رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن خير القرون

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن خير القرون

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مما لاشك فيه أن الحديثَ عن “خيرِ القرونِ” ليس مجردَ استحضارٍ لذكرى تاريخيةٍ، أو وقوفٍ على أطلالٍ ماضيةٍ، بل هو بحثٌ في أصلِ الفهمِ، ومنبعِ التلقي، وميزانِ الاستقامةِ.

إننا اليومَ ونحنُ نواجهُ أمواجَ الفتنِ والشبهاتِ، أحوجُ ما نكونُ إلى العودةِ إلى ذلك الجيلِ الذي زكاه اللهُ من فوقِ سبعِ سماواتٍ, لنعرفَ كيف آمنوا، وكيف تعاملوا، وكيف طبقوا الوحيَ في واقعِ الحياةِ، فكانوا خيرَ الناسِ للناسِ.

⚫ معنى خَيْرِيَّةِ القُرُونِ ومكانتها في التصوّرِ الإسلاميِّ .

● إنَّ مسألةَ خَيْرِيَّةِ القُرُونِ ليست مجرَّدَ تفضيلٍ زمنيٍّ، ولا تعظيمٍ تاريخيٍّ خالٍ من المعنى، بل هي قضيةٌ عقديّةٌ ومنهجيّةٌ وتربويّةٌ، ينبني عليها فهمُ الدِّينِ، وضبطُ السُّلوكِ، وصيانةُ الشريعةِ من التحريفِ.

وقد شاء اللهُ تعالى أن يجعلَ القرونَ الأولى ميزانًا للحقِّ، ونموذجًا يُقاس عليه الفهمُ والعملُ، لأنهم تلقَّوا الوحيَ غضًّا طريًّا، وشهدوا التنزيلَ، وعاشوا مع القدوةِ الكاملةِ.

«إِنَّ اللهَ تَعَالَى لَمَّا اصْطَفَى مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ، اخْتَارَ لَهُ أَفْضَلَ حَوَارِيِّينَ، وَخِيرَةَ صَحْبٍ وَنَاصِرِينَ، فَنَاصَرُوا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدِمَائِهِمْ، وَأَقَامُوا شِرْعَةَ الدِّينِ بِسُيُوفِهِمْ، قَطَعُوا حَبَائِلَ الشِّرْكِ مِنْ طَوَائِفِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ، وَأَوَصَلُوا دَيْنَ اللهِ إِلَى مَشَارِقِ الْأَرَضِ وَمَغَارِبِهَا، لَا كَانَ وَلَا يَكُونُ مِثْلُهُمْ ، أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ عَلَى أَنَّهُمْ أَفْضَلُ الْخَلْقِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ.

أُولَئِكَ قَوْمٌ شَيَّدَ اللهُ فَخْرَهُمْ فَمَا فَوْقَهُ فَخْرٌ وَإِنْ عَظُمَ الْفَخْرُ

»

وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اطَّلَعَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاخْتَارَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَبَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، وَانْتَخَبَهُ بِعِلْمِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ بَعْدَهُ، فَاخْتَارَ لَهُ أَصْحَابًا، فَجَعَلَهُمْ أَنْصَارَ دِينِهِ، وَوُزَرَاءَ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

⚫ تعريفُ خَيْرِ القُرُونِ شرعًا

● المقصودُ بخيرِ القرونِ: هم الصحابةُ رضي اللهُ عنهم، ثم التابعونَ، ثم تابعو التابعينَ.

• وهذا التحديدُ نصٌّ نبويٌّ صريحٌ، لا مجالَ فيه للاجتهادِ أو الظنِّ.

عن عمرانَ بنِ الحصينِ

قال النبيُّ ﷺ:

« خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ – قالَ عِمْرانُ: لا أدْرِي: ذَكَرَ ثِنْتَيْنِ أوْ ثَلاثًا بَعْدَ قَرْنِهِ – ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ، يَنْذِرُونَ ولا يَفُونَ، ويَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُونَ، ويَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ»📚 خرجه البخاري في صحيحه

* “خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي” المقصودُ بقرنِ النبيِّ ﷺ هم الصحابةُ رضي اللهُ عنهم. هم الجيلُ الذي عاين الوحيَ، وجاهد مع الرسولِ، ونقل لنا الدينَ، فكانوا الأفضلَ إيماناً وعملاً وإخلاصاً.

