رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن لحظة إنكشاف الحقيقة

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن لحظة إنكشاف الحقيقة

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

قراءة في قوله تعالى:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

﴿حَتَّىٰ إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ ۝ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ۚ كَلَّا ۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ۖ وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾

[المؤمنون: 99–100]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. لحظة انكشاف الحقيقة

تصف الآيتان لحظة لا تشبه سائر لحظات الإنسان؛ لحظة حضور الموت وانكشاف ما كان مؤجَّلًا أو منسيًّا. عندها تتراجع الدنيا بكل زخارفها، ويصبح الإنسان أمام حقيقة المصير. وما كان يظنه بعيدًا يصبح حاضرًا، وما كان يؤجله يصبح مطلوبًا فورًا. إنها لحظة يكتشف فيها الإنسان أن العمر لم يكن ملكًا دائمًا له، وأن الفرص التي بدت متاحة إلى ما لا نهاية كانت محدودة.

2. «رَبِّ ارْجِعُونِ»… أمنية لا تُستجاب

أول ما يطلبه المحتضر، كما تصور الآية، هو الرجوع: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾. لا يطلب مالًا إضافيًا، ولا منصبًا، ولا متاعًا جديدًا، وإنما يطلب فرصة أخرى للعمل. وهذا يكشف قيمة الوقت بعد فواته؛ فالإنسان قد لا يشعر بثمن الساعة وهو يملكها، لكنه يتمنى لحظة واحدة عندما يفقد القدرة على استعادتها.

3. «لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا»

الآية تكشف بوضوح ما يراه الإنسان مهمًّا عندما ينتهي عمره: العمل الصالح. قال: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. وكأن الإنسان يرى عندئذ أن كثيرًا مما شغله في حياته لم يكن يستحق أن يأخذ كل ذلك من وقته، وأن الخير الذي كان يستطيع فعله كان أولى بالتقديم والتأجيل عن الملهيات.

4. لماذا قال: «فِيمَا تَرَكْتُ»؟

في قوله ﴿فِيمَا تَرَكْتُ﴾ معنى عميق؛ فالحياة انتهت، والأعمال توقفت، وما تركه الإنسان وراءه أصبح ماضيًا لا يستطيع العودة إليه. المال الذي جمعه، والمكانة التي سعى إليها، والمشروعات التي انشغل بها، كلها أصبحت وراءه. أما العمل الصالح الذي قدّمه لله فهو الذي كان ينبغي أن يكون زاده الحقيقي.

5. «كَلَّا»… انتهى زمن العمل

تأتي الإجابة الإلهية حاسمة: ﴿كَلَّا﴾. لا عودة إلى الدنيا بعد الموت للعمل والاختبار. وهذه الكلمة القصيرة تحمل معنى عظيمًا: هناك مرحلة للعمل، ومرحلة للحساب، ولا يستطيع الإنسان أن ينقل نفسه من الثانية إلى الأولى بإرادته. ولذلك فإن أعظم الحكمة أن يعمل الإنسان قبل أن يصل إلى اللحظة التي يتمنى فيها العمل ولا يستطيع.

6. الإنسان لا يعرف موعد النهاية

لا تمنح الآية الإنسان موعدًا محددًا لموته، ولذلك لا يصح أن يبني حياته على فكرة: «سأعمل صالحًا عندما أكبر»، أو «سأتوب عندما تنتهي مشاغلي». فالموت لا ينتظر اكتمال المشاريع ولا بلوغ سن معينة. قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: 34]. ومن هنا تأتي أهمية أن يكون الإصلاح والتوبة والعمل الصالح جزءًا من الحياة اليومية، لا مشروعًا مؤجلًا.

7. البرزخ… المرحلة التي لا رجوع بعدها

تختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾. والبرزخ هو الحاجز والمرحلة الفاصلة بين الدنيا والبعث. وبذلك ترسم الآية تسلسلًا واضحًا: حياة الدنيا، ثم الموت، ثم البرزخ، ثم البعث. فلا توجد عودة إلى الدنيا بعد الموت لاستئناف العمل، وإنما ينتقل الإنسان إلى مرحلة أخرى من مراحل المصير.

8. قيمة التوبة قبل فوات الأوان

هذه الآية ليست دعوة إلى الخوف وحده، بل إلى المبادرة. فما دام الإنسان حيًّا فباب التوبة والعمل مفتوح. قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31]. وقال النبي ﷺ: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» رواه الترمذي وابن ماجه. ولذلك فإن تأجيل التوبة مخاطرة لا يملك الإنسان ضمانها.

9. ماذا نترك وراءنا؟

الآية تدفع الإنسان إلى سؤال عملي: ماذا سأترك عندما تنتهي حياتي؟ فالمال والممتلكات والألقاب لا ترافق الإنسان إلى قبره. قال رسول الله ﷺ: «يتبع الميت ثلاثة: أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد؛ يرجع أهله وماله ويبقى عمله» متفق عليه. ومن أجمل ما يستطيع الإنسان أن يتركه: صدقة جارية، علمًا نافعًا، وتربية صالحة، وأثرًا طيبًا في حياة الآخرين.

10. الرسالة التي ينبغي أن نعيشها اليوم

ليست الحكمة في أن ينتظر الإنسان لحظة الموت حتى يعرف قيمة العمل الصالح، بل أن يفهم الرسالة قبل وصول تلك اللحظة. كل صباح فرصة، وكل موقف يمكن أن يكون عملًا صالحًا، وكل ظلم يمكن إصلاحه، وكل خصومة يمكن إنهاؤها، وكل تقصير يمكن تداركه. وكأن الآيتين تقولان للحي: لا تنتظر أن تقول «رب ارجعون»؛ ما دمت تملك اليوم، فاعمل اليوم. فالموت يغلق باب العمل، أما الحياة فما زالت تمنح الإنسان فرصة الاختيار.

مراجع من القرآن والسنة:

سورة المؤمنون، الآيتان 99–100: أصل الموضوع ومشهد طلب الرجوع بعد الموت.

سورة لقمان، الآية 34: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾.

سورة المنافقون، الآية 10: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم… مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾.

سورة النور، الآية 31: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾.

سورة الحديد، الآية 20: تذكير بحقيقة الحياة الدنيا وفنائها.

صحيح البخاري وصحيح مسلم: حديث «يتبع الميت ثلاثة…».

سنن الترمذي وسنن ابن ماجه: حديث «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر».