
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن هَلِ الْمَوْتُ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَعَذَابٌ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِ
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
هَلِ الْمَوْتُ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَعَذَابٌ لِغَيْرِ الْمُؤْمِنِ؟
السُّؤَالُ : هَلِ الْمَوْتُ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَنِقْمَةٌ عَلَى غَيْرِهِ؟ وَمَا الْأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؟ وَكَيْفَ يَسْتَعِدُّ الْمُسْلِمُ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ الْعَظِيمَةِ؟
الْجَوَابُ ![]()
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ. أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، إِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَصِيرُ، وَبِيَدِهِ الْأَمْرُ وَالتَّدْبِيرُ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، نَبِيٌّ أَخْلَصَ لِهَذَا الدِّينِ، وَأَرْشَدَنَا لِمَا فِيهِ الْخَيْرُ وَالْعِزُّ وَالتَّمْكِينُ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ، وَصَحَابَتِهِ الْغُرِّ الْمَيَامِينِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْمَوْتَ حَقِيقَةٌ كُبْرَى، وَسُنَّةٌ إِلَهِيَّةٌ مَاضِيَةٌ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ، لَا يَنْجُو مِنْهَا أَحَدٌ، وَلَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا بَشَرٌ. وَهُوَ الضَّيْفُ الَّذِي لَا يَلِيهِ ضَيْفٌ، وَالزَّائِرُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ زَائِرٌ. وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي أَمْرِهِ: فَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ رَاحَةً وَهَنَاءً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَاهُ حَسْرَةً وَبَلَاءً. فَمَا حَقِيقَةُ الْمَوْتِ فِي مِيزَانِ الشَّرْعِ؟ وَهَلْ هُوَ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَنِقْمَةٌ عَلَى غَيْرِهِ؟ هَذَا مَا سَنَقِفُ عَلَيْهِ فِي عَنَاصِرِ هَذَا الْبَحْثِ، مُسْتَنِيرِينَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، وَأَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
الْعُنْصُرُ الْأَوَّلُ: الْمَوْتُ حَقِيقَةٌ كُبْرَى وَسُنَّةٌ إِلَهِيَّةٌ لَا مَفَرَّ مِنْهَا
● الْمَوْتُ قَدَرٌ مَكْتُوبٌ لَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ
إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْأَنْفُسَ وَقَدَّرَ لَهَا الْآجَالَ الَّتِي لَا تَتَقَدَّمُهَا وَلَا تَتَأَخَّرُ عَنْهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل، رقم: ٦١]. فَيَا لَهَا مِنْ حَقِيقَةٍ تَهُزُّ الْقُلُوبَ: سَاعَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تُسْتَقْدَمُ وَلَا تُسْتَأْخَرُ، فَمَا بَالُنَا نُؤَجِّلُ التَّوْبَةَ وَنُؤَخِّرُ الْعَمَلَ؟ وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء، رقم: ٧٨]. فَلَا حِصْنَ يَمْنَعُ، وَلَا بَابَ يُغْلَقُ، وَلَا جَيْشَ يَحْمِي؛ الْمَوْتُ نَافِذٌ إِلَى كُلِّ نَفْسٍ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران، رقم: ١٨٥]. كَلِمَةٌ جَامِعَةٌ مَانِعَةٌ: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةٌ، لَا اسْتِثْنَاءَ وَلَا تَمْيِيزَ بَيْنَ كَبِيرٍ وَصَغِيرٍ، وَغَنِيٍّ وَفَقِيرٍ، وَعَظِيمٍ وَحَقِيرٍ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن، رقم: ٢٦-٢٧]. سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ! كُلُّ مَنْ عَلَى الْأَرْضِ إِلَى زَوَالٍ، وَيَبْقَى وَجْهُكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران، رقم: ١٨٥]. فَيَا لَهَا مِنْ آيَةٍ تَضَعُ الدُّنْيَا كُلَّهَا فِي كَفَّةٍ، وَالْفَوْزَ بِالْجَنَّةِ فِي كَفَّةٍ، فَإِذَا الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
