءً، وَأَمَرَنَا أَنْ نَتَمَتَّعَ بِهَذِهِ الْخَيْرَاتِ مَعَ شُكْرِهِ عَلَيْهَا، بِأَنْ نُؤَدِّيَ حَقَّ الْمَسَاكِينِ يَوْمَ الْحَصَادِ، وَنَبْتَعِدَ عَنِ الْإِسْرَافِ؛ حِفَاظاً عَلَى هَذِهِ النِّعَمِ الَّتِي سَخَّرَهَا اللهُ لِعِمَارَةِ الْأَرْضِ وَبَقَاءِ الرِّزْقِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّٰتٍ مَّعْرُوشَٰتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَٰتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَٰبِهٍۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِۦٓ إِذَآ أَثْمَرَ وَءَاتُوا حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦ وَلَا تُسْرِفُوٓاۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: 141].
وَقَوْلُهُ ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَكْلِيفٍ، بَلْ هُوَ مَنْهَجٌ رَبَّانِيٌّ يَغْسِلُ النُّفُوسَ مِنْ أَدْرَانِ الشُّحِّ، وَيُطَهِّرُ الْقُلُوبَ مِنْ دَنَسِ الْبُخْلِ. فَاجْعَلُوا مِنْ يَوْمِ حَصَادِكُمْ مَوْسِمًا لِلطَّاعَةِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مَوْعِدًا لِلْجَمْعِ، فَفِيهِ تُجْبَرُ الْخَوَاطِرُ، وَتُقْضَى الْحَوَائِجُ، وَبِهِ يَتَحَوَّلُ الْمُجْتَمَعُ إِلَى بُنْيَانٍ مَرْصُوصٍ، يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضاً فِي صُورَةٍ مِنَ التَّرَاحُمِ وَالتَّكَافُلِ الَّتِي يَرْضَاهَا اللهُ.
وَاعْلَمُوا.. أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ هِيَ أَمَانَةٌ وَمَسْؤُولِيَّةٌ، وَكُلَّ عَطَاءٍ سَتُسْأَلُونَ عَنْ حَقِّهِ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ حَصَادَهُ بَاباً لِلْبِرِّ، وَطَرِيقاً لِلْجَنَّةِ.
إِنَّ الْمُؤْمِنَ الصَّادِقَ إِذَا رَأَى ثِمَارَ جَهْدِهِ قَدْ أَيْنَعَتْ، لَمْ يَنْسَ فَضْلَ الْمُنْعِمِ، فَأَدَّى زَكَاةَ مَالِهِ، امْتِثَالاً لِقَوْلِ الْحَقِّ: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾.
إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ الَّتِي تُخْرِجُونَهَا هِيَ طَهَارَةٌ لَكُمْ، وَتَزْكِيَةٌ لِأَنْفُسِكُمْ، كَمَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. وَبِهَا يَتَحَقَّقُ هَدْيُ نَبِيِّكُمْ ﷺ الَّذِي قَالَ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ»، وَحَثَّكُمْ عَلَى الْبَذْلِ فَقَالَ: «مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ عَلَى مَنْ لَا زَادَ لَهُ».
فَيَا بَاغِيَ الْخَيْرِ.. أَقْبِلْ، وَأَدِّ حَقَّ اللهِ فِي مَالِكَ، وَارْحَمْ مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكَ مَنْ فِي السَّمَاءِ. تَذَكَّرُوا أَنَّ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ، فَاللهَ اللهَ فِي الزَّكَاةِ، وَاللهَ اللهَ فِي الصَّدَقَةِ، وَاشْكُرُوا الْمُنْعِمَ عَلَى مَا أَنْعَمَ، يَزِدْكُمْ مِنْ فَضْلِهِ الْعَظِيمِ.
وَقَالَ جَلَّ شَأْنُهُ: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَآءِ مَآءٗ مُّبَٰرَكٗا فَأَنۢبَتْنَا بِهِۦ جَنَّٰتٖ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ٩ وَالنَّخْلَ بَاسِقَٰتٖ لَّهَا طَلْعٞ نَّضِيدٞ ١٠ رِّزْقٗا لِّلْعِبَادِۖ﴾ [ق: 9-11].
وَهَذِهِ الزُّرُوعُ وَالثِّمَارُ الَّتِي أَغْدَقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْنَا، إِنَّمَا هِيَ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ لَنَا، وَقَدْ فَاضَلَ اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ بَيْنَ أَرْزَاقِهِ، وَجَعَلَ فِي ذَلِكَ آيَةً لِلْمُتَفَكِّرِينَ: ﴿يُسْقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٖ فِي الْأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوْمٖ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد: 4].
● أَهَمِّيَّةُ الشُّكْرِ للنعم
وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ أَنْ نَشْكُرَهُ عَلَى هَذِهِ النِّعْمَةِ، وَوَعَدَ الشَّاكِرِينَ بِالْمَزِيدِ؛ فَقَالَ: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ﴾ [إبراهيم: 7]. وَمِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ شُكْرِهِ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعْمَةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ: إِخْرَاجُ زَكَاتِهَا، فَلِلَّهِ فِيهَا عَلَى الْعِبَادِ حَقٌّ مَعْلُومٌ.
أَحْكَامُ زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ.
● حُكْمُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ:
• زَكَاةُ الزُّرُوعِ وَاجِبَةٌ:
بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ
، وَهِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِيهِ الْعِظَامِ، وَقَرِينَةُ الصَّلَاةِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا إِجْمَاعًا قَطْعِيًّا. فَمَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِهِ فَهُوَ كَافِرٌ خَارِجٌ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَمَنْ بَخِلَ بِهَا أَوِ انْتَقَصَ مِنْهَا شَيْئًا فَهُوَ مِنَ الظَّالِمِينَ الْمُتَعَرِّضِينَ لِلْعُقُوبَةِ وَالنَّكَالِ.
• أَمَّا الْكِتَابُ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ (267) الْبَقَرَةُ
· وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ (141) الْأَنْعَامُ.
وَالْأَمْرُ هُنَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ أَيْ: أَعْطُوا حَقَّ الزَّرْعِ، وَهُوَ الزَّكَاةُ ذَاتُ الْأَنْصِبَاءِ الْمُقَدَّرَةِ فِي الشَّرْعِ، أَمَرَهُمْ أَنْ يُعْطُوهَا يَوْمَ حَصَادِهَا، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَتَشَوَّفُ إِلَيْهِ نُفُوسُ الْفُقَرَاءِ، وَيَسْهُلُ حِينَئِذٍ إِخْرَاجُهُ عَلَى أَهْلِ الزَّرْعِ. < تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ (1/276)>
• وَأَمَّا السُّنَّةُ:
· عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» <رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (1447)، وَمُسْلِمٌ (979)>
• وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ:
فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ زَكَاةَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ وَاجِبَةٌ قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ. <الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ. ٤/ ١٥٤)>
● شُرُوطُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ
يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ شَرْطَانِ أَسَاسِيَّانِ:
• الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: بُلُوغُ النِّصَابِ.
فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ حَتَّى يَبْلُغَ الْخَارِجُ مِنَ الْأَرْضِ نِصَابًا، وَنِصَابُهَا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ» <رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (1447)، وَمُسْلِمٌ (979) >.
وَالْوَسْقُ الْوَاحِدُ سِتُّونَ صَاعًا، فَيَكُونُ النِّصَابُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ، أَيْ: ثَلَاثَمِائَةِ صَاعٍ.
وَالصَّاعُ الْوَاحِدُ يُعَادِلُ أَرْبَعَ حَفَنَاتٍ مَمْلُوءَاتٍ بِالْيَدَيْنِ الْمُعْتَدِلَتَيْنِ، وَتَقْدِيرُهُ بِالْوَزْنِ فِي الْحُبُوبِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ نَوْعِهَا، لَكِنْ قِيلَ إِنَّ الصَّاعَ النَّبَوِيَّ تَبْلُغُ زِنَتُهُ بِالْبُرِّ الْجَيِّدِ أَلْفَيْنِ وَأَرْبَعِينَ جِرَامًا، أَيْ: كِيلُوَيْنِ وَخَمْسَيْ عُشْرِ الْكِيلُو تَقْرِيبًا.
وَالْخَمْسَةُ أَوْسُقٍ (300 صَاعٍ) تُسَاوِي فِي زَمَانِنَا عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيبِ (653) كِيلُوغْرَامًا، أَيْ: مَا يُقَارِبُ سِتَّةَ قَنَاطِيرَ وَنِصْفًا.
«وَتَقْدِيرُ النِّصَابِ بِالْكَيْلِ الْمِصْرِيِّ هُوَ خَمْسُونَ كِيلَةً، أَيْ أَرْبَعَةُ أَرَادِبَ وَكِيلَتَانِ.
<فَتَاوَى دَارِ الْإِفْتَاءِ الْمِصْرِيَّةِ (1/150)>
وَيُقَدَّرُ هَذَا النِّصَابُ فِي الْحُبُوبِ بَعْدَ تَصْفِيَتِهَا مِنْ قُشُورِهَا وَتِبْنِهَا، وَفِي الثِّمَارِ بَعْدَ جَفَافِهَا وَيُبْسِهَا.
فَمَنْ بَلَغَ مَحْصُولُهُ هَذَا الْقَدْرَ فَزَكَاتُهُ وَاجِبَةٌ، وَمَا دُونَهُ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، إِلَّا أَنْ يَتَطَوَّعَ بِصَدَقَةٍ.
• الشَّرْطُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكًا لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ.
فَلَوْ مَلَكَ النِّصَابَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ فِيهِ زَكَاةٌ، كَمَا لَوِ اشْتَرَاهُ، أَوْ أَخَذَهُ أُجْرَةً لِحَصَادِهِ، أَوْ حَصَّلَهُ بِاللِّقَاطِ.
● الْأَصْنَافُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ .
– لَيْسَ كُلُّ خَارِجٍ مِنَ الْأَرْضِ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي كُلِّ مَا كَانَ مَكِيلًا – أَيْ يُعَامَلُ بِالْكَيْلِ – وَمُدَّخَرًا – أَيْ يَصْلُحُ لِلِادِّخَارِ -، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ.
فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَكْثَرُ الْحُبُوبِ: كَالْقَمْحِ، وَالذُّرَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْأَرُزِّ، وَالدُّخْنِ، وَالْفُولِ، وَالْعَدَسِ وَنَحْوِهَا. وَتَجِبُ فِي الثِّمَارِ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ.