* “ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ”

الذين يلونهم هم التابعونَ (الجيلُ الذي لقى الصحابةَ).

والذين يلونهم هم أتباعُ التابعينَ.

تُسمى هذه العصورُ بـ “القرونِ المفضلةِ”، حيث كان العلمُ والعملُ بالسنةِ هو الأصلُ والغالبُ على الناسِ.

قال النوويُّ رحمه اللهُ :

“الصَّحِيحُ أَنَّ قَرْنَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الصَّحَابَةُ ، وَالثَّانِي : التَّابِعُونَ ، وَالثَّالِثُ : تَابِعُوهُمْ” 📚 شرح النووي على مسلم . وهذه الأفضليةُ أفضليةٌ من حيثُ العمومُ والجنسُ ، لا من حيثُ الأفرادُ ، فلا يعني أنه لا يوجدُ في تابعي التابعين من هو أفضلُ من التابعين ، أو لا يوجدُ في التابعين من هو أعلمُ من بعضِ الصحابةِ ، أما فضلُ الصحبةِ ، فلا يناله أحدٌ غيرُ الصحابةِ ولا أحدٌ يسبقهم فيه ، وأما العلمُ والعبادةُ ، فقد يكونُ فيمن بعدَ الصحابةِ من هو أكثرُ من بعضهم علماً وعبادةً ” .

• وقوله : (تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ) ” يعني أنهم لا يتورعون في أقوالهم، ويستهينون بالشهادة واليمين ” 📚 كشف المشكل: ابن الجوزي رحمه الله

“تارةً يحلفونَ قبل أن يشهدوا، وتارةً يعكسونَ ” 📚 “فيض القدير” .

• فهؤلاءِ يظهرُ فيهم:

الاستخفافُ بالأمانةِ: يحرصُ الشخصُ على الحلفِ والشهادةِ دون تثبتٍ أو صدقٍ.

فيسبقُ بلسانه إلى اليمينِ قبل الشهادةِ، أو العكسِ، لقلةِ هيبةِ اللهِ في قلبهِ وقلةِ وقارِ الشهادةِ.

وأيضاً «لقلةِ الثقةِ بهم لا يشهدون إلا بيمينٍ»

فمعنى الحديثِ : أنه يجيءُ بعد القرونِ الفاضلةِ أقوامٌ لا يؤتمنونَ على شهاداتهم وأيمانهم ، ويكثرُ فيهم الكذبُ .

قَالَ إِبْرَاهِيمُ: “وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ، وَالعَهْدِ” .

أي كان الآباءُ والمعلمونَ يضربونَ الصغارَ إذا تسرعوا في إعطاءِ العهودِ أو أدوا شهاداتٍ دون مبالاةٍ، أو إذا حلفوا كذباً أو كثرةِ الحلفِ بلا داعٍ.

« ويستفادُ من هذا الأثرِ: جوازُ ضربِ الصبيِّ على الأخلاقِ إذا لم يتأدبْ إلا بالضربِ »

⚫ الأساسُ القرآنيُّ لِخَيْرِيَّةِ القُرُونِ

لم يأتِ هذا التفضيلُ من فراغٍ، بل أسَّسه القرآنُ قبل أن تؤكده السُّنَّةُ.

● تزكيةُ اللهِ للصحابةِ رضوانُ اللهِ عليهم

قال اللهُ تعالى:

﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾[سورة الفتح: الآية 18]

• وهذه الآيةُ نصٌّ قاطعٌ في عدالةِ الصحابةِ، إذ علَّق اللهُ رضاه على ما في قلوبهم، لا على مجرَّدِ الظاهرِ.

