رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مؤمن اّل ياسين

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مؤمن اّل ياسين

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

إن المتأمل في كتاب الله يجد أن القصص القرآني ليس مجرد سردٍ لتاريخ مضى، بل هو “منهاج حياة” يتجدد بتجدد الزمان. نحن اليوم بصدد الوقوف أمام مشهد عظيم من مشاهد سورة “يس”، قلب القرآن، لنعيش بقلوبنا داخل قرية من قرى التاريخ، “لم يذكر القرآن اسمها ولا مكانها، ليعلمنا أن الهدف من القصص هو أخذ العبرة لا البحث عن المبهمات، فالعلم النافع هو الوقوف مع الحقائق، لا الانشغال بما لا فائدة فيه مما يشتت الذهن.

⚫ التحرك للإصلاح وكمال الرجولة:

• تبدأ أحداث القصة بقريةٍ غارقة في كفرها، فأرسل الله إليها رسولين، فكذبوهما، فعززهما الله بثالث، فاجتمع ثلاثة من المرسلين يدعون لتوحيد الله، لكن أهل القرية واجهوهم بالتهديد والوعيد.. وبتكذيبٍ الرسل الثلاثة ، وأعرضوا عن دعوتهم، وتوعَّدوهم بالرجمِ والعذابِ الأليم؛ وهنا يبرزُ النموذجُ الفذُّ للرجلِ المؤمن.

⚫ التحرك للإصلاح والانبعاث من “أقصى المدينة”:

• من بعيد، ومن أبعد نقطة في تلك القرية، ظهر شخصٌ لم يقف متفرجاً.. وإنما كما قال الله تعالى: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى} [يس: 20].

جاء يسعى،ولم يقف موقف المتفرج، ولم يقل بلسان العجز: “أنا فردٌ واحد أمام طغيان قرية”، بل تحرك بصدقٍ ويقين.

• ومجيئه من “أقصى المدينة” يدل على اهتمامه، فهو لم يشغله محيطه الضيق عن هموم الأمة والدين.

• وكلمة {يَسْعَى} تعكس صورة الحركة الحثيثة والنشاط المتوقد، فالإيمان الحقيقي لا يعرف الخمول، بل هو طاقة دافعة للتغيير والإصلاح.

• وتنكير كلمة (رجل)„ يوحي بعظمة الفعل لا شهرة الفاعل. فالرجولة ليست بالذكورة البيولوجية، بل بالمواقف الإيمانية فهو رجل كامل في رجولته لأنه آثر الحق على الخلق، ولم ينتظر جاهاً ولا سلطاناً.

• إن قيمة المرء تكمن فيما يحسنه من العمل وفي صدق توجهه لخالقه.

⚫ أدب الخطاب والشفقة على الخلق: فقه الدعوة ومقاصدها

• حين وقف هذا الرجل أمام قومه الغاضبين، لم يواجه طغيانهم بعنف لفظي، بل استعمل أساليب الخطاب الودودة التي تفتح مغاليق القلوب.

​● النداء بالمحبّة وكظم الغيظ:

خاطبهم بأرقّ عبارة: {يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20].

• ناداهم بلفظ “يا قوم” ليذكرهم بالصلة والرحم، مؤكداً أنه منهم ولهم، وأنه لا يريد بهم إلا الخير.

• وهنا نأخذ درساً في “فقه الصبر” وكظم الغيظ؛ فالدعوة رحمة مهداة، وليست وسيلة للتشفي أو إظهار الاستعلاء.

● استحضار النماذج النبوية في الشفقة:

إن حال هذا الرجل يذكرنا بحال النبي صلى الله عليه وسلم حين آذاه قومه فكان يقول: “اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون”

⚫ براهين الصدق والترفع عن حطام الدنيا.

​انتقل الرجل من العاطفة إلى الحجة العقلية والمنطقية ليقنع قومه بصدق هؤلاء الرسل، مستخدماً برهانين عظيمين:

● البرهان الأول: الترفع عن الأجر الدنيوي:

قال لهم: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [يس: 21].

• من أعظم دلائل الصدق أن يبذل الداعية جهده دون انتظار مقابل مادي. فالإخلاص هو العملة التي تُقبل بها الدعوات.

● البرهان الثاني: نداء الفطرة والتوحيد:

خاطب فطرهم حين قال عن نفسه ليكون أقرب لنفوسهم: {وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [يس: 22].

• فالمستحق للعبادة هو الخالق الرازق الذي إليه المرجع والمآل، أما الآلهة المزعومة فلا تملك كشف ضر ولا شفاعة. {أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ [يس: 23].

