رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مفهوم الخصوصية ومكانتها

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مفهوم الخصوصية ومكانتها

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مما لاشك فيه أن الخصوصية ليست مجرد ترفٍ فكري أو مصطلح قانوني حديث، بل هي أصلٌ أصيل في الشريعة الإسلامية، تضرب بجذورها في أعماق “مقاصد الشريعة” لحفظ العرض والنفس والمال. إنها ليست مفهوماً طارئاً ولا قيمةً دخيلة، بل هي ضرورةٌ إنسانيةٌ تحفظ كرامة الفرد، وتصون حرمة البيوت، وتمنع تفكك المجتمعات، وتغلق أبواب الفساد، وتشيع الطمأنينة بين الناس.

وقد اعتنى الإسلام بالخصوصية عنايةً بالغة، فجعلها حقًّا شرعيًّا، وواجبًا أخلاقيًّا، وسياجًا واقيًا من الانحراف والعدوان، وهي الحق في التواري عن أعين الناس، والحق في حماية الأسرار، والحق في التملك المعنوي للمساحات الشخصية.

⚫ أولاً: مفهوم الخصوصية وأهميتها ومكانتها .

* تعريف الخصوصية:

هي صيانة أسرار الإنسان، وحماية شؤونه الخاصة، ومنع التعدي على حياته الشخصية، قولاً أو فعلاً أو نظراً أو استماعاً.

* مكانة الخصوصية الإسلام:

لقد قرر الإسلام هذا الحق باعتباره جزءاً من تكريم الإنسان، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [سورة الإسراء: 70]. فالكرامة الإنسانية لا تستقيم مع التطفل، ولا مع التجسس، ولا مع انتهاك الأسرار.

إنها منهج شرعي متكامل يهدف إلى تنقية المجتمع من الشوائب الأخلاقية.

⚫ ثانياً: الخصوصية المكانية وحرمة البيوت

تعتبر البيوت هي القلعة الأولى للخصوصية، وقد أحاطها الإسلام بسياج متين من التشريعات التي تمنع انتهاكها سواء بالنظر أو بالدخول المفاجئ.

* الاستئذان: مفتاح الخصوصية الشرعي

لقد جعل الله الاستئذان واجباً شرعياً، ليس فقط لدخول بيوت الآخرين، بل حتى داخل البيت الواحد في أوقات معينة.

* قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النور: 27]. فربط الله بين الاستئذان والسلام؛ لأن الاستئذان احترام، والسلام أمان.

* عن سهل بن سعد الساعدي، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ»

واصله « اطَّلَعَ رَجُلٌ مِن جُحْرٍ في حُجَرِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ومع النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مِدْرًى يَحُكُّ به رَأْسَهُ، فَقالَ: لو أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ به في عَيْنِكَ، إنَّما جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِن أجْلِ البَصَرِ. 📚البخاري، ومسلم.

* حكمة الاستئذان والرجوع:

قال تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ﴾ [سورة النور: 28]. أي أطهر للقلوب، وأبعد عن الريبة، وأحفظ للخصوصية.

* العقوبة المغلظة لانتهاك حرمة النظر:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لَوْ أَنَّ امْرَأً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ أو بعَصاةٍفَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ» 📚أخرجه البخاري، ومسلم📚

وهذا الحديث يوضح مدى عظمة حرمة البيوت وخصوصيات الناس.

⚫ ثالثاً: تحريم التجسس والتحسس وتتبع العورات

التجسس هو البحث عن العورات والمعايب، وهو معول هدم للثقة الاجتماعية وثمرة لسوء الظن.

* قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ۖ وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [سورة الحجرات: 12].

* وعن أبي هريرة ،قال رسول الله ﷺ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَجَسَّسُوا…» 📚البخاري، ومسلم.📚

*وعن عبدالله بن عمر قال : «صعد رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم المنبر فنادَى بصوتٍ رفيعٍ فقال يا معشرَ من أسلمَ بلسانهِ ولم يُفضِ الإيمانُ إلى قلبهِ ، لا تُؤذُوا المسلمينَ ولا تُعيّروهُم ولا تَتّبعوا عوراتهِم ، فإنه من يتبِعْ عورةَ أخيهِ المسلمِ تتبعَ اللهُ عورتَهُ ، ومن يتبعِ اللهُ عورتهُ يفضحْه ولو في جوفِ رحلهِ»

📚أخرجه الترمذي واللفظ له، وابن حبان، وأبو الشيخ في ((التوبيخ والتنبيه)).📚

⚫ رابعاً: الخصوصية المعنوية (الأسرار، المجالس، والعلاقات)

الكلمة أمانة، والمجالس لها حرمة لا يجوز إفشاؤها.

