رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإسلام والسياسة الدولية

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإسلام والسياسة الدولية

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الإسلام والسياسة الدولية: من سؤال الهوية إلى سؤال الفاعلية

طويلاً، ظل النقاش حول الإسلام والسياسة الدولية محصورًا إلى حد كبير في أفق الهوية والدفاع عن الخصوصية؛ يدور حول أسئلة من قبيل: كيف نحافظ على هويتنا؟ أو كيف نثبت حضورنا في عالم تُصاغ قواعده ومفاهيمه في سياقات أخرى؟

لكن في عالم تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، وتتغير فيه أنماط توزيع القوة، وتتداخل فيه التكنولوجيا والاقتصاد والمعرفة مع أدوات التأثير، لم يعد كافيًا التعامل مع الهوية بوصفها معطى ثابتًا أو إطارًا دفاعيًا. فالسؤال الأكثر إلحاحًا أصبح: كيف تتحول الهوية إلى قدرة على الفهم، وإنتاج المعرفة، وبناء الخيارات، والتأثير في مسارات السياسة الدولية؟

وهنا يكمن التحول من سؤال الهوية إلى سؤال الفاعلية؛ أي الانتقال من الاكتفاء بإثبات الوجود إلى امتلاك القدرة على صناعة جزء من البيئة الدولية التي يتحرك فيها الفاعل.

🔹 محاور أساسية في هذا التحول:

1. من ردّ الفعل إلى المبادرة: لا تعني الفاعلية الاستجابة للأزمات بعد وقوعها فقط، بل تطوير قدرة تحليلية واستشرافية تسمح بقراءة التحولات قبل اكتمالها، وبناء خيارات تتجاوز الانكفاء إلى المبادرة وصناعة البدائل. وهنا يمكن استحضار ابن خلدون، الذي ربط صعود الدول وقدرتها على الفعل بدرجة تماسكها الداخلي وقدرتها على تحويل التضامن الاجتماعي إلى قوة سياسية منظمة؛ بما يفتح المجال لقراءة الفاعلية باعتبارها قدرة تُبنى ولا مجرد هوية تُعلن.

2. من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها: لا يمكن بناء فاعلية دولية مستدامة من خلال استهلاك المفاهيم والنظريات التي ينتجها الآخرون فقط. فامتلاك القدرة على تفسير التحولات الدولية، وإنتاج المفاهيم والأطر التحليلية، يمثل جزءًا من القوة في النظام الدولي المعاصر. وهنا تبرز أهمية طرح مالك بن نبي حول العلاقة بين الإنسان والأفكار والموارد وشروط بناء الحضارة؛ إذ إن المشكلة لا تختزل في امتلاك الموارد، وإنما في القدرة على تحويلها إلى قابلية للفعل الحضاري.

3. إدراك موازين القوة الجديدة: لم تعد القوة تختزل في القدرات العسكرية وحدها، بل أصبحت تشمل التكنولوجيا، والاقتصاد، والبيانات، وسلاسل الإمداد، والشبكات العابرة للحدود، والقدرة على التأثير في تشكيل الأجندات والمعايير الدولية. ويتقاطع ذلك مع مفهوم جوزيف ناي حول القوة الناعمة، حيث لا يرتبط التأثير فقط بالقدرة على الإكراه أو الدفع المادي، وإنما أيضًا بالقدرة على الجذب وتشكيل التفضيلات.

4. من “الموضوع” إلى “الفاعل”: لا ينبغي أن تبقى الهوية مجرد عنوان ثقافي أو موضوعًا للنقاش الخارجي، بل يمكن أن تتحول إلى مصدر لإنتاج رؤى ومقاربات تسهم في معالجة قضايا مثل الأمن الإنساني، والعدالة الاقتصادية، وإدارة النزاعات، والتعاون الدولي. وهنا يصبح السؤال أكثر قربًا من منظور هيدلي بُل حول المجتمع الدولي ودور الأفكار والمؤسسات والقواعد في تنظيم التفاعل بين الوحدات السياسية؛ فالفاعلية لا تعني القوة المادية فقط، وإنما القدرة على المشاركة في تشكيل القواعد والمعايير التي تنظم التفاعل الدولي.

5. من الهوية إلى القدرة ثم إلى التأثير: الهوية وحدها لا تنتج فاعلية دولية. المسار الأكثر تعقيدًا يمر عبر بناء المعرفة، وتطوير المؤسسات، وتراكم القدرات، وصناعة الخيارات، ثم تحويل هذه العناصر إلى تأثير قابل للقياس في البيئة الدولية. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى التراث الفكري الإسلامي الحديث والكلاسيكي لا بوصفه مجرد مادة للدفاع عن الخصوصية، بل باعتباره مصدرًا محتملًا لإنتاج مفاهيم وأسئلة يمكن إدخالها في الحوار النظري حول القوة والنظام والفاعلية الدولية.

_ في هذا المنظور، لا يصبح السؤال الأساسي: كيف يحافظ الإسلام على حضوره في النظام الدولي؟ فحسب، بل أيضًا: ما الذي يستطيع الفكر والمجتمعات والدول ذات المرجعيات الإسلامية أن تضيفه إلى إنتاج المعرفة، وصناعة السياسات، وإدارة الأزمات، وتشكيل مستقبل النظام الدولي؟

فالفاعلية الدولية لا تُبنى بالشعارات وحدها، كما لا تُختزل في امتلاك القوة المادية؛ إنها قدرة مركبة على الفهم والإنتاج والتنظيم والاستشراف وتحويل الموارد إلى خيارات وتأثير.

الخلاصة:

إن الانتقال من سؤال الهوية إلى سؤال الفاعلية لا يعني التخلي عن الهوية، بل إعادة تعريف وظيفتها داخل البيئة الدولية. ومن ابن خلدون إلى مالك بن نبي، ومن مفاهيم القوة الناعمة إلى تصورات المجتمع الدولي، تبرز فكرة مشتركة بصيغ مختلفة: الوجود لا يتحول إلى تأثير إلا عندما تتحول الأفكار والموارد والقيم إلى قدرة منظمة على الفعل.

وعليه، فإن التحدي أمام الفكر الإسلامي ليس فقط أن يحافظ على حضوره في النظام الدولي، وإنما أن يطور قدرة معرفية ومؤسسية واستراتيجية تسمح له بالمشاركة في تفسير النظام الدولي، وصياغة البدائل، والمساهمة في معالجة أزماته