● سبقهم وفضلهم على من بعدهم

قال تعالى:

﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحديد: الآية 10]

• فإذا كان التفاضلُ واقعًا داخل جيلِ الصحابةِ أنفسهم، فكيف يُقاس بهم من جاء بعدهم؟

قَوْمٌ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ السَّابِقَةُ، لَا يُدَانِيهِمْ أَحَدٌ فِي الْمَنْزِلَةِ، وَلَا يَبْلُغُ قَرِيبًا مِنْهُمْ فِي الدَّرَجَةِ؛ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً، مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

⚫ الخصائصُ الكبرى التي جعلت هذه القرونَ خيرَ القرونِ

● سلامةُ المعتقدِ وصفاءُ التوحيدِ

• لم يعرفوا الفلسفاتِ الدخيلةَ، ولا الجدلَ الكلاميَّ، بل أخذوا الإيمانَ نقيًّا من مشكاةِ النبوّةِ.

ولذلك شَهِدَ اللهُ لهم بِالْإِيمَانِ، وَوَعَدَهُمْ بِأَعَالِي الْجِنَانِ، وَأَحَلَّ عَلَيْهِمُ الرَّحْمَةَ وَالرِّضْوَانَ

قال تعالى:

﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾[سورة التوبة: الآية 100]

• فاشترط اللهُ الاتباعَ بإحسانٍ، لا مجردَ الدعوى.

⚫ كمالُ الاتباعِ للنبيِّ ﷺ فهمًا وتطبيقًا

● الصحابةُ لم يكتفوا بالسماعِ، بل ترجموا الوحيَ واقعًا

قال اللهُ تعالى:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾

[سورة الأحزاب: الآية 21]

وعن العرباضِ بنِ ساريةَ قال النبيُّ ﷺ: «إنَّه مَن يَعِشْ منكم فسيَرَى اختِلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عليها بالنَّواجِذِ، وإيَّاكم ومُحدَثاتِ الأُمورِ؛ فإنَّ كُلَّ بِدعةٍ ضَلالةٌ»

📚 صحيح: أخرجه مطولاً أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، وأحمد باختلاف يسير، وابن عبدالبر في ((جامع بيان العلم وفضله))

⚫ محبتهم للرسولِ .

● لَقَدْ أَحَبَّ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ نَبِيَّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبًّا عَظِيمًا، وَقَدَّمُوهُ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ؛ سَأَلَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ عَلَى الشِّرْكِ حِينَذَاكَ -زيدَ بْنَ الدَّثِنَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حِينَمَا أَخْرَجَهُ أَهْلُ مَكَّةَ مِنَ الْحَرَمِ لِيَقْتُلُوهُ وَقَدْ كَانَ أَسَيْرًا عِنْدَهُمْ: أَنْشُدُكَ اللَّهَ يَا زَيْدُ، أَتُحِبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا عِنْدَنَا الآنَ في مَكَانِكَ نَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَأَنَّكَ في أَهْلِكَ؟ قَالَ زَيْدٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَاللَّهِ مَا أُحبُّ أَنَّ مُحَمَّدًا الآنَ في مَكَانِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ، وَأَنِّي جَالِسٌ في أَهْلِي. فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا ‌رَأَيْتُ ‌مِنَ ‌النَّاسِ ‌أَحَدًا ‌يُحِبُّ ‌أَحَدًا ‌كَحُبِّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، ثُمَّ قُتِلَ زَيْدُ بنُ الدَّثِنَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

لَاقَوْا مِنَ الشَّدَائِدِ أَشَدَّهَا، وَمِنَ الْمَصَائِبِ أَحْلَكَهَا؛ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَنَا طَعَامٌ نَأْكُلُهُ إِلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ وَهَذَا السَّمُرُ (نَوْعَانِ مِنْ شَجَرِ البَادِيَةِ)» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]، وَفِي الأَحْزَابِ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ، وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ، وَفِي حُنَيْنٍ ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، جَعَلَ أَبُو دُجَانَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ظَهْرَهُ دِرْعًا لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقِيهِ النِّـبَالَ، وَطُعِنَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي أُحُدٍ بِبِضْعٍ وَثَمَانِينَ ضَرْبَةً فِي جَسَدِهِ؛ ]مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [ [الأحزاب:23].

