رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه الإستهلاك

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن فقه الإستهلاك

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

إنَّ المتأمل في نصوص الشريعة يجد أنها لم تترك جانباً من جوانب الحياة إلا وهذّبته، ومن أعظم ذلك “فقه الاستهلاك” الذي لخّصه النبي ﷺ في كلمات معدودات، هي أصلٌ في الطب، وقاعدة في الزهد، ومنهج في العبادة.

⚫ أولاً: نص الحديث الشريف ومكانته التشريعية.

* عن المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مَلَأ آدَمِيٌّ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ أُكُلَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ: فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ» 📚 الترمذي، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وحسنه الحافظ في الفتح.

• هذا الحديث يمثل قاعدة “الوقاية خير من العلاج” في أسمى صورها.

قال ابن رجب: هذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا من الأمراض والأسقام، ولتعطلت دكاكين الصيادلة 📚 جامع العلوم والحكم.

وذلك لأن أصل كل داء التخمة .

* وقال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الحمية رأس الدواء والبطنة رأس الداء؛ قال الغزالي: ذُكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة، فقال: ما سمعت كلامًا في قلة الأكل أحكم من هذا 📚 جامع العلوم والحكم؛ وفتح الباري. فالبطن هو بيت الداء، والحمية رأس الدواء، والإسراف فيه ليس مجرد سرف مالي، بل هو جناية على الروح والبدن.

⚫ ثانياً: التحذير من الامتلاء (البطن كوعاء شر)

* بدأ النبي ﷺ بوصف البطن المملوء بأنه “وعاء شر”، وذلك لأن الشبع المفرط يورث الكسل، ويثقل البدن عن الطاعات، ويقسي القلب، ويهيج الشهوات.

● الأصل القرآني للاعتدال:

– إن الله عز وجل أباح الطيبات، لكنه وضع لها حداً هو “عدم الإسراف”، لقوله تعالى:

﴿۞ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].

● الآثار التعبدية للامتلاء:

• ثقل الطاعة:

* من ملأ بطنه استولى عليه النوم، ومن كثر نومه ضاع عمره.

• قسوة القلب:

إن البطن إذا شبع جاعت الجوارح (أي تحركت نحو الشهوة)، وإذا جاع البطن شبعت الجوارح وسكنت.

⚫ ثالثاً: مراتب الغذاء في السنة النبوية

قسّم الحديث مراتب الغذاء إلى ثلاث مراتب، لكل منها فقه وحكم:

⚫ المرتبة الأولى: مرتبة “الضرورة والكفاية” (لقيمات يقمن صلبه):

* وهي القدر الذي يحفظ الحياة ويمنع الضعف،

* واستخدام صيغة التصغير “لقيمات” فيه إشارة إلى القلة التي لا تصل إلى حد الشبع المترهل.

• إن هذا الحديث فيه الحث على الاقتصاد وعدم الإسراف، قال تعالى: {يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين (31)} [الأعراف].

• إن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ذكر أن اللقيمات تكفي لحاجة الجسم فلا تسقط قوته ولا تضعف معها، فإن تجاوزها فليأكل في ثلث بطنه، ويدع الثلث الآخر للماء، والثالث للنفس وهذا أنفع ما للبدن وللقلب، فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب، فإذا ورد عليه الشراب ضاق عن النفس، وعرض له الكرب والتعب، بمنزلة حامل الحمل الثقيل، هذا إلى ما يلزم ذلك من فساد القلب، وكسل الجوارح عن الطاعات، وتحركها في الشهوات التي يستلزمها الشبع 📚 انظر: الطب النبوي.

ويلاحظ هذا جيدًا في رمضان، فإن من يكثر من تناول الطعام في فطوره، فإن صلاة العشاء والتراويح تصبح ثقيلة عليه

• وقد استدل العلماء على أن حفظ النفس واجب شرعي، فمن ترك الأكل حتى هلك فقد عصى، ومن أكل ما يقيم صلبه فقد أدى الواجب.

⚫ المرتبة الثانية: مرتبة “الحاجة والاعتدال” (فثلث لطعامه وثلث لشرابه):

وهذا هو الحد الأعلى للمؤمن السوي، أن يجعل معدته أثلاثاً.

• ففي الصحيحين من حديث أبي موسى رضي اللهُ عنه: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «الْمُؤْمِنُ يَاكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ، وَالْكَافِرُ يَاكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ» 📚 مسلم، وصحيح البخاري.