* حفظ السر من الإيمان:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال ﷺ: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ» 📚أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد📚

فمجرد الالتفات دليل ضمني على طلب الكتمان.

* أشد الخصوصيات حرمة (السر الزوجي):

يعتبر إفشاؤه خيانة عظمى للميثاق الغليظ.

عن أبي سعيد الخدري

قال ﷺ: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» 📚مسلم.📚

* خصوصية النظر والصوت:

* غض البصر: قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [سورة النور: 30]. فالنظر اقتحام صامت للخصوصية.

* حرمة استراق السمع: وعن عبدالله بن عباس

قال ﷺ: «مَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

📚البخاري.📚

والآنك هو الرصاص المذاب، وهي عقوبة شديدة تدل على شناعة الفعل.

⚫ خامساً: الخصوصية في العصر الرقمي (الرسائل والبيانات)

في هذا العصر، امتدت الخصوصية لتشمل الهواتف، والرسائل الإلكترونية، والحسابات الشخصية، وهي تأخذ حكم “البيوت” و”الأسرار”.

* الصور والمحادثات: كل ما يُنشر بغير إذن صاحبه يدخل في باب الظلم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة آل عمران: 57].

* حرمة الاطلاع على الرسائل:

عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ». رواه أبو داود.

والمقصود من هذا الحديث أن يجتنب المسلم البحث عن أسرار الآخرين ونشرها كما يحذر النظر إلى النار؛ قال الإمام ابن الأثير في “النهاية في غريب الحديث والأثر” هذا تمثيلٌ: أي كما يحذر النار فليحذر هذا صنيع. وقيل: معناه: كأنما ينظر إلى ما يوجب عليه النار، ويحتمل أنه أراد عقوبة البصر؛ لأن الجناية منه كما يعاقب السمع إذا استمع إلى حديث قومٍ وهم له كارهون، وهذا الحديث محمولٌ على الكتاب الذي فيه سِرٌّ وأمانةٌ يَكره صاحبُهُ أن يُطَّلَعَ عليه. وقيل: هو عامٌّ في كل كتاب] اهـ.

ويفهم منه أيضًا أن الإنسان إذا اطلع على سرٍّ لغيره مكتوب في ورقة أو في كتاب خاص لزمه عدم الإفصاح لغيره على ما اطلع عليه؛ قال الإمام شهاب الدين الرملي في حاشيته على “أسنى المطالب في شرح روض الطالب” (2/ 479، ط. دار الكتاب الإسلامي): [ولو كان فيه -أي الكتاب- سِرٌّ لم يجز للمكتوب إليه إذاعته، وإطلاع الغير عليه ولا على الصحيفة؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ» رواه أبو داود، ولو قرأ المكتوبُ إليه الكتابَ وألقاه أو وُجِدَ في تركته لم تَحِلَّ أيضًا قراءتُهُ؛ لاحتمال أن يكون فيه سِرٌّ للكاتب لا يحب الاطلاع عليه] اهـ. ومما ذكر يعلم الجواب عن السؤال.

* القاعدة الدينية حديث النبي عن أبو حميد الساعدي قال صلى الله عليه وسلم: ” أَلَا لا تَظْلِموا, أَلَا لا يَحِلُّ مالُ امرِىءٍ إلا بِطِيبِ نفسٍ منه”📚 صحيح: أخرجه أحمد، والروياني في ((المسند))، والبزار، وابن حبان بمعناه.📚

ويدخل في ذلك “المال المعنوي” كالبيانات والصور والرسائل.

⚫ سادساً: ثلاثون مثالاً تطبيقياً للخصوصية في الإسلام .

● (أ) الخصوصية المكانية:

وهي التي تضمن للإنسان حرمة مسكنه وحريته داخل جدران بيته، ليكون آمناً من تلصص الأعين أو اقتحام الغرباء.

• 1. الاستئذان العام: جعل الله البيوت “حَرَماً” لا يجوز اقتحامه إلا بسلام واستئناس، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا﴾، وهذا الاستئناس يرفع الحرج عن أهل البيت ويهيئهم للاستقبال.

• 2. استئذان الأطفال والخدم: حتى أقرب الناس يحتاجون لإذن في أوقات الراحة (الفجر، الظهيرة، بعد العشاء)، لأنها أوقات “عورات” يتحلل فيها المرء من ثيابه الرسمية، لقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ…﴾ [النور: 58].

• 3. استئذان الأبناء البالغين: بمجرد البلوغ، تنتقل الخصوصية من “أوقات معينة” إلى “كل الأوقات”، احتراماً لخصوصية الوالدين، لقوله تعالى : ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ [النور: 59].