أَمَّا الْفَوَاكِهُ وَالْخُضَرَاوَاتُ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُدَّخَرُ؛ كَالْجَوْزِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالْخَوْخِ، وَالرُّمَّانِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْخِيَارِ، وَالْبَاذِنْجَانِ، وَنَحْوِهَا، فَلَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ؛ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ فِي الْخَضَرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» <رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ>.
اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِي الْأَصْنَافِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ
· اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنْوَاعِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ عَلَى قَوْلَيْنِ رَئِيسِيَّيْنِ:
● الرَّأْيُ الْأَوَّلُ (مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ: الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ): يَرَى الْجُمْهُورُ أَنَّ الزَّكَاةَ لَا تَجِبُ إِلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ هِيَ: الْحِنْطَةُ، وَالشَّعِيرُ، وَالتَّمْرُ، وَالزَّبِيبُ، ثُمَّ أَضَافُوا إِلَيْهَا كُلَّ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهَا مِمَّا يُكَالُ وَيُقْتَاتُ وَيُدَّخَرُ، كَالْأَرُزِّ وَالذُّرَةِ وَالْعَدَسِ وَنَحْوِهَا.
أَمَّا الْفَوَاكِهُ وَالْخُضَرَاوَاتُ الَّتِي لَا تُكَالُ وَلَا تُدَّخَرُ؛ كَالْجَوْزِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالْخَوْخِ، وَالرُّمَّانِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْخِيَارِ، وَالْبَاذِنْجَانِ، وَنَحْوِهَا، فَلَا تَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ؛ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: «لَيْسَ فِي الْخَضَرَاوَاتِ صَدَقَةٌ» <رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ>.
● وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ).
● الرَّأْيُ الثَّانِي (مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ): يَرَى الْأَحْنَافُ أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي كُلِّ مَا أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ مِنْ حُبُوبٍ وَثِمَارٍ وَخُضَرَاوَاتٍ وَفَوَاكِهَ وَبُقُولٍ، قَلِيلِهَا وَكَثِيرِهَا. وَاسْتَدَلُّوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ)
وَبِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ).
● إِنَّ الْأَخْذَ بِمَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِي تَوْسِعَةِ دَائِرَةِ الزَّكَاةِ فِي الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ يَتَّفِقُ مَعَ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ تَحْقِيقِ الْعَدَالَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالتَّكَافُلِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ.
فَيَجِبُ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ مِنْ كُلِّ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ. وَتَتَجَلَّى هَذِهِ التَّوْسِعَةُ مِنْ خِلَالِ مَا يَلِي:
1. شُمُولِيَّةُ الزَّكَاةِ: تَشْمَلُ الْوُجُوبَ كُلَّ مَا تَسْتَنْبِتُ الْأَرْضُ دُونَ تَمْيِيزٍ بَيْنَ مَا يُدَّخَرُ وَمَا لَا يُدَّخَرُ لِأَغْرَاضِ التِّجَارَةِ أَوِ الْإِعَالَةِ.
2. الْأَوْلَوِيَّةُ لِمَصْلَحَةِ الْفَقِيرِ: وهَذَا الرَّأْيُ يُحَقِّقُ مَصْلَحَةَ الْفَقِيرِ.
● ضَمُّ الْأَصْنَافِ بَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِلَةِ النِّصَابِ .
· تُضَمُّ أَنْوَاعُ الثَّمَرَةِ الْوَاحِدَةِ إِلَى بَعْضِهَا حَتَّى يَكْمُلَ بِهَا النِّصَابُ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ أَوْ أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةً؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِصَاحِبِ الزَّرْعِ لَا بِالْأَرْضِ. فَالتَّمْرُ بِأَنْوَاعِهِ الْمُخْتَلِفَةِ يُضَمُّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ.
وَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتِ الْأَصْنَافُ، فَلَا يُضَمُّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَلَا يُضَمُّ الْقَمْحُ إِلَى الشَّعِيرِ، وَلَا التَّمْرُ إِلَى الزَّبِيبِ.
● وَقْتُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ
تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحُبُوبِ حِينَ تَشْتَدُّ وَتَسْتَوِي، وَفِي الثِّمَارِ حِينَ يَبْدُو صَلَاحُهَا وَنُضْجُهَا، بِأَنْ يَحْمَرَّ أَوْ يَصْفَرَّ. وَلَا تَجِبُ قَبْلَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَءَاتُوا حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦۖ﴾، وَيَوْمُ الْحَصَادِ هُوَ حِينَ يَسْتَوِي وَيَطِيبُ.
وَلَا يُشْتَرَطُ حَوَلَانُ الْحَوْلِ فِي زَكَاةِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنْ أَمْوَالِ الزَّكَاةِ نَمَاءٌ فِي نَفْسِهِ، فَتُخْرَجُ مِنْهُ الزَّكَاةُ عِنْدَ كَمَالِهِ.
● مِقْدَارُ الزَّكَاةِ الْوَاجِبُ إِخْرَاجُهُ
يَخْتَلِفُ الْقَدْرُ الْوَاجِبُ إِخْرَاجُهُ فِي زَكَاةِ الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ بِاخْتِلَافِ وَسِيلَةِ السَّقْيِ:
• إِنْ كَانَ يُسْقَى بِلَا مَؤُونَةٍ وَلَا مَشَقَّةٍ: كَالَّذِي تَسْقِيهِ السَّمَاءُ (بُورِيًّا)، أَوِ الْأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا يَشْرَبُ بِعُرُوقِهِ، فَيَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ كَامِلًا (10%).
• إِنْ كَانَ يُسْقَى بِمَؤُونَةٍ وَمَشَقَّةٍ: كَأَنْ يُسْقَى بِالْمَكَائِنِ وَالْآلَاتِ وَالسَّوَانِي، فَيَجِبُ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ (5%).
• إِنْ كَانَ يُسْقَى بِهِمَا مَعًا بَعْضَ السَّنَةِ: فَيَجِبُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ (7.5%).
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالْعُيُونُ، أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا الْعُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ الْعُشْرِ» وفي رواية «وَمَا سُقِيَ بِالسَّوَانِي فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ» <رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ سُنَنَ أَبِي دَاوُدَ (1597) وَصَحِيحُ مُسْلِمٍ (981)>. وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ الْأَنْهَارُ وَالْغَيْمُ الْعُشُورُ، وَفِيمَا سُقِيَ بِالسَّانِيَةِ نِصْفُ الْعُشُورِ» <رَوَاهُ مُسْلِمٌ>.
• مِثَالٌ تَوْضِيحِيٌّ: رَجُلٌ حَصَدَ (1000) كِيلُو مِنَ الْحُبُوبِ وَقَدْ بَلَغَتِ النِّصَابَ. إِنْ سُقِيَتْ بِالْمَطَرِ أَخْرَجَ الْعُشْرَ (100 كِيلُو)، وَإِنْ سُقِيَتْ بِالْآلَاتِ أَخْرَجَ نِصْفَ الْعُشْرِ (50 كِيلُو)، وَإِنْ كَانَ السَّقْيُ مُشْتَرَكًا أَخْرَجَ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْعُشْرِ (75 كِيلُو).
فِقْهُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَأَهْلِهَا
● كَيْفِيَّةُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَزَمَنُهُ .
– الْأَصْلُ أَنْ تُخْرَجَ الزَّكَاةُ مِنْ جِنْسِ الْمَالِ الْمُزَكَّى؛ فَزَكَاةُ التَّمْرِ تُخْرَجُ تَمْرًا، وَزَكَاةُ الْحَبِّ تُخْرَجُ حَبًّا مِنْ جِنْسِهِ. وَيُخْرِجُهَا مُصَفَّاةً، فَالْحَبُّ يُخْرَجُ مَنْقِيًّا مِنْ قِشْرِهِ وَتِبْنِهِ، وَالثَّمَرُ يُخْرَجُ يَابِسًا.
● هَلْ يَجُوزُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الزُّرُوعِ نُقُودًا؟
· إِذَا دَعَتِ الْحَاجَةُ، أَوْ ظَهَرَتِ الْمَصْلَحَةُ،< الْفَتَاوَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ > جَازَ لِلْفَلَّاحِ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ نُقُودًا، خُصُوصًا إِنْ كَانَ ذَلِكَ أَنْفَعَ لِلْفُقَرَاءِ، مَعَ مُرَاعَاةِ تَقْدِيرِ الْقِيمَةِ بِحَسَبِ سِعْرِ السُّوقِ يَوْمَ الْإِخْرَاجِ، مِنْ غَيْرِ بَخْسٍ لِحَقِّ الْمُسْتَحِقِّينَ.
جَاءَ بِهَذَا فَتَاوَى أَهْلِ الْفُتْيَا فَقَالُوا: «يَجُوزُ اسْتِبْدَالُ الْحُبُوبِ وَمَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ مِنْ مَحْصُولَاتٍ بِقِيمَتِهِ نَقْدًا وَتَوْزِيعُهُ عَلَى مُسْتَحِقِّيهِ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ، وَهَذَا مَا نَمِيلُ لِلْأَخْذِ بِهِ تَيْسِيرًا عَلَى الْمُزَكِّي وَعَلَى الْفُقَرَاءِ». < د. نَصْرُ فَرِيدُ وَاصِلٌ، تَارِيخُ الْفَتْوَى: 15 يُولِيُو 1997 رَقَمُ الْفَتْوَى: 3119)، مَوْقِعُ فَتَاوَى دَارِ الْإِفْتَاءِ الْمِصْرِيَّةِ> «وَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةَ الدَّافِعِ وَالْقَابِضِ، أَمَّا الدَّافِعُ فَإِنَّهُ أَبْرَأُ لِذِمَّتِهِ وَأَيْسَرُ عَلَيْهِ غَالِباً، وَأَمَّا الْقَابِضُ فَإِنَّهُ أَنْفَعُ؛ لِأَنَّهُ يَنْتَفِعُ بِالنُّقُودِ عَلَى وُجُوهٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَأَمَّا الْحُبُوبُ أَوِ الثِّمَارُ فَإِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَكْلُهَا أَوْ يَبِيعُهَا، وَيَكُونُ بَيْعُهَا بِثَمَنٍ رَخِيصٍ يَتَضَرَّرُ بِهِ. <فَتَاوَى ابْنِ عُثَيْمِينَ>
● وُجُوبُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنَ الطَّيِّبِ .
· يَجِبُ عَلَى الْمُزَكِّي أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ مِنْ أَوْسَطِ الْمَالِ وَطَيِّبِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ الرَّدِيءِ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا اَ۬لَّذِينَ ءَامَنُوٓا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَٰتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّآ أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ اَ۬لْأَرْضِۖ وَلَا تَيَمَّمُوا اُ۬لْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بَِٔاخِذِيهِ إِلَّآ أَن تُغْمِضُوا فِيهِۚ وَاعْلَمُوٓا أَنَّ اَ۬للَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ﴾ [الْبَقَرَةِ: 267].
● بَيَانُ مَصَارِف الزَّكَاة .
– مَصَارِفُ الزَّكَاةِ ثَمَانِيَةٌ، قَدْ بَيَّنَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَحَصَرَهَا، فَلَا تُصْرَفُ الزَّكَاةُ فِي غَيْرِهَا، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَٰتُ لِلْفُقَرَآءِ وَالْمَسَٰكِينِ وَالْعَٰمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي اِ۬لرِّقَابِ وَالْغَٰرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اِ۬للَّهِ وَابْنِ اِ۬لسَّبِيلِۖ فَرِيضَةٗ مِّنَ اَ۬للَّهِۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [التَّوْبَةِ: 60]. وَبَيَانُهُمْ:
• الْفُقَرَاءُ: الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ شَيْئًا يَسُدُّ حَاجَتَهُمْ وَحَاجَةَ مَنْ يَعُولُونَ.
• الْمَسَاكِينُ: الَّذِينَ يَجِدُونَ بَعْضَ الْكِفَايَةِ وَلَكِنْ لَا تَكْفِيهِمْ، كَالْمُوَظَّفِ الَّذِي لَا يُغَطِّي رَاتِبُهُ النَّفَقَاتِ الضَّرُورِيَّةَ.
• الْعَامِلُونَ عَلَيْهَا: الَّذِينَ يُكَلِّفُهُمْ وَلِيُّ الْأَمْرِ بِجَمْعِ الزَّكَاةِ وَتَوْزِيعِهَا، فَيُعْطَوْنَ أُجْرَةَ مِثْلِهِمْ وَلَوْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ.
• الْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ: مَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنَ الْكُفَّارِ، أَوْ تَثْبِيتُ إِيمَانِهِ مِنْ ضُعَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ.
• فِي الرِّقَابِ: وَيَدْخُلُ فِيهِ شِرَاءُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِعِتْقِهِ، وَفِدَاءُ الْأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ.
• الْغَارِمُونَ: الْمَدِينُونَ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا دَيْنًا فِي حَلَالٍ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَدَاءَهُ، وَيَدْخُلُ فِيهِمْ مَنْ تَحَمَّلَ دَيْنًا لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ.
• فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الْغُزَاةُ الْمُتَطَوِّعُونَ، وَيَلْحَقُ بِهِمْ طَلَبَةُ الْعِلْمِ الْمُتَفَرِّغُونَ لَهُ، وَحَفَظَةُ الْقُرْآنِ.
• ابْنُ السَّبِيلِ: الْمُسَافِرُ الْمُنْقَطِعُ عَنْ بَلَدِهِ وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ، فَيُعْطَى مَا يُوَصِّلُهُ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ سَفَرُهُ مُبَاحًا.
● مَنْ لَا تَجُوزُ لَهُمُ الزَّكَاةُ
يَحْرُمُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إِلَى:
• الْغَنِيِّ وَالْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ، وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» <رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ>.
• الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ الَّذِينَ تَجِبُ عَلَى الْمُزَكِّي نَفَقَتُهُمْ، كَالْآبَاءِ وَالْأَجْدَادِ، وَالْأَبْنَاءِ وَأَبْنَائِهِمْ.
• الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا وَاجِبَةٌ عَلَى زَوْجِهَا.
• الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ.
أَحْكَامٌ وَآدَابٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ.
● النَّهْيُ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا
· لَا يَجُوزُ بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَيَظْهَرَ فِيهَا لَوْنُ النُّضْجِ، لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» <رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ>.
وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ. قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>.
● النَّهْيُ عَنِ الْغِشِّ وَالرِّبَا فِي الْمُبَادَلَاتِ
لَمَّا كَانَتِ النُّفُوسُ تَمِيلُ إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الثِّمَارِ وَكَانَ ثَمَنُهُ أَغْلَى، حَرَّمَ اللَّهُ الْغِشَّ فِيهَا؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟! مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» <رَوَاهُ مُسْلِمٌ>.
● وَمِنَ الْأَحْكَامِ الْمُهِمَّةِ تَحْرِيمُ التَّفَاضُلِ عِنْدَ مُبَادَلَةِ الْأَصْنَافِ الرِّبَوِيَّةِ؛ فَلَا يُقَايِضُ تَمْرًا بِتَمْرٍ، وَلَا بُرًّا بِبُرٍّ، وَلَا شَعِيرًا بِشَعِيرٍ، إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ. فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْأَصْنَافُ جَازَ التَّفَاضُلُ مَعَ التَّقَابُضِ فِي الْحَالِ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» <رَوَاهُ مُسْلِمٌ>.
وَلَمَّا جَاءَ بِلَالٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟» قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيءٌ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ لِيَطْعَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّهْ، أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ، ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ» <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>.
● حَقٌّ آخَرُ فِي الْمَالِ غَيْرُ الزَّكَاةِ؟ .
– يُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَحْصُولِهِ يَوْمَ الْحَصَادِ وَالْجُذَاذِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ مَا تَجُودُ بِهِ نَفْسُهُ، تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَشُكْرًا لِلَّهِ، فَقَدْ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَءَاتُوا حَقَّهُۥ يَوْمَ حَصَادِهِۦۖ﴾ بِمَكَّةَ قَبْلَ فَرْضِ الزَّكَاةِ بِمَقَادِيرِهَا، وَالْمُرَادُ حَقٌّ مُسْتَحَبٌّ زَائِدٌ عَلَى الْفَرِيضَةِ.
● التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ وَالْأَحْكَامِ
إِنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ شَرِيعَةٌ مُحْكَمَةٌ، يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَلَّمَهَا لِيُؤَدِّيَهَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِي اللَّهَ. وَالتَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يُقِيمُ بِهَا دِينَهُ، وَفَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مَنْ لَهُ صَنْعَةٌ أَوْ تِجَارَةٌ أَنْ يَتَعَلَّمَ حُدُودَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ فِيهَا.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ» <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>. وَمَنْ جَهِلَ أَمْرًا فَلْيَسْأَلْ أَهْلَ الذِّكْرِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿فَسْـَٔلُوٓا أَهْلَ اَ۬لذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النَّحْلِ: 43].
مِنْ فَوَائِدِ وَفَضَائِلِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ .
· إِنَّ الزَّكَاةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عِبَادَةٍ مَالِيَّةٍ، بَلْ هِيَ مَنْهَجٌ إِلَهِيٌّ مُتَكَامِلٌ يُحَقِّقُ الطَّهَارَةَ لِلنَّفْسِ، وَالنَّمَاءَ لِلْمَالِ، وَالتَّكَافُلَ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَالْفَوْزَ فِي الْآخِرَةِ. وَتَتَجَلَّى آثَارُهَا الْعَظِيمَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى السَّوَاءِ.
● أَوَّلًا: فَوَائِدُ الزَّكَاةِ فِي الدُّنْيَا
(1) طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ لِلْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التَّوْبَةِ: 103)
وَالْمَقْصُودُ بِالصَّدَقَةِ هُنَا الزَّكَاةُ الْوَاجِبَةُ، وَمِنْ ثَمَرَاتِهَا:
أَنَّهَا تُشْعِرُ الْمُزَكِّيَ بِالطَّهَارَةِ؛ فَيَحْيَا بِهُدُوءِ النَّفْسِ، وَطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ، وَانْشِرَاحِ الصَّدْرِ.
تُطَهِّرُ النَّفْسَ مِنَ الشُّحِّ وَالْبُخْلِ وَالتَّعَلُّقِ الْمُفْرِطِ بِالْمَالِ.
تُطَهِّرُ قَلْبَ الْفَقِيرِ مِنَ الْحَسَدِ وَالْبُغْضِ، وَتَزْرَعُ فِيهِ الْمَحَبَّةَ لِلْغَنِيِّ، وَتَرْفَعُ مِنْ مَعْنَوِيَّاتِهِ، فَيَسُودُ التَّرَاحُمُ بَدَلَ التَّنَافُرِ.
(2) زِيَادَةُ الْمَالِ وَبَرَكَتُهُ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (الرُّومِ: 39)
وَوَعَدَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مَنْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ مُخْلِصًا أَنْ يُبَارِكَ لَهُ فِي مَالِهِ وَيُضَاعِفَهُ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ. كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إِبْرَاهِيمَ: 7)
وَيُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنَى مَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ:
·عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا ” <رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (1442)، وَمُسْلِمٌ (1010)>
(3) تَيْسِيرُ الْأُمُورِ وَحَلُّ الْمُشْكِلَاتِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
· قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ (اللَّيْلِ: 5-7)
فَالزَّكَاةُ سَبَبٌ فِي تَيْسِيرِ الْأُمُورِ، وَتَفْرِيجِ الْكُرُبَاتِ، وَفَتْحِ أَبْوَابِ الْخَيْرِ. وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
<مُسْلِمٌ (2699)>
● ثَانِيًا: فَوَائِدُ الزَّكَاةِ فِي الْآخِرَةِ
· تَكْفِيرُ السَّيِّئَاتِ وَدُخُولُ الْجَنَّاتِ.
· قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (الْمَائِدَةِ: 12)
فَالزَّكَاةُ لَيْسَتْ إِنْقَاصًا لِلْمَالِ، بَلْ هِيَ اسْتِثْمَارٌ حَقِيقِيٌّ لِلْآخِرَةِ، يَمْحُو اللَّهُ بِهَا الذُّنُوبَ، وَيَرْفَعُ بِهَا الدَّرَجَاتِ، وَيُدْخِلُ بِهَا الْعَبْدَ جَنَّاتِ النَّعِيمِ.
الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ لِمَانِعِي الزَّكَاةِ.
– عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّ لِلزَّكَاةِ شَأْنًا عَظِيمًا فِي دِينِ اللَّهِ، وَقَدْ جَاءَ الْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي حَقِّ مَانِعِيهَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، لِيَبْقَى الْمُجْتَمَعُ قَائِمًا عَلَى الْعَدْلِ وَالتَّكَافُلِ، وَتَبْقَى الْقُلُوبُ طَاهِرَةً مِنَ الشُّحِّ وَالْبُخْلِ.
● أَوَّلًا: عُقُوبَةُ مَانِعِي الزَّكَاةِ فِي الدُّنْيَا.
(1) مَحْقُ الْبَرَكَةِ وَتَعْسِيرُ الْحَيَاةِ
مِنْ أَعْظَمِ آثَارِ مَنْعِ الزَّكَاةِ أَنْ تُنْزَعَ الْبَرَكَةُ مِنَ الْمَالِ، فَيَكْثُرُ الْمَالُ صُورَةً وَيَقِلُّ نَفْعُهُ حَقِيقَةً، وَيَعِيشُ صَاحِبُهُ فِي ضِيقٍ وَكَدَرٍ رَغْمَ مَا يَمْلِكُ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (
وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (اللَّيْلِ: 8-10)
فَجَزَاءُ الْبُخْلِ هُوَ التَّعْسِيرُ، وَكَثْرَةُ الْمُشْكِلَاتِ، وَضِيقُ الصَّدْرِ، وَتَعَقُّدُ أُمُورِ الْحَيَاةِ.
(2) مَنْعُ الْقَطْرِ وَانْتِشَارُ الْقَحْطِ
وَمِنَ الْعُقُوبَاتِ الْعَامَّةِ الَّتِي تُصِيبُ الْمُجْتَمَعَاتِ بِسَبَبِ مَنْعِ الزَّكَاةِ: قِلَّةُ الْمَطَرِ، وَانْتِشَارُ الْجَفَافِ، وَضَعْفُ الزُّرُوعِ، وَغَلَاءُ الْأَسْعَارِ، وَهِيَ مَظَاهِرُ تَدُلُّ عَلَى اخْتِلَالِ مِيزَانِ الْعَدْلِ وَالتَّكَافُلِ.
وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِثَالًا عَمَلِيًّا لِذَلِكَ فِي قِصَّةِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ الَّذِينَ مَنَعُوا حَقَّ اللَّهِ، فَكَانَتِ النَّتِيجَةُ الْهَلَاكَ التَّامَّ لِزَرْعِهِمْ، قَالَ تَعَالَى:
﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ (الْقَلَمِ: 17-20)
فَكَانَ الْمَنْعُ سَبَبًا فِي زَوَالِ النِّعْمَةِ وَهَلَاكِ الْمَالِ.
· وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ:… وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا. <سُنَنُ ابْنِ مَاجَهْ (4019) وَصَحِيحُ الْجَامِعِ (7978)>
(3) وُقُوعُ التَّلَفِ الْحِسِّيِّ وَالْمَعْنَوِيِّ
– مِنْ آثَارِ مَنْعِ الزَّكَاةِ أَنْ يَتَعَرَّضَ الْمَالُ أَوْ صَاحِبُهُ لِأَنْوَاعٍ مِنَ التَّلَفِ، وَمِنْهَا:
· التَّلَفُ الْحِسِّيُّ: كَضَيَاعِ الْمَالِ، أَوِ احْتِرَاقِهِ، أَوْ سَرِقَتِهِ، أَوْ إِصَابَةِ صَاحِبِهِ بِالْأَمْرَاضِ الَّتِي تَسْتَنْزِفُ مَالَهُ.
· التَّلَفُ الْمَعْنَوِيُّ: وَهُوَ أَخْطَرُ، حَيْثُ تُنْزَعُ الْبَرَكَةُ مِنَ الْمَالِ، فَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ صَاحِبُهُ فِي خَيْرٍ، وَلَا يُوَفَّقُ لِاسْتِخْدَامِهِ فِي طَاعَةٍ.
فَلَيْسَ كُلُّ مَالٍ نَافِعًا، وَإِنَّمَا النَّافِعُ مَا بُورِكَ فِيهِ.(٣) الْمَلَائِكَةُ تَدْعُو عَلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ” مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ العِبَادُ فِيهِ، إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا “<صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (1442) وَصَحِيحُ مُسْلِمٍ (1010)>
● ثَانِيًا: عُقُوبَةُ مَانِعِي الزَّكَاةِ فِي الْآخِرَةِ
(1) الْفَزَعُ وَالْخَوْفُ وَالْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
· مَانِعُ الزَّكَاةِ لَا يَلْقَى الْأَمْنَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَلْ يَلْقَى الْخَوْفَ وَالْفَزَعَ، وَيَرَى أَثَرَ مَالِهِ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَذَابًا عَلَيْهِ.
فَيُعَذَّبُ بِأَمْوَالِهِ الَّتِي مَنَعَ زَكَاتَهَا، فَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (آلِ عِمْرَانَ: 180)
فَمَا ظَنَّهُ خَيْرًا يَتَحَوَّلُ إِلَى عَذَابٍ يُلَازِمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ” مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ – يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ – ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلَا: (لَا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (180) آلِ عِمْرَانَ” الْآيَةَ <صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ (1403)>
(2) الْعَذَابُ بِالْمَالِ نَفْسِهِ
· وَمِنْ أَشَدِّ صُوَرِ الْعُقُوبَةِ أَنْ يُعَذَّبَ الْإِنْسَانُ بِالْمَالِ الَّذِي مَنَعَ زَكَاتَهُ، فَالْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ۖ هَٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (التَّوْبَةِ: 34-35)
فَهُنَا يَتَحَوَّلُ الْمَالُ الَّذِي كَانَ سَبَبَ تَعَلُّقِ الْقَلْبِ إِلَى أَدَاةِ عَذَابٍ، جَزَاءً عَلَى الْبُخْلِ وَالْمَنْعِ.
