
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن دعوة إبراهيم وبشارة عيسى.. الجذور الروحية للنبوة الخاتمة
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
دعوة إبراهيم وبشارة عيسى.. الجذور الروحية للنبوة الخاتمة
—————————-
١.الحدث:
#لم يكن بزوغ فجر النبوة المحمدية نبتةً ظهرت فجأة في صحراء التاريخ، بل كان ثمرةً يانعةً لشجرةٍ مباركةٍ ضاربة بجذورها في أعماق الزمن. لقد كان هذا الحدث الكوني العظيم استجابةً لدعاءٍ حارٍ رفع إلى السماء قبل آلاف السنين، وتحقيقاً لبشارةٍ كريمةٍ رددتها الجبال والوديان قبل قرون.
#في قلب وادٍ غير ذي زرع، وقف الخليل إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل يرفعان قواعد البيت العتيق. وسط تلك الصحراء القاحلة، لم يكن إبراهيم يطلب لنفسه جاهاً ولا ملكاً، بل رفع يديه متضرعاً بمشروعٍ روحيٍ يمتد لأجيال لم تخلق بعد، هاتفاً من أعماق قلبه: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾ (1).
#استجابت السماء، وكتب في اللوح المحفوظ أن هذا الرسول سيكون مسك الختام، ومن نسل هذا الغلام الذي يبني الكعبة.
ولأن النبي ﷺ كان يدرك تماماً هذه الجذور الروحية، ويشعر بالامتداد التاريخي لرسالته، فقد لخص هذا المشهد المهيب في جملة واحدة حين سأله أصحابه عن بدء أمره، فقال: “أنا دعوةُ أبي إبراهيمَ، وبشرى عيسى عليهما السلامُ، ورأتْ أمي حين حملتْ بي أنه خرج منها نورٌ أضاءتْ له قصورُ الشامِ” (2)
#لم يكن محمد ﷺ منقطعاً عن سياق السماء، بل كان الخاتم الذي وضع في سلسلة الأنبياء ليكتمل به بنيان الهداية، وتتصل به مكة ببيت المقدس، وتتوحد به رسالات السماء في نهر واحد يصب في بحر التوحيد والرحمة(3).
————————–
٢.دروس خالدة لواقعنا المعاصر:
من هذا المشهد التاريخي والروحي العميق، نستلهم خمسة دروس تتجاوز حدود الزمن لتلامس واقعنا اليومي:
1. أثر الدعاء الممتد.. لا تستعجل الإجابة (البعد الروحي):
#الدرس: دعا إبراهيم عليه السلام ربه، ولم تستجب دعوته في حياته ولا في حياة أبنائه المباشرين، بل تحققت بعد آلاف السنين بميلاد محمد ﷺ. السماء لا تنسى الدعاء الصادق، ولكنها تدخره للوقت الأنسب.
#إسقاط معاصر: كم مرة رفعتَ يديك طالباً شفاءً، أو رزقاً، أو صلاحاً لأبنائك، ثم يئست لأن الإجابة تأخرت؟
يعلمنا هذا المشهد أن الدعاء لا يضيع؛ قد يدخر لك ليدفع عنك بلاءً خفياً، أو ربما تظهر ثمرته في أحفادك بعد رحيلك. الأم التي تدعو لصغيرها العاصي بالهداية، قد لا ترى صلاحه اليوم، لكن دعوة صادقة منها قد تصنع منه أو من ذريته مصلحاً عظيماً يوماً ما. لا تتوقف عن الدعاء، فمفعوله عابر للزمن.
———————
2. العمل للمستقبل.. اغرس ولو في الصحراء (البعد التربوي والإيجابي):
#الدرس: بنى إبراهيم الكعبة في صحراء خالية من البشر، وهو لا يدري من سيطوف بها. كان يعمل للمستقبل بيقين تام أن الله سيبارك هذا الجهد المتواضع.
#إسقاط معاصر: في أوقات الأزمات الاقتصادية أو الانحدار الأخلاقي، قد يشعر المربي أو المعلم بالإحباط ويقول: “وما جدوى ما أفعله وسط هذا الفساد؟”.
#السيرة تقول لك: ابنِ “كعبتك” في صحراء واقعك. غرسك لقيمة الصدق في طفلك، أو إتقانك لعملك وسط بيئة محبطة، هو بناء للمستقبل. اعمل ما عليك بيقين، ودع ثمار مشروعك للأجيال القادمة التي ستحصد ما زرعته بصمتك.
———-
3. ثقافة “التبشير” وصناعة الأمل (البعد النفسي):
#الدرس: لم يكتفِ عيسى عليه السلام بإصلاح حاضره، بل كان “مبشراً” يزرع الأمل في نفوس أتباعه بأن القادم أفضل، وأن هناك نوراً عظيماً سيشرق.
#إسقاط معاصر: مجتمعاتنا اليوم غارقة في ثقافة “التنفير” ونشر الإحباط والأخبار السلبية التي تسلب الناس طاقتهم. نحن بحاجة ماسة لتبني منهج المسيح والنبي ﷺ في “التبشير”. كن مبشراً في بيتك وعملك؛ بث الأمل في نفس صديقك المهموم، طمئن المكروب بأن الفرج قريب. الكلمة الطيبة التي تزرع بها الأمل في قلب إنسان محبط هي اقتداء حقيقي بمنهج الأنبياء.
———————
4. الانتماء لمشروع عظيم.. أنت لست مقطوع الجذور (البعد الفكري):
#الدرس: ربط النبي ﷺ نفسه بإبراهيم وعيسى ليعلم أمته أنهم جزء من قصة عظيمة ممتدة، وليسوا مجرد طارئين على التاريخ. هذا الشعور بالانتماء يمنح الإنسان صلابة في مواجهة التحديات.
#إسقاط معاصر: يعاني الكثير من الشباب اليوم من “الاغتراب النفسي” والشعور بالتفاهة والضياع وسط عالم مادي سريع الاستهلاك. تذكير الشاب والفتاة بأنهما ينتميان لـ “أمة اقرأ”، وأنهما الامتداد الطبيعي لدعوة الخليل وبشارة المسيح وتضحيات الصحابة، يعيد لهما بوصلة المعنى. أنت لست ذرة هائمة في الفراغ؛ أنت حلقة في سلسلة النور، وأفعالك الصالحة اليوم هي امتداد لهذا المشروع الكوني.
————————
5. وحدة الرسالات وتجاوز صراع الحضارات (البعد الاجتماعي والثقافي):
#الدرس: الإسلام لم يأتِ ليهدم ما قبله من الأديان السماوية، بل جاء مصدقاً لها، ومكملاً للبنيان الذي أسسه إبراهيم وبشر به عيسى. التقدير الإسلامي للأنبياء السابقين هو أساس أصيل في العقيدة.
#إسقاط معاصر: في عالم تمزقه الصراعات الطائفية ودعوات “صراع الحضارات”، يقدم لنا هذا المشهد نموذجاً للتعايش الراقي. المسلم الحق لا يزدري أتباع الأنبياء السابقين، بل يرى في رسالاتهم الأصلية جذوراً لدينه. هذا الفهم العميق يمنح المسلم المعاصر القدرة على الانفتاح على الآخر، والحوار معه بأرضية مشتركة من الاحترام، بعيداً عن التعصب الأعمى الذي يشوه صورة الدين.
————–
المصادر:
) سورة البقرة، الآية: 129.
2) مسند الإمام أحمد، حديث رقم (17163)، وحسّنه محققو المسند.
3) فقه السيرة النبوية، د. محمد سعيد رمضان البوطي، ص 53.
اللهم صل وسلم على نبينا محمد