• 4. أدب الوقوف على الباب: لكي لا يرى الزائر داخل البيت بمجرد فتح الباب، علمنا النبي ﷺ ألا نقف أمام الباب مباشرة،

عن عبد الله بن بسر قال:

كان رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إذا أتى بابَ قومٍ لم يستقبلِ البابَ من تلقاءِ وجهِه ، ولكن من ركنِه الأيمنِ أو الأيسرِ ، ويقولُ: السلامُ عليكمُ السلامُ عليكمُ وذلك أن الدورَ لم يكن عليها يومئذٍ ستورٌ.📚 صحيح : أخرجه أبو داود، والبيهقي كلاهما بلفظه، وأحمد باختلاف يسير.📚

• 5. الرجوع عند عدم الإذن: لا ينبغي للمرء أن يحزن أو يغضب إذا رُفض دخوله، فلأهل البيت أعذارهم، والرجوع في هذه الحالة “تزكية” للنفس، لقوله تعالى:﴿وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ﴾ [النور: 28].

• 6. تحديد عدد مرات الاستئذان: لحفظ وقت صاحب البيت وهدوئه، حدد الشرع ثلاث مرات ،

عن أبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري

قال ﷺ: “الاستئذانُ ثلاثٌ، فإن أُذِنَ لكَ، وإلا فارجعْ”

📚أخرجه مسلم

صحيح الترمذي📚

• 7. منع التلصص: حرم الإسلام النظر عبر الشقوق أو ثقوب الأبواب، واعتبره اعتداءً جسيماً،

قال ﷺ: “لو أنَّ امرأً اطَّلع عليك بغير إذنٍ، فخذفتَه بحصاةٍ ففقأتَ عينَه، ما كان عليك من جُناحٍ” 📚أخرجه البخاري، ومسلم📚

• 8. خصوصية المضيف: من كرم المضيف ألا يُشعر ضيفه بعبء تحضير الطعام، بل يذهب “خفية” ليعود بالطعام ، كما فعل إبراهيم عليه السلام،قال تعالى : ﴿فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾ [الذاريات: 26]، (راغ: أي ذهب في خفية لئلا يحرج ضيفه).

● (ب) الخصوصية المعنوية والأسرار:

وهي “حرمة الغيب”، أي ما استودعه الناس عندك من كلام أو مواقف أو أمانات.

• 9. كتمان سر الصديق: إذا حدثك شخص والتفت يميناً وشمالاً خوفاً من أن يسمعه أحد، فقد أصبح كلامه أمانة في عنقك،

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال ﷺ: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ بِالْحَدِيثِ ثُمَّ الْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ»

📚أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد📚

• 10. أسرار الفراش: أشد الأسرار حرمة هي العلاقة بين الزوجين، ونشرها من شر الصفات،قال ﷺ: “إنَّ من أشرِّ الناسِ عند اللهِ منزلةً يومَ القيامةِ، الرجلَ يفضي إلى امرأتهِ وتفضي إليه، ثم ينشرُ سرَّها” (رواه مسلم).

• 11. النهي عن النجوى: لئلا يُجرح شعور الحاضرين أو يشكوا في أنهم مادة للحديث،

عن عبدالله بن عمر

قال ﷺ: “إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى اثنان دونَ الثالثِ إلا بإذنِه فإنَّ ذلك يُحزنُه”

📚إسناده صحيح

أخرجه أحمد، والبغوي في ((شرح السنة))📚

• 12. خصوصية الشورى: عندما يطلب أحدهم رأيك، فإنه قد أطلعك على ضعف أو حيرة، لذا وجب الستر، لقوله ﷺ: “المستشار مؤتمن” 📚 أخرجه الترمذي مطولاً باختلاف يسير، والنسائي، وأحمد مختصراً باختلاف يسير. من حديث أبي هريرة .📚

• 13. حفظ وصية الميت: وصية الإنسان بعد موته هي آخر رغباته الخاصة التي تجب حمايتها،

قال تعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: 181].

