
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن شهادة المرأة في الإسلام
بقلم \ المفكر العربى الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
يتوقَّف الحكم في مختلف القضايا بين الناس على شهادة الشهود، وما تتم به البينة من أدلة قوية لا يتسرب إليها الاحتمال، تتفاعل جميعها في فكر القاضي، فيصدر حكمه وفقًا للقانون وهو مستريح الضمير.
وهناك أنواع من القضايا لا يتوقف الحكم فيها على مجرد اتفاق عدد من الشهود حول واقعة ما، بل تكون المصداقية متوقفةً على خبرة الشهود ونوعيتهم، لا على عددهم، مثال ذلك: تقارير الطب الشرعي، وخبراء البصمات، ومكافحة التزييف…. إلخ، والله يقول: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [فاطر: 14].
ومن هنا تنوعت المواقف بالنسبة لشهادة المرأة:
1 – فهناك مواقف تكون فيها شهادة المرأة كشهادة الرجل تمامًا:
وفي هذا يقول الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت: “نص القرآن على أن المرأة كالرجل – سواءً بسواء – في شهادات اللعان، وهو ما شرعه القرآن بين الزوجين حينما يقذف الرجل زوجته وليس له على ما يقول شهود:
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ ﴾ [النور: 6 – 9].
“أربع شهادات من الرجل يعقبها استمطار لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويقابلها ويُبطِل عمَلها أربعُ شهادات من المرأة يعقبها استمطار غضب الله عليها إن كان من الصادقين” [1].
2 – وهناك مواقف تكون فيها شهادة امرأتين مكافئةً لشهادة رجل:
وذلك في مقام المعاملات المالية والتِّجارية، ومعاملات الأسواق، وما إلى ذلك، ولقد جاء هذا في آية الدَّيْنِ التي تعتبر أطولَ آية في القرآن:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 282].
يقول الشيخ محمود شلتوت: “المقام مقام استيثاق على الحقوق، لا مقام قضاء بها، والآية ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذي تطمئن به نفوسُ المتعاملين على حقوقها، وليس معنى هذا أن شهادة المرأة الواحدة، أو شهادة النساء اللاتي ليس معهن رجل، لا يثبُت بها الحق ولا يحكُم بها القاضي؛ فإن أقصى ما يطلبه القضاء هو البينة، وقد حقق العلامة ابن القيم أن البينة في الشرع أعم من الشهادة، وإن كل ما يتبين به الحق ويظهره هو بينة يقضي بها القاضي ويحكم، ومن ذلك يحكم القاضي بالقرائن القطعية، ويحكم بشهادة غير المسلم متى وثق بها واطمأن، والآية جاءت على ما كان مألوفًا من شأن المرأة – ولا يزال أكثر النساء كذلك – لا يشهَدْن مجالس المداينات، ولا يشتغلن بأسواق المبايعات، واشتغال بعضهن بذلك لا ينافي الأصل الذي تقضي به طبيعتها في الحياة”.
3 – وهناك مواقف تكفي فيها شهادة المرأة وحدها:
يقول الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت: “نص الفقهاء على أن من القضايا ما تقبل فيها شهادة المرأة وحدها، وهي القضايا التي لم تجرِ العادة باطلاع الرجال على موضوعاتها؛ كالولادة، والبكارة، وعيوب النساء في القضايا الباطنية.
يقول الحق سبحانه:
﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾ [البقرة: 228].
فهذه من المواقف التي تُقبَل فيها شهادة المرأة وحدها؛ اعتمادًا على صدق إيمانها، واستثارة للوازع الديني، وازع الضمير اليقظ.
“ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن؛ لأنه أمر لا يُعلَمُ إلا من جهتهن، ويتعذر إقامة البينة غالبًا على ذلك، فرد الأمرَ إليهن، وتوعدهن فيه لئلا يخبرن بغير الحق، إما استعجالاً منها لانقضاء العدة، أو رغبةً منها في تطويلها؛ لِما لها في ذلك من المقاصد” [2].
________________________________________
[1] المرجع السابق ص 241.
[2] المرجع السابق ص 239 – 240.
