رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾

فقه الإعداد وقانون السببية

1) الإعداد يبدأ قبل الأزمة، لا عند وقوعها: فالإعداد الحقيقي هو التخطيط قبل الحاجة، والاستعداد قبل وقوع الأزمة، وبناء أسباب القوة في وقت الرخاء قبل أن تأتي ساعة الشدة؛ فالأمم لا تُفاجَأ بالأزمات إلا إذا كانت قد أهملت الاستعداد لها.

2) الإعـداد بذلٌ للوسع، لا انتظارٌ للكمال؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾؛ فالمطلوب أن نبذل ما نستطيع، وأن نتحرك بما نملك من إمكانـات، لا أن ننتظر اكتمال الظروف حتى نبدأ؛ لأن انتظار الكمال قد يكون صورة من صور العجز والتأجيل.

3) الإعداد عملٌ وتخطيط، وليس أماني وشعارات؛ فلا يكفي أن نتمنى النصـر، ولا أن نرفع الشعارات، ولا أن نعتمـد على الحماس والعاطفة وحدهما؛ وإنما لا بد من علمٍ وتخطيطٍ وتنظيمٍ وتدريبٍ وإتقانٍ وعملٍ متواصل.

4) الإسلام دينٌ يحترم قانون السببية: فإنَّ ديننا الإسلامي لا يدعو إلى الرهبانية، ولا إلى الاستسلام للواقع، ولا إلى انتظار المعجزات الخارقة دون سعي وعمل؛ وإنما يربط النتائج بأسبابها، ويأمر الإنسان أن يأخذ بالأسباب ثم يتوكل على الله.

5) الأنبياء قدوتنا في الأخذ بالأسباب؛ فهذا نوحٌ -عليه السلام- يصنع السفينة بأمر الله، وهذا موسى -عليه السلام- يؤمر أن يضرب البحر بعصاه، فيأتمر، وهذه مريم -عليها السلام- يأمرها ربها أن تهزّ جذع النخلة، فتفعل. وهـذا نبينا محمد ﷺ يخطط للهجرة، ويختار الطريق والدليل، ويتخذ وسائل الحماية، ويخطط للغزوات والمعارك، وعلى هذا فإنَّ الإيمان بالغيب لا يعني ترك الأسباب، والتوكل على الله لا يعني إهمال التخطيط.

6) لا تنتظر النتيجة وأنت لم تأخذ بسببها: فإنَّ من سنن الله في الحياة أن من أهمل الأسباب عرَّض نفسه للفشل والإخفاق؛ ولذلك لا يصح أن نطلب النصـر ونحن نهمل مقوماته، ولا النجاح ونحن نرفض العمل من أجله.

7) ﴿وَأَعِـدُّوا لهُم﴾: أمرٌ بالخروج من الفوضى إلى التخطيط، فقوله تعالى: ﴿وَأَعِـدُّوا﴾ يحمل معنى الاستعداد والتخطيط والتنظيم وبذل الأسباب، وفيه رفضٌ للعشوائية، والفوضى، والاتكالية، والأماني الفارغة.

😎 ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾: اعملوا في حدود القدرة، واستفرغوا الوسع، فلم يأمرنا الله بالمستحيل، وإنما قال: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾؛ أي ابذلوا غاية ما تقدرون عليه، وكل إنسان وكل مؤسسة وكل أُمَّة مطالبة أن تستفرغ وسعها في دائرة استطاعتها؛ ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.

9) ﴿مِنْ قُوَّةٍ﴾: القوة ليست صورة واحدة، والقوة التي أمر الله بإعدادها ليست محصورة في جانب واحد، وإنما هي منظومة واسعة من أسباب القوة؛ ومن ذلك:

o قوة الإيمان التي تدفع إلى العمل والثبات.

o القوة العلمية التي تحول المعرفة إلى إنتاج واكتشاف.

o القوة العقلية التي تقوم على التفكير والتخطيط وحسن التدبير.

o القوة البدنية التي تحفظ صحة الإنسان وقدرته على العمل.

o القوة التقنية والتكنولوجية التي تمنح الأمة القدرة على المنافسة وصناعة المستقبل.

o القوة السلوكية والأخلاقية التي تضبط حركة الإنسان والمجتمع.

o قوة الوحدة والأخوة التي تجمع الطاقات ولا تبددها في الخصومات.

o القوة الاقتصادية التي تحفظ استقلال القرار وتدعم البناء.

o القوة العسكرية والدفاعية التي تحمي الوطن وتردع المعتدي وتحفظ الأمن.

10) القوة في الإسلام محكومة بالأخلاق: فليست العبرة بأن نمتلك القوة فقط؛ وإنما العبرة أيضًا بكيفية استخدامها؛ ولذلك نقول: أخلاق القوة، وقوة الأخلاق. ولا قوة بلا عدل، ولا إعداد بلا مسؤولية، ولا قدرة تبرر الظلم أو العدوان.

11) النصر ليس بالعاطفة وحدها، فإنّ بناء الشعوب ونهضتها كما أن نصـر الفرد والمجتمع، ونصـر الدولة في حماية رسالتها ومصالحها؛ كل ذلك لا يقوم على العاطفة وحدها، وإنما يحتاج إلى أسباب مادية وعلمية وعقلية وتنظيمية وأخلاقية.

وختامًا:

فهذه هي معادلة الإعداد

إيمانٌ يـدفع إلى العمل، وعلمٌ يتحول إلى إنتاج، وعقلٌ يتحرك نحو التخطيط، وقوةٌ تتحول إلى حمايةٍ وبناء، ووحدةٌ تتحول إلى تعاونٍ وتكامل، ووطنٌ يتحول حبُّه إلى مسؤوليةٍ وعطاء. فهذه هي روح قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ فلا تنتظِرُوا النصـر بلا إعـداد، ولا النجاح بلا عمل، ولا النتائج بلا أسباب؛ خذوا بالأسباب، وابذلوا الوسع، وأحسنوا التدبير، ثم توكَّلوا على الله.