• 14. ترك ما لا يعني: التدخل في شؤون الآخرين ينقص من كمال الإيمان، عن أبي هريرة قال ﷺ: “من حسنِ إسلامِ المرءِ تركُهُ ما لا يعنيِه” 📚أخرجه الترمذي، وابن ماجه📚

• 15. ستر المعصية: إذا ستر الله عبداً في معصية، فلا يجوز له أن يفضح نفسه،

عن أبي هريرة قال ﷺ:

كلُّ أُمَّتي مُعافًى إلا المجاهرين ، و إنَّ من الجِهارِ أن يعملَ الرجلُ بالليلِ عملًا ثم يُصبِحُ و قد ستره اللهُ تعالى فيقولُ : عملتُ البارحةَ كذا و كذا ، و قد بات يسترُه ربُّه ، و يُصبِحُ يكشفُ سِترَ اللهِ عنه» 📚صحيح: أخرجه البخاري، ومسلم باختلاف يسير.📚

● (ج) الخصوصية الجسدية والبدنية:

حماية الجسد من النظر، والتنمر، والاعتداء المعنوي.

• 16. غض البصر: هو الحاجز النفسي الذي يحمي خصوصية الآخرين في طرقاتهم وبيوتهم،

قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ [النور: 30].

• 17. تحريم التسمع: سماع حديث الناس خلسة دون رضاهم جريمة أخلاقية، عقوبتها في الآخرة كما روي عبدالله بن عباس قال ﷺ: « من استمع إلى حديثِ قومٍ وهم له كارِهونَ صُبَّ في أذنهِ الآنُكُ يومَ القيامةِ»📚إسناده حسن: أخرجه البخاري مطولاً📚

والآنُكُ(الرصاص المذاب).

• 18. الستر عند الاغتسال: حتى في لحظات الطهارة الفردية، يحب الله الستر،

وعن يعلى بن أمية:

أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا يَغْتَسِلُ بالبَرازِ ، فصَعِدَ المنبرَ ، فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه ، وقال : إن اللهَ عزَّ وجلَّ حليمٌ حييٌّ ، سِتِّيرٌ ، يُحِبُّ الحياءَ ، والسِتْرَ ، فإذا اغتسَلَ أحدُكم فلْيَسْتَتِرْ.📚صحيح النسائي، وأخرجه أبو داود، والنسائي واللفظ لهما، ووكيع في ((الزهد)) مختصرًا.📚

• 19. خصوصية لباس المرأة: اللباس في الإسلام ليس مجرد قماش، بل هو حماية لهوية المرأة وخصوصية جسدها، قال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31].

• 20. ستر عيوب الجسد: السخرية من شكل الإنسان أو جسده انتهاك لخصوصيته التي خلقه الله عليها، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا سَخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ﴾ [الحجرات: 11].

● (د) الخصوصية المالية والرقمية:

تشمل حماية الثروة، البيانات، والمراسلات الخاصة.

• 21. حرمة الرسائل: النظر في رسائل الآخرين (سواء ورقية أو إلكترونية) هو خيانة للأمانة،

قال ﷺ: “من نظر في كتابِ أخيه بغيرِ إذنِه، فإنما ينظرُ في النارِ” رواه أبو داود.

• 22. ملكية المال والبيانات: لا يحق لأحد التصرف في مالك أو معلوماتك المالية دون رضاك،

عن أبو حميد الساعدي قال صلى الله عليه وسلم: ” أَلَا لا تَظْلِموا, أَلَا لا يَحِلُّ مالُ امرِىءٍ إلا بِطِيبِ نفسٍ منه”

📚 صحيح: أخرجه أحمد، والروياني في ((المسند))، والبزار، وابن حبان بمعناه.📚

• 23. تتبع العورات الرقمية: ينسحب النهي عن التجسس في القرآن ليشمل كل أدوات التكنولوجيا، قال تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: 12]، والنهي عام يشمل التجسس المادي والرقمي

• 24. خيار المجلس:

أعطى الشرع المتبايعين مساحة من الوقت للتراجع والتدبر بخصوصية قبل إتمام العقد،وعن حكيم بن حزام قال ﷺ:”

الْبَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، فإنْ صَدَقا وبَيَّنا بُورِكَ لهما في بَيْعِهِما، وإنْ كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكَةُ بَيْعِهِما”.

📚 أخرجه البخاري، ومسلم📚

● (هـ) الأدب الاجتماعي العام:

وهي الذوقيات الرفيعة التي تحفظ للإنسان “مساحته الشخصية” في المواقف المختلفة.

• 25. خصوصية الحزن:

عندما بكى النبي ﷺ على ابنه إبراهيم، لم يقتحم الصحابة عليه لحظته بل قدّروا بشريته وحزنه، مما علمنا احترام لحظات ضعف الآخرين.