أَنْفَقُوا أَمْوَالَهُمْ، وَبَذَلُوا أَرْوَاحَهُمْ نُصْرَةً لِدِينِ اللهِ تَعَالَى؛ فَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، وَعُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ بِكَمَالِهِ، جَعَلُوا أَمْوَالَهُمْ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْخُذُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ وَيَذَرُ مَا يَشَاءُ؛ قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (فَصِلْ حِبَالَ مَنْ شِئْتَ، وَاقْطَعْ حِبَالَ مَنْ شِئْتَ، وَسَالِمْ مَنْ شِئْتَ، وَعَادِ مَنْ شِئْتَ، وَخُذْ مِنْ أَمْوالِنَا مَا شِئْتَ).

«ولذلكَ كانَ حُبُّ الصَّحابةِ رَضيَ اللهُ عنهم من أركانِ عَقيدةِ أهلِ السُّنَّةِ والجَماعةِ، كما هو مَبثوثٌ في كُتبِ العقائدِ الكَثيرةِ،

قَالَ الطَّحاويُّ رَحمَه اللهُ تَعالى في العَقيدةِ الطَّحاويةِ: (ونُحبُّ أَصحابَ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَليهِ وسَلمَ، ولا نُفرِطُ في حُبِّ أَحدٍ مِنهم، ولا نَتبرأُ مِن أَحدٍ مِنهم، ونُبغضُ من يُبغضُهم، وبِغيرِ الحَقِّ يَذكرُهم، ولا نَذكرُهم إلا بِخيرٍ، وحُبُّهم دِينٌ وإيمانٌ وإحسانٌ، وبُغضُهم كُفرٌ ونِفاقٌ وطُغيانٌ)

عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمْ: إِيمَانَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَدْخُلُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، وَعَلِّمُوهُمْ حَزْمَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَفِرُّ مِنْهُ الشَّيْطَانُ، وَحَيَاءَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ وَهُو رَجُلٌ تَسْتَحْيِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ، وَشَجَاعَةَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَانَةَ أَبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأُمَّةِ أَمِينًا.

⚫ عظيمُ أخلاقهم وصدقُ عبادتهم

● جمعوا بين العبادةِ العميقةِ والعملِ المؤثرِ

قال تعالى في وصفهم:

﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾

[سورة الفتح: الآية 29]

• فكانت أخلاقُهم ثمرةَ الإيمانِ، لا مجرَّدَ تكلُّفٍ سلوكيٍّ.

⚫ شهادةُ النبيِّ ﷺ بعدالتهم وأمانتهم

عن أبي موسى الأشعري

قال ﷺ:

«النجومُ أمنَةٌ للسماءِ ، فإذا ذَهَبَتِ النجومُ أتَى السماءَ ما توعَدُ ، وأنا أمنَةٌ لأصحابي ، فإذا ذهبْتُ أتى أصحابِي ما يوعدونَ ، وأصحابي أمنَةٌ لأمَّتِي ، فإذا ذهبَ أصحابي أتى أمتي ما يوعدونَ»📚 صحيح : أخرجه مسلم ، وأحمد ، والبزار ، وأبو يعلى ، وابن حبان واللفظ لهم.

• وهذه شهادةٌ نبويةٌ بأنَّ وجودهم أمانٌ من الانحرافِ.

⚫ الأثرُ العلميُّ والفقهيُّ لِخَيْرِ القُرُونِ

● هم المرجعُ في الفهمِ والاستنباطِ

• قال الإمامُ مالكٌ رحمه اللهُ: «لن يصلحَ آخرُ هذه الأمةِ إلا بما صلحَ به أولُها».

هذا الجملةُ إن لم تكن من كلامِ النبوةِ فإن عليها مسحةً من النبوةِ, ولمحةً من روحها, وومضةً من إشراقها.