⚫ الوفاء حتى بعد الرحيل: مشهد الشهادة والنعيم

​حين بلغت الكراهية بقلوب الكفار مداها،

لم يحتملوا صدق قوله،

ولم يجدوا رداً على الحجة إلا البطش، فقاموا إليه وقتلوه غدراً. ولكن، هل كانت هذه هي النهاية؟

لا ، في اللحظة التي لفظ فيها أنفاسه، قيل له: {ادْخُلِ الْجَنَّةَ} [يس: 26].

• فهذه هي”البشرى” التي وعد الله بها عباده الصالحين، كما في قوله تعالى: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} [آل عمران: 169].

​● النصح ميتاً كما نصح حياً:

​لم يقل هذا الرجل “اللهم انتقم منهم”، بل قال بقلبٍ صافٍ: {يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي}.

لم يحمل هذا الرجل معه إلى الدار الآخرة غلاً ولا حقدًا، بل قال بقلبٍ مفعم بالرحمة: { يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ} [يس: 26-27].

• يا لعظمة هذا قلب! يتمنى لو أن الذين قتلوه يعلمون ما هو فيه من النعيم ليؤمنوا ويغفر لهم.

• لقد ظل ناصحاً لهم حتى وهو ينعم في دار الكرامة، وهذا هو غاية الوفاء لمنهج الأنبياء.

⚫ عاقبة الاستكبار وحقيقة النصر والتمكين .

​بعد استشهاد هذا الرجل، ظن أهل القرية

أنهم انتصروا، وأخمدوا صوت الحق، لكن سنن الله لا تتبدل، فغضب الجبار لأوليائه.

● الهلاك بصيحة واحدة:

يقول الله تعالى: {وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ} [يس: 28-29].

• لم يستحق هؤلاء جيوشاً من الملائكة، فقدرهم عند الله أحقر من ذلك، بل كانت صيحة واحدة أطفأت جمر كبرهم وجعلتهم كالحطب المحترق.

● التمكين للنصر:

قد يتساءل البعض: أين التمكين والرسل كُذّبوا والمؤمن قُتل؟ والجواب يكمن في “فهم مقاصد الابتلاء”:

• إن تبليغ الدين والثبات على المبدأ هو أعلى صور التمكين .

• الرسل انتصروا لأنهم أدوا “البلاغ المبين”، والرجل انتصر لأنه نال رضوان الله والجنة،

​والقرية هي الخاسرة لأنها هلكت بظلمها وبمعاصيها

⚫ الخاتمة: رسائل ودروس مستفادة

عباد الله، إن قصة “رجل أقصى المدينة” تصرخ فينا عبر الأجيال بمجموعة من الحقائق:

● أولاً: خطورة الذنوب على المجتمعات:

المعاصي هي سبب النكبات، كما قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30].

وعن ثوبان مولى: ” إنَّ العَبدَ ليُحرَمُ الرِّزقَ بالذَّنبِ يُصيبُه، ولا يَرُدُّ القَدَرَ إلَّا الدُّعاءُ، ولا يَزيدُ في العُمُرِ إلَّا البِرُّ.

​● ثانياً: كن “رجلاً يسعى”:

لا تحتقر من المعروف شيئاً، ولا تقل ماذا عساي أن أفعل؟ بل كن داعية بصدقك، بخلقك، وبعملك.

​● ثالثاً: التحذير من معاداة الأولياء:

​تذكروا الحديث القدسي العظيم،عن أبي هريرة:

يقولُ اللهُ تعالى : من عادى لي وليًا فقد بارزني بالمحاربةِ ، وما تقرب إليّ عبدي بمثلِ أداءِ ما افترضته عليه ، ولا يزالُ عبدي يتقربُ إليّ بالنوافلِ حتى أحبَّه ، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به وبصرَه الذي يُبصِرُ به ويدَه التي يَبطشُ بها ورجلَه التي يمشي بها ، فبي يسمعُ وبي يُبصرُ وبي يَبطشُ وبي يمشي ، ولئن سألني لأُعطينه ولئن استعاذني لأُعيذنه ، وما ترددت في شيءٍ أنا فاعلُه ترددي في قبضِ نفسِ عبدي المؤمنِ يكرهُ الموتَ وأكرهُ مساءتَه ولابدَّ له منه”

فموت هذا الرجل المؤمن كان إيذاناً بهلاك هذه الأمة الظالمة.

نسأل الله أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأن يرزقنا صدق هذا الرجل وإخلاصه.