إِنَّ مَنْعَ الزَّكَاةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَقْصِيرٍ، بَلْ هُوَ سَبَبٌ لِزَوَالِ النِّعَمِ، وَنُزُولِ الْبَلَاءِ، وَتَعْسِيرِ الْحَيَاةِ فِي الدُّنْيَا، ثُمَّ الْخَوْفِ وَالْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ.
فَالْمَالُ الَّذِي لَا يُزَكَّى يَتَحَوَّلُ مِنْ نِعْمَةٍ إِلَى نِقْمَةٍ، وَمِنْ وَسِيلَةِ رَاحَةٍ إِلَى سَبَبِ شَقَاءٍ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ أَدْرَكَ أَنَّ الزَّكَاةَ لَيْسَتْ نَقْصًا فِي الْمَالِ، بَلْ هِيَ الْحِصْنُ الَّذِي يَحْفَظُهُ، وَالطَّرِيقُ الَّذِي يُبَارِكُهُ، وَالنَّجَاةُ الَّتِي تُنْقِذُ صَاحِبَهُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ.
الْخَاتِمَةُ.
· فِي خِتَامِ هَذَا الْبَيَانِ الْفِقْهِيِّ وَالْإِيمَانِيِّ، نُدْرِكُ أَنَّ زَكَاةَ الزُّرُوعِ وَالثِّمَارِ هِيَ صِمَامُ أَمَانٍ لِلْمُجْتَمَعِ، وَحِصْنٌ حَصِينٌ لِلْمَالِ مِنَ الْآفَاتِ.
إِنَّهَا الْعِبَادَةُ الَّتِي تَمْزُجُ بَيْنَ عَرَقِ الْجَبِينِ وَطُهْرِ الْيَقِينِ، وَتُؤَكِّدُ أَنَّ مَا فِي أَيْدِينَا هُوَ اسْتِخْلَافٌ مِنَ اللَّهِ لَا مِلْكِيَّةٌ مُطْلَقَةٌ.
فَالسَّعِيدُ مَنِ اسْتَقْبَلَ حَصَادَهُ بِالشُّكْرِ، وَوَدَّعَهُ بِأَدَاءِ الْحَقِّ، لِيَبْقَى ذِكْرُهُ فِي الدُّنْيَا طَيِّباً، وَرِزْقُهُ فِي الْآخِرَةِ مُعَدّاً. فَلْيُبَادِرْ كُلُّ ذِي زَرْعٍ لِتَطْيِيبِ مَالِهِ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْحَبَّةَ الَّتِي يُخْرِجُهَا لِلَّهِ، هِيَ الَّتِي سَتَبْقَى لَهُ ذُخْراً يَوْمَ تَبْلَى السَّرَائِرُ.
●
الدُّعَاءُ ![]()
نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ أَنْ يُبَارِكَ لَنَا فِي زُرُوعِنَا وَثِمَارِنَا وَأَمْوَالِنَا، وَأَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ الشَّاكِرِينَ الْمُؤَدِّينَ لِحَقِّهِ، الْمُتَفَقِّهِينَ فِي دِينِهِ، وَأَنْ يُعِيذَنَا مِنَ الْبَخْلِ وَالشُّحِّ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعِلْمَ النَّافِعَ وَالْعَمَلَ الصَّالِحَ.
اللَّهُمَّ يَا فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَيَا مُنْزِلَ الْقَطْرِ مِنَ السَّمَاءِ، وَيَا مُخْرِجَ الزَّرْعِ مِنَ الثَّرَى، نَسْأَلُكَ بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى وَصِفَاتِكَ الْعُلَى أَنْ تُبَارِكَ لَنَا فِيمَا رَزَقْتَنَا، وَأَنْ تَجْعَلَنَا لِنِعَمِكَ مِنَ الشَّاكِرِينَ، وَلِحُقُوقِكَ مِنَ الْمُؤَدِّينَ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي زُرُوعِ الْمُسْلِمِينَ وَثِمَارِهِمْ، وَأَنْزِلْ عَلَيْهَا بَرَكَاتِكَ، وَاحْفَظْهَا مِنَ الْآفَاتِ وَالْفَسَادِ، وَاجْعَلْهَا رِزْقاً طَيِّباً مُبَارَكاً فِيهِ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا طَيِّبَ الْكَسْبِ، وَجَنِّبْنَا الشُّحَّ وَالْبُخْلَ، وَاجْعَلْ أَيْدِيَنَا بِالْخَيْرِ مَبْسُوطَةً، وَنُفُوسَنَا بِالْبَذْلِ مُطْمَئِنَّةً.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ زَكَاتَنَا طَهَارَةً لِأَبْدَانِنَا، وَزِيَادَةً فِي أَرْزَاقِنَا، وَرِفْعَةً فِي دَرَجَاتِنَا.
اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا فَضْلَ مَا عِنْدَكَ بِسُوءِ مَا عِنْدَنَا، وَاسْقِنَا الْغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ حَصَادَنَا مَوْسِمًا لِلْمَغْفِرَةِ، وَجَبْرًا لِخَوَاطِرِ الْمُنْكَسِرِينَ، وَعَوْنًا لِلْمُحْتَاجِينَ.
اللَّهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقًّا وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلًا وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ.
اللَّهُمَّ يَا رَبَّنَا، تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْمَعْنَا وَوَالِدِينَا وَمَنْ أَحْبَبْنَا فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً.