عن أسماء بنت يزيد أم سلمة الأنصارية قالت : « لمَّا تُوُفِّيَ ابنُ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إبراهيمُ بَكى رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ لَه المُعزِّي إمَّا أبو بَكرٍ وإمَّا عمرُ أنتَ أحقُّ من عظَّمَ اللَّهُ حقَّهُ قالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ تدمعُ العينُ ويحزنُ القلبُ ولا نقولُ ما يسخطُ الرَّبَّ لَولا أنَّهُ وعدٌ صادقٌ وموعودٌ جامعٌ وأنَّ الآخرَ تابعٌ للأوَّلِ لَوَجَدْنَا عليكَ يا إبراهيمُ أفضلَ ممَّا وجدنا وإنَّا بِك لمحزونونَ» 📚حسن: صحيح ابن ماجه، وأخرجه ابن ماجه واللفظ له، والطبراني📚

دمعت عينا النبي ﷺ، ولم يزد الصحابة على مشاركته الوجدانية دون اقتحام لخصوصية حزنه

• 26. خصوصية المريض:

عيادة المريض سنة، لكن إطالة الجلوس عنده قد ترهقه أو تكشف من حاله ما لا يحب، لذا قال العلماء استرشاداً بالسنة:

وقال طاوس: “أفضلُ العيادةِ أخَفُّها”.

ورواه صاحب الفردوس من حديث عثمان بن عفان مرفوعا “أفضل العيادة أخفها”، وروي من حديث جابر مرفوعا “أفضل العيادة أجرا سرعة القيام من عند المريض”

• 27. كتمان وجهة السفر: لحماية النفس من الحسد أو كيد الأعداء، كان النبي ﷺ يوري (يخفي) وجهته، ففي الحديث

عن كعب بن مالك قال: “

كانَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قَلَّما يُرِيدُ غَزْوَةً يَغْزُوهَا إلَّا ورَّى بغَيْرِهَا، حتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، فَغَزَاهَا رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في حَرٍّ شَدِيدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا ومَفَازًا، واسْتَقْبَلَ غَزْوَ عَدُوٍّ كَثِيرٍ، فَجَلَّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهُمْ، لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، وأَخْبَرَهُمْ بوَجْهِهِ الذي يُرِيدُ.📚صحيح: صحيح البخاري

| التخريج : أخرجه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) بلفظه، ومسلم، وأبو داود بنحوه.📚

• 28. خصوصية الميت: للميت حرمة كما للحي تماماً، فلا يجوز كشف عورته أو كسر عظمه،قال ﷺ: “كسرُ عظمِ الميتِ ككسرِهِ حياً”📚 أخرجه أبو داود، وابن ماجه، وأحمد من حديث عائشة رضى الله عنها📚

• 29. عدم التدخل الزوجي الجائر: الإصلاح بين الزوجين لا يبيح التفتيش في النوايا أو الأسرار التي لم يظهراها، قال تعالى: ﴿فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 34]، أي لا تطلبوا العلل لتفتشوا في بواطن أمورهن.

• 30. المساحة الشخصية في الصلاة: المصلي في خلوة مع ربه، والمرور أمامه انتهاك لهذه الخصوصية، قال ﷺ: “لو يعلمُ المارُّ بين يديِ المصلي ماذا عليهِ، لكان أن يقفَ أربعينَ خيراً لهُ من أن يمرَّ بين يديهِ”

عن أبي جهيم بن الحارث بن الصمة

لو يعلَمُ المارُّ بينَ يديِ المصلِّي ماذا عليهِ لَكانَ أن يقفَ أربعينَ خيرٌ لَه من أن يمرَّ بينَ يدَيهِ

📚أخرجه البخاري، ومسلم📚

⚫ سابعاً: المقاصد الشرعية والآثار المترتبة

المقاصد التربوية:

* تحقيق السكينة: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾، والسكينة لا تكتمل إلا بخصوصية تامة.

* بناء الثقة: عندما يترك الإنسان ما لا يعنيه، يتفرغ للبناء بدلاً من هدم علاقاته بالآخرين.

آثار انتهاك الخصوصية:

* نفسياً: القلق، فقدان الأمان، والارتباك.

* اجتماعياً: تفكك الأسر، انتشار الفتن، وقطع الأرحام.

* دينياً: قسوة القلب، سقوط الهيبة، والتعرض لسخط الله وفضيحة الدارين.

إن الخصوصية في الإسلام ليست ترفاً، بل هي فريضة شرعية وصيانة للكرامة الإنسانية. إن انتهاكها ليس “فضولاً” عابراً، بل معصية توجب التوبة. فليكن شعارنا “الستر”، ومنهاجنا “الاستئذان”، وغايتنا “سلامة الصدر”. فمن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة.

نسأل الله أن يستر عوراتنا، ويؤمن روعاتنا، ويحفظ علينا خصوصياتنا، ويجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين