
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن قول اللَّهُ تَعَالَى فِي مَدْحِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَالذِينَ هُمْ لِأَمَٰنَٰتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَٰاعُونَ﴾.
بقلم / \ المفكر لعربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي رئيس الإتحاد العالمي للعلماء
جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي سِيَاقِ مَدْحِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُفْلِحِينَ فِي أَوَائِلِ سُورَةِ «الْمُؤْمِنُونَ»، حَيْثُ أَكَّدَ الْحَقُّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَوْزَ الْمُتَّصِفِينَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ السِّتِّ، فَقَالَ: ﴿قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَ اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَ وَالذِينَ هُمْ عَنِ اِ۬للَّغْوِ مُعْرِضُونَ…﴾.
وَأَنَّ الْفَلَاحَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ ادِّعَاءً بِاللِّسَانِ، وَلَا انْتِسَابًا بِالْأَسْمَاءِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَحَقُّقٌ بِالْإِيمَانِ، وَتَرْجَمَةٌ بِالْعَمَلِ، وَوَفَاءٌ بِالْعَهْدِ، وَأَمَانَةٌ فِي الْمَسْؤُولِيَّةِ. وَقَدْ سُئِلَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ سَيِّدَتُنَا عَائِشَةُ رضي الله عنها، عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ فَقَالَتْ: «كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ». ثُمَّ قَالَتْ -لِلسَّائِلِ-: أَتَقْرَأُ سُورَةَ «الْمُؤْمِنُونَ»؟ اِقْرَأْ: ﴿قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُون﴾، فَقَرَأَ ﴿قَدَ اَفْلَحَ اَ۬لْمُومِنُونَ اَ۬لذِينَ هُمْ فِے صَلَاتِهِمْ خَٰشِعُونَ…﴾ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَٰتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ فَقَالَتْ: هَكَذَا كَانَ خُلُقُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأَحَالَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، اَلسَّائِلَ عَلَى الْقُرْآنِ لِفَهْمِ خُلُقِ الرَّسُولِ ﷺ إِذْ كَانَ قُرْآنًا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، خُلُقُهُ وَفَاءٌ، وَشِيمَتُهُ أَمَانَةٌ، وَعَهْدُهُ صِدْقٌ، وَسِيرَتُهُ هِدَايَةٌ وَرَحْمَةٌ.
وَهَذَا الْمَعْنَى الْجَلِيلُ هُوَ مَا دَعَتْ إِلَيْهِ الرِّسَالَةُ الْمَلَكِيَّةُ السَّامِيَةُ مِنَ الْعِنَايَةِ بِأَمَانَاتِ الرَّسُولِ ﷺ، وَفِي مُقَدِّمَتِهَا: اَلْقُرْآنُ الْكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ وَالسِّيرَةُ الْعَطِرَةُ.
وَهُوَ مَا حَرَصَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ فِي «خُطَّةِ تَسْدِيدِ التَّبْلِيغِ» بِإِبْرَازِ مَعَانِي الْإِيمَانِ وَحَقِيقَتِهِ الْمُتَجَلِّيَةِ فِي تَحْرِيرِ الْإِنْسَانِ مِنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ، وَإِبْرَازِ مَعَانِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ، اَلشَّامِلِ لِكُلِّ عَمَلٍ يَقُومُ بِهِ الْمُسْلِمُ فِي عِبَادَاتِهِ وَمُعَامَلَاتِهِ وَعَادَاتِهِ وَسُلُوكِهِ، وَفِي جَمِيعِ مَنَاحِي حَيَاتِهِ.
وَإِنَّ مِنْ أَهَمِّ أَخْلَاقِ الرَّسُولِ ﷺ الْوَفَاءَ بِالْعَهْدِ لِجَمِيعِ النَّاسِ، وَلَمْ يَكُنْ ﷺ لِيَغْدِرَ قَطُّ أَوْ يَخُونَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ شِيمَتُهُ الْوَفَاءَ، كَمَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ مَعَ هِرَقْلَ، لَمَّا سَأَلَهُ: «هَلْ كَانَ يَغْدِرُ؟ فَقَالَ: لَا.… قَالَ: وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَّا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ». فَاسْتَدَلَّ هِرَقْلُ عَلَى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ بِوَفَائِهِ وَمُحَافَظَتِهِ عَلَى الْعُهُودِ.
هَذَا وَإِنَّ مِنَ الْعُهُودِ الْمَوْرُوثَةِ وَالْمَحْفُوظَةِ فِي هَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى عَهْدَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى هَذَا الْوَطَنِ، وَصِيَانَةِ وَحْدَتِهِ، وَالدِّفَاعِ عَنْ سِيَادَتِهِ وَعِزَّتِهِ، وَعَهْدَ الدِّفَاعِ عَنْ هَذَا الشَّعْبِ الْمُسْلِمِ الْوَفِيِّ وَرِعَايَةِ كَرَامَتِهِ، وَالذَّوْدِ عَنْ مُقَدَّسَاتِهِ وَثَوَابِتِهِ.