الْعُنْصُرُ الثَّانِي: الْمَوْتُ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ
● حَدِيثُ “مُسْتَرِيحٌ أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ”
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – مُرَّ عَلَيْهِ بِجَنَازَةٍ، فَقَالَ: ((مُسْتَرِيحٌ أَوْ مُسْتَرَاحٌ مِنْهُ))، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْمُسْتَرِيحُ وَمَا الْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: ((الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ)) <أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – >. فَتَأَمَّلْ كَيْفَ قَسَّمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَوْتَى قِسْمَيْنِ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ، وَلَيْسَ ثَمَّةَ قِسْمٌ ثَالِثٌ. فَالْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَتَعَبِهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ. قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَوْتَى قِسْمَانِ: مُسْتَرِيحٌ، وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ. وَنَصَبُ الدُّنْيَا: تَعَبُهَا. وَأَمَّا اسْتِرَاحَةُ الْعِبَادِ مِنَ الْفَاجِرِ مَعْنَاهُ: انْدِفَاعُ أَذَاهُ عَنْهُمْ، وَأَذَاهُ يَكُونُ مِنْ وُجُوهٍ، مِنْهَا: ظُلْمُهُ لَهُمْ، وَمِنْهَا: ارْتِكَابُهُ لِلْمُنْكَرَاتِ. فَإِنْ أَنْكَرُوهَا قَاسَوْا مَشَقَّةَ ذَلِكَ، وَرُبَّمَا نَالَهُمْ ضَرَرُهُ! وَإِنْ سَكَتُوا عَنْهُ أَثِمُوا!» <شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمٍ>.
● الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَالنَّصَبُ هُوَ: التَّعَبُ، بِوَزْنِهِ وَمَعْنَاهُ. وَالْفَاجِرُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْكَافِرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ الْعَاصِي» <فَتْحُ الْبَارِي لِابْنِ حَجَرٍ>. فَالْمُؤْمِنُ يَنْتَقِلُ مِنْ دَارِ التَّعَبِ وَالنَّصَبِ إِلَى دَارِ الرَّاحَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَمِنْ ضِيقِ الدُّنْيَا إِلَى سَعَةِ الْآخِرَةِ.
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ كَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ، فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ)) <أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – >. فَمَا أَعْظَمَهَا مِنْ بِشَارَةٍ لِلْمُؤْمِنِ: جَنَازَتُهُ تُسْرِعُ بِهِ إِلَى الْخَيْرِ الَّذِي يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ.
الْعُنْصُرُ الثَّالِثُ: الْمَوْتُ نِقْمَةٌ عَلَى الْفَاجِرِ
● اسْتِرَاحَةُ الْخَلْقِ مِنَ الْفَاجِرِ
تَأَمَّلْ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: ((الْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ)). فَالْفَاجِرُ لَا يَسْتَرِيحُ هُوَ، بَلْ يَسْتَرِيحُ النَّاسُ مِنْهُ. فَفُجُورُهُ ثَقِيلٌ عَلَى الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، حَتَّى الْجَمَادُ وَالدَّوَابُّ تَتَأَذَّى بِهِ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: «وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِرَاحَةِ الْعِبَادِ مِنْهُ لِمَا يَقَعُ لَهُمْ مِنْ ظُلْمِهِ، وَرَاحَةِ الْأَرْضِ مِنْهُ لِمَا يَقَعُ عَلَيْهَا مِنْ غَصْبِهَا، وَمَنْعِهَا مِنْ حَقِّهَا، وَصَرْفِهِ فِي غَيْرِ وَجْهِهِ! وَرَاحَةِ الدَّوَابِّ مِمَّا لَا يَجُوزُ مِنْ إِتْعَابِهَا» <فَتْحُ الْبَارِي لِابْنِ حَجَرٍ>.
● بُكَاءُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَى الْمُؤْمِنِ دُونَ الْفَاجِرِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان، رقم: ٢٩]. قَالَ عَلِيٌّ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا مَاتَ بَكَى عَلَيْهِ مُصَلَّاهُ مِنَ الْأَرْضِ، وَمَصْعَدُ عَمَلِهِ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنَّ آلَ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مُصَلًّى، وَلَا فِي السَّمَاءِ مَصْعَدُ عَمَلٍ» <زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ (٧/٣٤٥)، وَالدُّرُّ الْمَنْثُورُ لِلسُّيُوطِيِّ (٦/٣١)>. وَقَالَ مُجَاهِدٌ – رَحِمَهُ اللَّهُ -: «مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا، فَقِيلَ لَهُ: أَوَتَبْكِي؟ قَالَ: وَمَا لِلْأَرْضِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْدٍ كَانَ يَعْمُرُهَا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ؟! مَا لِلسَّمَاءِ لَا تَبْكِي عَلَى عَبْدٍ كَانَ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ فِيهَا دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحْلِ؟!» <زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ>. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ – رَحِمَهُ اللَّهُ -: «إِنَّ الْأَرْضَ لَتَبْكِي مِنْ رَجُلٍ، وَتَبْكِي عَلَى رَجُلٍ، وَتَبْكِي عَلَى مَنْ كَانَ يَعْمَلُ عَلَى ظَهْرِهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ، وَتَبْكِي مِمَّنْ كَانَ يَعْمَلُ عَلَى ظَهْرِهَا بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ قَدْ أَثْقَلَهَا، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾» <الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ: ٩/٢٦٩>.
الْعُنْصُرُ الرَّابِعُ: سَكَرَاتُ الْمَوْتِ وَحُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ
● حَقِيقَةُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ۖ ذَٰلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق، رقم: ١٩]. فَيَا لَهَا مِنْ لَحْظَةٍ تُكْشَفُ فِيهَا الْحَقَائِقُ، وَيَزُولُ فِيهَا الْغِطَاءُ، وَيَقِفُ الْعَبْدُ وَحِيدًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْلَاهُ.
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة، رقم: ٨٣-٨٤].
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ إِلَىٰ رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ﴾ [القيامة، رقم: ٢٩-٣٠].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم، رقم: ٢٧].
● النَّبِيُّ ﷺ يَذُوقُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ
رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَائِشَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا – أَنَّ النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ يَقُولُ وَهُوَ فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ: ((إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ)) <رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ>. وَكَانَ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِالْمَاءِ وَيَقُولُ: ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ لَسَكَرَاتٍ)) <رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ>. فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ﷺ، فَكَيْفَ بِحَالِنَا نَحْنُ الْمُقَصِّرِينَ؟!
● حُسْنُ الظَّنِّ بِاللَّهِ عِنْدَ الْمَوْتِ
رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ)) <رَوَاهُ مُسْلِمٌ>. فَيَا لَهَا مِنْ وَصِيَّةٍ جَامِعَةٍ: أَحْسِنْ ظَنَّكَ بِرَبِّكَ عِنْدَ الْمَوْتِ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِهِ بِهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر، رقم: ٥٣].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف، رقم: ١٥٦].
وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام، رقم: ٥٤].
الْعُنْصُرُ الْخَامِسُ: الشَّهِيدُ وَاسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ كَرَاهِيَةِ الْعَوْدَةِ
● الشَّهِيدُ يَتَمَنَّى الْعَوْدَةَ لِيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ فِي “الْمُجْتَبَى” – بِسَنَدٍ صَحِيحٍ – عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ((مَا عَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ تَمُوتُ، وَلَهَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ، تُحِبُّ أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْكُمْ، وَلَهَا نَعِيمُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الْقَتِيلُ؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى)) <رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ فِي “الْمُجْتَبَى” – بِسَنَدٍ صَحِيحٍ – عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – >. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران، رقم: ١٦٩].