• الشاهد هنا أن المؤمن يدفعه إيمانه عن الابتعاد عن النهم، بينما الكافر لا همَّ له إلا إشباع غريزته.

، والمراد أن المؤمن يأكل بأدب الشرع فيأكل في مِعًى واحد، والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشَّرَه والنهم فيأكل في سبعة أمعاء؛ وندب صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مع التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه، روى البخاري ومسلم من حديث جابر بن عبد اللَّه رضي اللهُ عنه: أن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «طَعَامُ الْوَاحِدِ يَكْفِي الاثْنَيْنِ، وَطَعَامُ الاثْنَيْنِ يَكْفِي الأَرْبَعَةَ، وَطَعَامُ الأَرْبَعَةِ يَكْفِي الثَّمَانِيَةَ» 📚 مسلم، وصحيح البخاري واللفظ لمسلم.

• إن في تقليل الطعام منافع كثيرة للجسم، فمن ذلك: رقة القلب، وقوة الفهم، وانكسار النفس، وضعف الهوى والغضب، وكثرة الأكل توجب ضد ذلك.

قال المروذي: جعل أبو عبد اللَّه – يعني الإمام أحمد بن حنبل – يعظم الجوع والفقر، فقلت له: يؤجر الرجل في ترك الشهوات؟ فقال: وكيف لا يؤجر وابن عمر يقول: ما شبعت منذ أربعة أشهر؛ قلت لأبي عبد اللَّه: يجد الرجل من قلبه رقة وهو يشبع؟ قال: ما أرى؛ قال الشافعي: الشبع يثقل البدن ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة

📚 جامع العلوم والحكم.

⚫ المرتبة الثالثة: مرتبة “الفضل والاتساع”:

وهي ما زاد عن الثلث، وهو مكروه عند الفقهاء لغير مصلحة، لأنه يؤدي إلى التخمة.

• وكثرة الأكل تسبب أمراضًا للبدن، قال ابن القيم رحمه الله: الأمراض نوعان: أمراض مادية تكون عن زيادة مادة، أفرطت في البدن حتى أضرَّت بأفعاله الطبيعية وهي أكثر الأمراض، وسببها إدخال الطعام على البدن قبل هضم الأول، والزيادة في القدر الذي يحتاج إليه البدن، وتناول الأغذية القليلة النفع، البطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التراكيب المتنوعة؛ فإذا ملأ الآدمي بطنه من هذه الأغذية واعتاد ذلك: أورثته أمراضًا متنوعة، منها بطيء الزوال أو سريعه، فإذا متوسط في الغذاء، وتناول منه قدر الحاجة، وكان معتدلاً في كميته وكيفيته: كان انتفاع البدن به أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير.

قال ابن الرومي:

فَإِنَ الداءَ أكثرُ ما تَََراهُ

يَكونُ مِنَ الطعامِ أو الشرابِ

وقال الشافعي:

ثَلاثٌ هن مُهلِكَةُ الأنامِ

وَدَاعِيَةُ الصحيحِ إلى السِّقامِ

دَوَامُ مَدامَةٍ ودَوَامُ وَطءِ

وإدخَالُ الطعامِ على الطعامِِ

• إن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم كما حثَّ على التقليل من الطعام فإنه كان يفعل ذلك هو وأصحابه وهذا في الغالب، وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام فإن اللَّه لا يختار لرسوله إلا أكمل الأحوال وأفضلها؛ روى الترمذي من حديث ابن عمر رضي اللهُ عنهما قَالَ: تَجَشَّأَ رَجُلٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فَقَالَ: «كُفَّ عَنَّا جُشَاءَكَ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ شِبَعًا فِي الدُّنْيَا أَطْوَلُهُم جُوعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

📚 الترمذي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.

• أن هذا الحديث فيه تعويد على الصبر والتحمل والانتصار على النفس الشهوانية، ولذلك يسمى رمضان شهر الصبر.

⚫ رابعاً: المقصد الشرعي من تقليل الطعام

* ليس الغرض من الحديث التعذيب بالجوع، بل تفرغ القلب للفكر، والبدن للخدمة.

● علاقة الغذاء بالتقوى:

قال تعالى يصف عباده المؤمنين واعتدالهم في كل شؤونهم:

﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67].

فـ “القوام” هو الاعتدال الذي يحفظ القوة دون طغيان.

● التذكير بنعمة الطعام:

– المؤمن يأكل ليستعين بالطعام على شكر المنعم، وليس ليجعل الطعام غاية في ذاته.

• قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» 📚 أخرجه .