وَهَذَا مَا تُذَكِّرُنَا بِهِ «ذِكْرَى تَقْدِيمِ وَثِيقَةِ الْمُطَالَبَةِ بِالِاسْتِقْلَالِ»، تِلْكَ اللَّحْظَةُ التَّارِيخِيَّةُ الْمُشْرِقَةُ، اَلَّتِي كَانَتْ لَبِنَةً مِنْ لَبِنَاتِ صَرْحِ هَذَا الْوَطَنِ وَحُرِّيَّتِهِ، وَمُنْعَطَفًا مِنْ مُنْعَطَفَاتِهِ الْمُشَرِّفَةِ، وَمُقَدِّمَةً لِمَلَاحِمَ وَطَنِيَّةٍ وَمَوَاقِفَ وَبُطُولَاتٍ؛ كَـ«ثَوْرَةِ الْمَلِكِ وَالشَّعْبِ»، وَ«مَلْحَمَةِ الْاسْتِقْلَالِ»، وَ«الْمَسِيرَةِ الْخَضْرَاءِ الْمُظَفَّرَةِ»، وَتُوِّجَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِمِسْكِ خِتَامِهَا «عِيدِ الْوَحْدَةِ» فِي الْوَاحِدِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ أُكْتُوبَرَ 2025م، حَيْثُ شَهِدَ الْعَالَمُ بِأَسْرِهِ بِحَقِّ الْمَمْلَكَةِ الْمَغْرِبِيَّةِ فِي وَحْدَتِهَا التُّرَابِيَّةِ، اَلَّذِي نَاضَلَتْ مِنْ أَجْلِهِ عُقُودًا مِنَ الزَّمَانِ، وَكَانَ هَذَا الْقَرَارُ الْأُمَمِيُّ شَهَادَةَ صِدْقٍ لِجُهُودٍ بُذِلَتْ، وَسِيَاسَةٍ حَكِيمَةٍ مُتَبَصِّرَةٍ لِمَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ جَلَالَةِ الْمَلِكِ مُحَمَّدٍ السَّادِسِ، أَعَزَّ اللَّهُ أَمْرَهُ، وَخَلْفَهُ شَعْبُهُ الْوَفِيُّ الْمُثَابِرُ عَلَى السَّيْرِ فِي رِكَابِهِ. وَكَانَ ذَلِكَ بِفَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ وَمِنَّتِهِ عَلَى عِبَادِهِ.
إِذَا كَانَتِ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْوَطَنِ وَالْمُوَاطِنِينَ مِنَ الْعُهُودِ الَّتِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهَا، كَمَا اسْتَلْهَمْنَا ذَلِكَ مِنْ «ذِكْرَى تَقْدِيمِ وَثِيقَةِ الْمُطَالَبَةِ بِالِاسْتِقْلَالِ» وَغَيْرِهَا مِنْ ذِكْرَيَاتِنَا الْغَالِيَةِ، اَلَّتِي قَدَّمَ فِيهَا مُلُوكُنَا وَأَوْلِيَاءُ أُمُورِنَا وَآبَاؤُنَا وَأَجْدَادُنَا تَضْحِيَاتٍ جِسَامًا، وَاسْتَرْخَصُواْ فِي ذَلِكَ كُلَّ غَالٍ وَنَفِيسٍ لِنَحْيَا بَعْدَهُمْ أَعِزَّاءَ كِرَامًا، فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي مِنَّا الْوَفَاءَ لِتَضْحِيَاتِهِمْ وَجُهُودِهِمُ الْمَبْذُولَةِ:
أَوَّلًا: بِالِاعْتِرَافِ لَهُمْ بِالْجَمِيلِ، وَالدُّعَاءِ لَهُمْ وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَّمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُواْ لَهُ حَتَّى تَرَوْاْ أَنَّكُمْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ».
ثانِيًا: اَلْمُحَافَظَةُ عَلَى الْمُكْتَسَبَاتِ وَصِيَانَةُ الْمُنْجَزَاتِ الَّتِي حَقَّقُوهَا، وَسَعِدْنَا بِهَا وَالْيَوْمَ نَجْنِي ثِمَارَهَا، وَذَلِكَ بِالسَّهَرِ عَلَى حِفْظِهَا وَالْإِخْلَاصِ فِي الْقِيَامِ بِالْوَاجِبِ تُجَاهَهَا، وَالتَّفَانِي فِي خِدْمَةِ الْوَطَنِ وَالْمُوَاطِنِينَ، تَعَبُّدًا وَتَدَيُّنًا.
ثَالِثًا: تَقْدِيرُ إِنْجَازَاتِهِمْ، وَالِاحْتِفَاءُ بِأَمْجَادِهِمُ الْغَالِيَةِ، وَاتِّخَاذُهَا رَكِيزَةً لِلِانْطِلَاقِ نَحْوَ التَّطْوِيرِ وَالْإِبْدَاعِ وَالتَّحْدِيثِ، وَإِضَافَةِ كُلِّ جَدِيدٍ مُفِيدٍ، وَذَلِكَ بِالْحِرْصِ عَلَى الْعَمَلِ وَإِتْقَانِهِ، وَتَجْوِيدِ الْأَدَاءِ فِيمَا أُسْنِدَ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا، فِي إِطَارِ الْمَشَارِيعِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي نَهَضَ بِهَا مَوْلَانَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي مُخْتَلِفِ الْمَجَالَاتِ؛ اَلدِّينِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَالثَّقَافِيَّةِ وَالْبِيئِيَّةِ، جَاعِلًا اِلْإِنْسَانَ الْمَغْرِبِيَّ فِي صُلْبِ اهْتِمَامَاتِهِ، مُخْلِصِينَ لَهُ فِي وَحْدَةِ الصَّفِّ، وَتَوْحِيدِ الْكَلِمَةِ، وَالْوَفَاءِ بِمُقْتَضَى الْبَيْعَةِ، اَلَّتِي يَقُولُ فِيهَا النَّبِيُّ ﷺ: «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً».