وَهَذَا مَا حَدَثَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرَامٍ وَالِدِ جَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا – فَالنَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – قَالَ لِجَابِرٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ – عَزَّ وَجَلَّ – أَحْيَا أَبَاكَ، فَقَالَ لَهُ: تَمَنَّ عَلَيَّ، فَقَالَ: أُرَدُّ إِلَى الدُّنْيَا، فَأُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالَ اللَّهُ – عَزَّ وَجَلَّ -: إِنِّي قَضَيْتُ الْحُكْمَ أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يَرْجَعُونَ)) <رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ>.
الْعُنْصُرُ السَّادِسُ: بُكَاءُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَلَى الْمُؤْمِنِ
● شَهَادَةُ الْكَوْنِ لِلْمُؤْمِنِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان، رقم: ٢٩]. قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: «أَيْ: لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مُصَلًّى، وَلَا فِي السَّمَاءِ مَصْعَدُ عَمَلٍ» <تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ>.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ – رَحِمَهُ اللَّهُ -: «مَا مَاتَ مُؤْمِنٌ إِلَّا بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ أَرْبَعِينَ صَبَاحًا» <زَادُ الْمَسِيرِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ>. فَيَا لَهَا مِنْ شَهَادَةٍ مِنَ الْكَوْنِ كُلِّهِ لِلْمُؤْمِنِ: سَمَاؤُهُ وَأَرْضُهُ تَبْكِيَانِ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَانَ يَعْمُرُ الْأَرْضَ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَيَرْفَعُ التَّسْبِيحَ وَالتَّكْبِيرَ إِلَى السَّمَاءِ.
الْعُنْصُرُ السَّابِعُ: الِاسْتِعْدَادُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِهِ
● الْمُبَادَرَةُ إِلَى التَّوْبَةِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران، رقم: ١٠٢].
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون، رقم: ٩٩-١٠٠]. فَيَا حَسْرَةً عَلَى مَنْ فَرَّطَ فِي جَنْبِ اللَّهِ، وَيَا نَدَامَةً عَلَى مَنْ ضَيَّعَ الْأَوْقَاتِ!
● أَحَادِيثُ فِي الِاسْتِعْدَادِ لِلْمَوْتِ
رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ – وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: ((اسْتَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ فَإِنَّهُ مَا ذْكُرْه أَحَدٌ فِي ضِيقٍ إِلَّا وَسَّعَهُ، وَلَا ذَكَرَهُ فِي سَعَةٍ إِلَّا ضَيَّقَهَا عَلَيْهِ)) <رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ>.
وَقِيلَ لَهُ ﷺ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ؟ وَأَحْزَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: ((أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَأَكْثَرُهُمْ اسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ أُولَئِكَ الْأَكْيَاسُ، ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا، وَكَرَامَةِ الْآخِرَةِ)) <رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَالطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْهَيْثَمِيُّ>.
وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: ((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) فَقُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي. قَالَ: ((لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ مَنْ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ فَلْيَحْفَظِ الرَّأْسَ وَمَا حَوَى، وَالْبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبَلَى، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا، وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) <رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ>.
وَقَالَ ﷺ: ((مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ)) <مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ>.
● مِنْ أَقْوَالِ السَّلَفِ فِي الِاسْتِعْدَادِ
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إِذَا عَلِمَ الْإِنْسَانُ بِأَنَّ الْمَوْتَ يَقْطَعُهُ عَنِ الْعَمَلِ عَمِلَ فِي حَيَاتِهِ مَا يَدُومُ لَهُ أَجْرُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الدُّنْيَا وَقَفَ وَقْفًا وَغَرَسَ غَرْسًا وَأَجْرَى نَهْرًا وَيَسْعَى فِي تَحْصِيلِ ذُرِّيَّةٍ تَذْكُرُ اللَّهَ بَعْدَهُ فَيَكُونُ الْأَجْرُ لَهُ، أَوْ أَنْ يُصَنِّفَ كِتَابًا مِنَ الْعِلْمِ، فَإِنَّ تَصْنِيفَ الْعَالِمِ وَلَدُهُ الْمُخَلَّدُ وَأَنْ يَكُونَ عَامِلًا بِالْخَيْرِ، عَالِمًا فِيهِ فَيَنْقِلُ مِنْ فِعْلِهِ مَا يَقْتَدِي الْغَيْرُ بِهِ فَذَلِكَ الَّذِي لَمْ يَمُتْ» <أَخْبَارُ الْحُمَقَى وَالْمُغَفَّلِينَ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ>.