وعن إبراهيمَ بنِ عبدالرحمنِ العذريِّ، قالﷺ : « يحمِلُ هذا العِلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الجاهِلينَ وانتحالَ المبطلينَ وتأويلَ الغالينَ»

📚 أخرجه العقيلي في ((الضعفاء الكبير)) ، وأبو نعيم في ((معرفة الصحابة)) ، والبيهقي باختلاف يسير وصححه جمع من أهل العلم

⚫ حبهم طاعةٌ .

* لَقَدْ كَانَ سَلَفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَغْرِسُونَ فِي قُلُوبِ أَوْلَادِهِمْ حُبَّ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ؛ لِمَا لَهُمْ عِنْدَ اللهِ مِنَ الْفَضْلِ وَالدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ؛ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ -رَحِمَهُ اللهُ-: (مَنْ جَهِلَ فَضْلَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ- رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فَقَدْ جَهِلَ السُّنَّةَ).

إِنَّ حُبَّ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَاعَةٌ وَإِيمَانٌ، وَالِاقْتِدَاءَ بِهِمْ بِرٌّ وَإِحْسَانٌ؛ إِذْ جَمَعُوا الْفَضَائِلَ الزَّكِيَّةَ، وَحَازُوا الْمَرَاتِبَ الْعَلِيَّةَ؛ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَانُوا أَبَرَّ هَذِهِ الْأُمَّةِ قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَإِقَامَةِ دِينِهِ، فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلَاقِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ؛ فَإِنَّهُمْ- وَرَبِّ الْكَعْبَةِ- عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ).

عَظَّمُوا اللهَ فِي قُلُوبِهِمْ، وَوَحَّدُوهُ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ؛ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا-: (الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ أَعْظَمُ مِنَ الْجِبَالِ). وَلَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاضْطَرَبَ النَّاسُ، قَامَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَطِيبًا، فَسَطَعَ نُورُ الْيَقِينِ، وَعَلَتْ رَايَةُ التَّوْحِيدِ، فَقَالَ مَعَ مَا فِيهِ مِنَ الْحُزْنِ وَالْوَجْدِ: (مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللهَ فَإِنَّ اللهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ).

أُولَئِكَ جِيلٌ عَظِيمٌ، وَقَرْنٌ فَرِيدٌ؛ ذِكْرُ فَضَائِلِهِمْ عِبَادَةٌ، وَحُبُّهُمْ قُرْبَةٌ وَدِيَانَةٌ؛ عَنْ أَنْسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا». قَالَ: لَا شَيْءَ، إِلَّا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ». قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ، فَرَحَنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ» قَالَ أَنَسٌ: «فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إِيَّاهُمْ، وَإِنْ لَمْ أَعْمَلْ بِمِثْلِ أَعْمَالِهِمْ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].

⚫ خطرُ الانفصالِ عن منهجِ خيرِ القرونِ .

● كلُّ انحرافٍ عقديٍّ أو فكريٍّ سببهُ مفارقةُ هذا الميزانِ .

عن عبداللهِ بنِ عمروٍ، قال ﷺ: « وتفترقُ أمَّتي على ثلاثٍ وسبعينَ ملَّةً ، كلُّهم في النَّارِ إلَّا ملَّةً واحِدةً ، قالوا : مَن هيَ يا رسولَ اللَّهِ ؟ قالَ : ما أَنا علَيهِ وأَصحابي» 📚 حسن : أخرجه الترمذي واللفظ له، والطبراني ، والحاكم

⚫ الطعنُ في خيرِ القرونِ .

* « كَانَ السَّلَفُ إِذَا رَأَوُا الرَّجُلَ يَطْعَنُ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّهَمُوهُ فِي دِينِهِ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: (مَنْ أَحْسَنَ اَلثَّنَاءَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اَلنِّفَاقِ، وَمَنْ يَنْتَقِصُ أَحَدًا مِنْهُمْ أَوْ يُبْغِضُهُ لِشَيْءٍ كَانَ مِنْهُ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ، وَالْخَوْفُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُرْفَعَ لَهُ عَمَلٌ إِلَى السَّمَاءِ حَتَّى يُحِبَّهُمْ جَمِيعًا وَيَكُونَ قَلْبُهُ لَهُمْ سَلِيمًا).

