رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الأخلاق السياسية في الفكر الإسلامي

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الأخلاق السياسية في الفكر الإسلامي

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الأخلاق السياسية في الفكر الإسلامي: بين المثالية والواقعية

لا تُختزل السياسة في صراع المصالح وموازين القوة، كما لا يكفي الاحتكام إلى المبادئ الأخلاقية بمعزل عن تعقيدات الواقع. فالتحدي الحقيقي يكمن في كيفية التوفيق بين ما ينبغي أن تكون عليه السلطة، وما تفرضه ممارستها من اعتبارات عملية.

وقد انشغل الفكر السياسي الإسلامي بهذا الإشكال، محاولًا تحديد العلاقة بين العدل والمصلحة، وبين الالتزام بالقيم ومتطلبات الحكم. فهل استطاع بناء تصور يجمع بين الأخلاق والواقعية؟

1️⃣ الأخلاق بوصفها معيارًا للسلطة

احتلت قيم العدل والأمانة والشورى ورفع الظلم مكانة أساسية في التصور السياسي الإسلامي. فالسلطة ليست مجرد امتلاك لأدوات الإكراه، بل مسؤولية ترتبط بحقوق الرعية وواجبات الحاكم.

وفي هذا السياق، تناول الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية وظائف الإمامة ومسؤولياتها، بينما ربط أبو حامد الغزالي بين انتظام شؤون الدين والدنيا وأهمية السلطة في حفظ النظام العام. وتكشف هذه المقاربات أن استقرار الحكم لا ينفصل عن مسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية.

2️⃣ الواقعية السياسية وحدود الممكن

لم يتعامل الفكر الإسلامي مع السياسة باعتبارها مجالًا تتحقق فيه المبادئ بصورة مثالية دائمًا؛ فقد أدرك مفكروه تعقيدات المصالح، وتفاوت القدرات، وإمكان وقوع التعارض بين البدائل المتاحة.

وتبرز أهمية ابن تيمية في بحثه لقضايا العدل والسياسة الشرعية، بينما يقدم ابن خلدون في المقدمة تحليلًا واقعيًا للعصبية والعمران وتحولات السلطة، موضحًا أثر البنى الاجتماعية في قيام الدول واستمرارها.

كما تتيح القواعد الفقهية المتعلقة بالمصالح والمفاسد إطارًا للنظر في الخيارات السياسية، ومنها قاعدة «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» في مواضع التعارض المعتبر. غير أن تطبيق هذه القواعد يظل مرتبطًا بشروطه وضوابطه، ولا يمنح السلطة مبررًا مفتوحًا لتجاوز المبادئ الأخلاقية.

3️⃣ بين أخلاق الغاية وواقعية الوسيلة

لا تعني الواقعية السياسية التخلي عن القيم، كما لا تعني الأخلاق تجاهل موازين القوة والنتائج المحتملة للقرارات. فالمطلوب هو تقدير الممكن دون تحويل الضرورة إلى ذريعة دائمة، ومراعاة المصالح دون اختزالها في بقاء السلطة أو توسيع نفوذها.

_ وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن تحقيق الاستقرار وحماية المصالح العامة، مع الحفاظ على العدل والمساءلة والحقوق؟

الخلاصة:

لا يصح اختزال الفكر السياسي الإسلامي في مثالية منفصلة عن الواقع، ولا اعتباره نظرية واحدة متجانسة في تبرير السلطة؛ فهو يضم اجتهادات متعددة في مسائل الشرعية والعدل والمصلحة وتدبير الحكم. وتكمن أهميته في إتاحة موارد فكرية تساعد على مساءلة العلاقة بين المبادئ الأخلاقية ومتطلبات الممارسة السياسية، مع ضرورة قراءتها في سياقاتها التاريخية والنقدية.

فالأخلاق تحدد ما ينبغي أن تسعى إليه السلطة، والواقعية تساعد على فهم شروط تحقيقه وحدوده؛ لكن نجاح السياسة لا يُقاس بالفاعلية وحدها، بل كذلك بمدى عدالتها ومشروعيتها.