رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن بيع الجزاف في الفقه الإسلامي

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن بيع الجزاف في الفقه الإسلامي

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

بيع الجزاف في الفقه الإسلامي

ما المقصود به؟ وما حكمه؟ وما أهم شروطه؟

يُعد بيع الجزاف من صور البيوع التي أجازها الفقهاء للحاجة ورفع المشقة، مع وضع ضوابط تمنع الغرر والنزاع بين المتبايعين.

🔹 أولًا: ما المقصود ببيع الجزاف؟

الجزاف لغةً: مأخوذ من الجزف، وهو الأخذ بكثرة، ويقال: جازف في الأمر إذا دخل فيه دون معرفة دقيقة بكنهه وصفته.

أما اصطلاحًا: فهو بيع ما يُكال أو يُوزن أو يُعدّ جملةً دون كيل أو وزن أو عدٍّ تفصيلي، وإنما يُقدَّر بالحرز والتخمين.

📌 مثال:

أن تكون أمامك كومة من التمر، فيبيعك صاحبها الكومة كاملة بمبلغ معين، دون أن يقوم بعدّ حباتها أو وزنها.

⚖️ ثانيًا: ما حكم بيع الجزاف؟

الأصل في بيع الجزاف المنع؛ لأن مقدار المبيع غير معلوم على وجه الدقة، وقد يؤدي ذلك إلى الغرر والنزاع.

لكن الفقهاء أجازوه للحاجة ودفع المشقة عن الناس، واتفق فقهاء المذاهب الأربعة على جوازه في الجملة، مع توفر الشروط والضوابط الشرعية.

ومن الأدلة على ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما في شراء الطعام من الركبان جزافًا، وأن النبي ﷺ نهى عن بيعه حتى يُنقل من مكانه.

كما ورد عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يشتري الطعام جزافًا ويحمله إلى أهله.

🌿 ثالثًا: أهم شروط صحة بيع الجزاف

1️⃣ رؤية المبيع

يشترط أن يرى المشتري المبيع، سواء عند العقد أو قبل العقد إذا بقي المبيع على حاله ولم يتغير.

والغاية من ذلك أن يكون المشتري على علم بحقيقة الشيء الذي يشتريه.

2️⃣ عدم العلم الدقيق بمقدار المبيع

تناول الفقهاء مسألة علم أحد المتعاقدين بمقدار المبيع وجهل الآخر به، ووردت فيها أقوال متعددة.

والقول الراجح في النص هو جواز بيع الجزاف ولو كان أحد المتعاقدين يعلم مقدار المبيع؛ لأن أدلة المشروعية لم تفرق بين هذه الحالة وغيرها.

3️⃣ تقدير المبيع بالحرز والتخمين

كون البيع جزافًا لا يعني أن المبيع يُترك دون أي تقدير، بل لا بد من تقديره تقديرًا تقريبيًا يمكن معه إبرام العقد.

4️⃣ أن يكون المبيع مما يُقصد منه الكثرة

مثل الحبوب والثمار والمزروعات والثياب، حيث تكون العبرة بالمجموع لا بكل فرد على حدة.

أما الأشياء التي يُقصد كل فرد منها بذاته وقيمته، فلا يصح بيعها جزافًا على هذا الأساس.

5️⃣ استواء المكان الذي يوضع عليه المبيع

إذا كان المبيع موضوعًا على الأرض، فينبغي أن تكون الأرض مستوية؛ لأن عدم استوائها قد يؤدي إلى الجهالة والغرر والنزاع.

6️⃣ ألا يكون المبيع كثيرًا جدًا أو قليلًا جدًا

إذا كان المبيع كثيرًا إلى درجة يتعذر معها تقديره، فلا يصح بيعه جزافًا.

وكذلك إذا كان قليلًا بحيث يمكن معرفة مقداره بسهولة؛ لأن الحاجة إلى البيع الجزافي تنتفي حينها.

🚫 رابعًا: هل يجوز بيع المال الربوي بجنسه جزافًا؟

لا يجوز بيع المال الربوي بجنسه جزافًا، وقد اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على ذلك.

فالذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والقمح بالقمح، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، يشترط في بيع الجنس الواحد منها تحقق التماثل والتقابض.

وهذا لا يمكن التأكد منه في البيع الجزافي؛ لأن الكمية تعتمد على التقدير والتخمين، فيبقى احتمال وجود التفاضل قائمًا.

ولهذا ذكر الفقهاء القاعدة:

> «الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل»

أي أن عدم القدرة على التأكد من تساوي العوضين في بيع الربوي بجنسه يؤدي إلى المنع؛ لأن احتمال الربا قائم.

💡 مثال

لو كانت هناك كومة من التمر، وأراد شخص بيعها مقابل مبلغ من المال، فيمكن أن يكون البيع جزافًا إذا تحققت شروطه.

أما لو أراد أن يبيع كومة من التمر مقابل كومة أخرى من التمر دون معرفة التساوي بين الكميتين، فلا يجوز؛ لأن التمر من الأموال الربوية، ويشترط عند بيعه بجنسه تحقق التماثل والتقابض.

📌 فالجزاف ليس بيعًا بلا ضوابط، وإنما هو بيع أُجيز للحاجة مع مراعاة