وَلَيْسَ فِي الْأُمَّةِ كَالْصَّحَابَـةِ

فِي الْفَضْلِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإصَابَةِ

فَإِنَّهُمْ قَدْ شَاهَدُوا الْمُخْتَارَا

وَعَايَنُوا الْأَسْــــرَارَ وَالْأَنْــــوَارَا

وَجَاهَدُوا فِي اللهِ حَتَّى بَانــا

دِينُ الْهُدَى وَقَدْ سَمَا الأَدْيَــانَا

وَقَدْ أَتَى فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ

مِنْ فَضْلِهِـــمْ مَا يَشْفِي لِلْغَلِيلِ

وَفِي الْأَحَادِيثِ وَفِي الْآثَارِ

وَفِي كَــــلَامِ الْقَــوْمِ وَالْأَشْعَارِ»

وعن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ تعالى عنهما قال: قال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ((من سبَّ أصحابي؛ فعليه لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين)).

وفي الصحيحينِ أيضًا عن البراءِ بنِ عازبٍ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قال في الأنصارِ: ((لا يُحبُّهم إلا مؤمنٌ، ولا يُبغضهم إلا منافقٌ، مَن أَحبهم أحبَّه اللهُ، ومن أبغضهم أبغضه اللهُ)).

● والخلاصةُ .

إنَّ خَيْرِيَّةَ القُرُونِ ليست للتغنِّي بالماضي،

• بل للاقتداءِ الواعي،

• والرجوعِ المنهجيِّ،

• وضبطِ الفهمِ والسلوكِ والفقهِ.

﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تولَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [سورة النساء: الآية 115]

وفي الختامِ، يتبينُ لنا جليًا أنَّ معالمَ الفضلِ في خيرِ القرونِ لم تكن تشريفًا مجردًا، بل كانت تكليفًا قاموا بحقه أتمَّ القيامِ.

إنَّ سلامةَ معتقدنا، وصحةَ عبادتنا، واستقامةَ أخلاقنا، مرهونةٌ بمدى اقترابنا من ذلك النبعِ الصافي الذي شرب منه الصحابةُ والتابعونَ وتابعوهم بإحسانٍ.

إنَّ الأمةَ التي تفرطُ في ميزانها التاريخيِّ والمنهجيِّ، تضلُّ الطريقَ في حاضرها ومستقبلها؛ فاللهَ اللهَ في حبهم، واللهَ اللهَ في الذودِ عن حياضهم، والاقتداءِ بآثارهم.

فما عزَّت هذه الأمةُ إلا حين كان سلفها قدوتها، ولن يصلحَ آخرها إلا بما صلحَ به أولها. فاجعلوا من سيرتهم منهجَ حياةٍ، ومن فهمهم ضابطًا لكل محدثةٍ، لعلنا نُحشرُ في زمرتهم، ونردُ حوضَ حبيبنا ﷺ. طوبى لمن أحيا قلبه بسيرتهم، وسار على نهجهم في الاعتقاد والعبادة والأخلاق،وجعلهم ميزانَ الفهمِ، لا قصصَ إعجابٍ.

فالخيرُ كلُّ الخيرِ في الاتباعِ،

والشرُّ كلُّ الشرِ في الابتداعِ .

اللهم يا حيُّ يا قيومُ، يا ذا الجلالِ والإكرامِ:

اللهم اجزِ أصحابَ نبينا عنا خيرَ الجزاء، اللهم ارفع درجاتهم في المهديين، واجعلنا لآثارهم من المقتدين، وبمنهجهم من المستمسكين.

اللهم احشرنا في زمرتهم، ولا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واجمعنا بهم في جناتِ النعيمِ مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

اللهم حبب إلينا الإيمانَ وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفرَ والفسوقَ والعصيانَ، واجعلنا من الراشدين على فهمِ سلفنا الصالحِ.

اللهم احفظ ألسنتنا من الطعنِ فيهم، وقلوبنا من الغلِّ عليهم، واجعلنا ممن قال فيهم سبحانك: {وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ}.

اللهم أصلح أحوالَ المسلمين، وردهم إلى دينك ردًا جميلًا. امين