⚫ خامساً: الآثار النفسية والاجتماعية للنهج النبوي في الغذاء

● تزكية النفس بالتقليل من الشبع:

* الشبع المستمر يورث الكبر والبطر، أما الجوع الخفيف فيورث الانكسار لله والرحمة بالفقراء.

• ومن هنا شرع الصيام ليذوق الإنسان مرارة الجوع، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

● تحقيق مبدأ المواساة:

– حين يكتفي الإنسان باللقيمات، يفيض الطعام لغيره، وهذا هو جوهر التكافل.

• قال ﷺ : «طَعَامُ الِاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلَاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلَاثَةِ كَافِي الْأَرْبَعَةِ» 📚 أخرجه البخاري ومسلم .

⚫ سادساً: التحذير من عواقب الترف المذموم

لقد حذر القرآن الكريم من أن يكون الهم الأكبر هو “المتاع والبطن”، وجعل ذلك من سمات الغافلين عن لقاء الله.

● الوعيد القرآني للغافلين:

قال تعالى:

﴿… وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ﴾ [محمد: 12].

الفرق الجوهري أن المؤمن يأكل ليعيش، وغيره يعيش ليأكل.

⚫ أدب الأكل في الإسلام:

• التسمية والحمد: لربط الفعل بالخالق.

• الأكل باليمين ومما يلي الإنسان: فعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال: كنت غلاماً في حجر رسول الله ﷺ، وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي رسول الله ﷺ: «يَا غُلَامُ، سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ، وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ» 📚 أخرجه البخاري ، ومسلم .

⚫ الخاتمة:

إن حديث “حسب ابن آدم لقيمات” ليس مجرد نصيحة طبية، بل هو “منهج حياة” يربط استقامة البدن باستقامة الروح. إننا في عصرٍ طغت فيه الماديات، وكثرت فيه أمراض السمنة والترف، نحتاج بشدة للعودة إلى “المائدة النبوية” التي عنوانها: “لقيمات يُقمن الصُّلب”.

● وزبدة الفقه وحصاد القول وملخصه أن حديث “لقيمات” ليس مجرد توجيهٍ لتقليل الطعام، بل هو “دستورٌ متكامل” لبناء الإنسان السوي، ويمكن تلخيص أهم نقاط المحاضرة فيما يلي:

● تحرير الروح من قيد البطن:

إن الشبع المفرط يثقل البدن عن القيام بحق الله، وتقليل الطعام يورث رقة القلب وصفاء الذهن.

● التوازن الأكمل:

* المنهج النبوي لم يأمر بالحرمان (الجوع المنهك) ولم يرضَ بالإسراف (الشبع المهلك)، بل شرع “قواماً” بين ذلك بالثلث الموزون.

● الطب الوقائي:

– إن التزام قاعدة “ثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه” هو الترياق الأنجع لمعظم أمراض العصر المزمنة الناتجة عن التخمة.

● البعد التكافلي:

– القناعة باللقيمات تفتح باب المواساة للمحرومين، فمن كفّ يده عن فضول الطعام بسطها بالصدقة والإطعام.

● العبادة في العادة:

– المؤمن يحول عملية الأكل من عادة غريزية إلى عبادة إيمانية بالنية الصالحة، واتباع الآداب النبوية من تسمية وحمد واعتدال.

⚫🤲 الدعاء 🤲

اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، واجعله عوناً لنا على طاعتك، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا.

اللهم يا حي يا قيوم، يا من رزقتنا من الطيبات وأمرتنا بالشكر، لك الحمد على نعمك التي لا تُحصى، ولك الثناء على فضلك الذي لا يُستقصى.

اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، واجعله عوناً لنا على طاعتك، ولا تجعلنا ممن أذهبتُم طيباتهم في حياتهم الدنيا واستمتعوا بها.

اللهم طهر قلوبنا من الغفلة، وأجسادنا من العلة، ونفوسنا من الشهوة.

اللهم اجعل زادنا القناعة، وشغلنا الطاعة، وهمّنا لقاءك في ساعة الإجابة. نسألك يا ربنا أن تجعل طعامنا قواماً لأبداننا، لا ثقلاً على أرواحنا، وأن ترزقنا من الأدب مع نعمتك ما يوجب لنا رضاك.

اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكّها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النار مصيرنا، واجعل الجنة هي دارنا وقرارنا.

اللهم أطعم كل جائع من المسلمين، واسقِ كل ظامئ، وبارك للأمة في قوتها، واجعلنا من الشاكرين الذاكرين، الراكعين الساجدين، المستغفرين بالأسحار، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.