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «عَسْكَرُ الْمَوْتِ يَنْتَظِرُونَكَ» <الزُّهْدُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ>.
الْعُنْصُرُ الثَّامِنُ: أَقْوَالُ السَّلَفِ فِي الْمَوْتِ وَحُسْنِ الِاسْتِقْبَالِ
● فَرَحُ السَّلَفِ بِالْمَوْتِ
هَذَا بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يَأْتِيهِ الْمَوْتُ فَتَبْكِي زَوْجَتُهُ وَتَقُولُ: وَا كَرْبَاهُ! فَيَقُولُ لَهَا: «لَا، لَا تَقُولِي: وَا كَرْبَاهُ، بَلْ قُولِي: وَا طَرَبَاهُ، غَدًا أَلْقَى الْأَحِبَّةَ: مُحَمَّدًا وَحِزْبَهُ» <سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ>.
وَهَذَا أَبُو هُرَيْرَةَ – رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ – يَأْتِيهِ الْمَوْتُ فَيَقُولُ: «مَرْحَبًا بِالْمَوْتِ حَبِيبًا، اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّ لِقَاءَكَ فَأَحِبَّ لِقَائِي» <سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ>.
وَهَذَا الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ يَفْتَحُ عَيْنَيْهِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَيَضْحَكُ وَيَقُولُ: «لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ» <سِيَرُ أَعْلَامِ النُّبَلَاءِ لِلذَّهَبِيِّ>.
● سَبَبُ كَرَاهِيَةِ الْمَوْتِ
قَالَ أَبُو حَازِمٍ الْأَعْرَجُ – رَحِمَهُ اللَّهُ -: «لِأَنَّكُمْ عَمَرْتُمُ الدُّنْيَا وَخَرَّبْتُمُ الْآخِرَةَ، فَتَكْرَهُونَ الْخُرُوجَ مِنَ الْعَمَارِ إِلَى الدَّمَارِ» <صِفَةُ الصَّفْوَةِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ>.
تَبَيَّنَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْمَوْتَ رَاحَةٌ لِلْمُؤْمِنِ وَنِقْمَةٌ عَلَى الْفَاجِرِ، وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ، وَالْفَاجِرَ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ. وَأَنَّ الْمَوْتَ حَقٌّ لَا مَفَرَّ مِنْهُ، وَسَكَرَاتُهُ شَدِيدَةٌ، فَمَنِ اسْتَعَدَّ لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، كَانَ مَوْتُهُ رَاحَةً وَبِشَارَةً، وَمَنْ غَفَلَ وَفَرَّطَ، كَانَتْ سَكَرَاتُهُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً. فَبَادِرُوا – رَحِمَكُمُ اللَّهُ – إِلَى التَّوْبَةِ، وَأَكْثِرُوا مِنْ ذِكْرِ هَادِمِ اللَّذَّاتِ، وَأَحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ، وَاسْأَلُوهُ حُسْنَ الْخَاتِمَةِ.
اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَوَفِّقْنَا لِلتَّوْبَةِ النَّصُوحِ قَبْلَ الْمَوْتِ، وَأَحْسِنْ خِتَامَنَا، وَاجْعَلْ آخِرَ كَلَامِنَا مِنَ الدُّنْيَا شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. اللَّهُمَّ هَوِّنْ عَلَيْنَا سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَارْزُقْنَا حُسْنَ الظَّنِّ بِكَ عِنْدَ لِقَائِكَ، وَاجْعَلْ قُبُورَنَا رَوْضَةً مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، وَلَا تَجْعَلْهَا حُفْرَةً مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ.
اللَّهُمَّ ارْحَمْنَا وَارْحَمْ وَالِدِينَا، وَاغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدِينَا وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالْأَمْوَاتِ، إِنَّكَ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبُ الدَّعَوَاتِ. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

