
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الإنحياز تحت ضغط الصوت العالي
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
في بعض بيئات العمل، لا تكون المشكلة في غياب القواعد، ولا في عدم وضوح المسؤوليات، وإنما في شيء أكثر خفاءً: الخوف من أصحاب الصوت العالي.
هناك أشخاص لا يحتاجون إلى امتلاك الحجة الأقوى حتى يؤثروا في القرار؛ يكفي أن يكونوا أكثر اعتراضًا، وأكثر إلحاحًا، وأكثر قدرة على تحويل أي موقف إلى مواجهة. ومع تكرار هذا السلوك، قد يجد المسؤول نفسه، بوعي أو دون وعي، يحاول تجنب غضب هذا الشخص بدلًا من البحث عن القرار الأكثر عدلًا.
وهنا يبدأ ما يمكن تسميته بـ «الانحياز تحت ضغط الصوت العالي».
ليس بالضرورة أن يكون المسؤول منحازًا في الأصل، لكنه قد يصبح منحازًا تحت ضغط الموقف. فيختار الحل الذي يضمن هدوء الشخص الأكثر إزعاجًا، حتى لو ترتب على ذلك تحميل طرف آخر مسؤولية لم يكن يستحقها، أو التضييق على شخص أكثر هدوءًا لأنه ببساطة لن يدخل في صدام.
وهنا تكمن الخطورة.
لأن القرار الذي يُتخذ لإسكات صوت مرتفع اليوم، قد يصنع ثقافة كاملة غدًا.
حين يلاحظ الموظفون أن الشخص الذي يكثر من الاعتراض يحصل على استجابة أسرع، بينما الشخص الهادئ يُطلب منه دائمًا أن يتحمل ويتفهم، تبدأ رسالة غير معلنة في الانتشار:
ارفع صوتك… حتى تُسمع.
اضغط أكثر… حتى تحصل على ما تريد.
وبمرور الوقت، يصبح الهدوء وكأنه ضعف، ويصبح الاحترام وكأنه تنازل، ويصبح الالتزام بالقواعد أقل تأثيرًا من القدرة على صناعة الضجيج.
والأخطر أن هذا النوع من الإدارة لا يظلم شخصًا واحدًا فقط؛ بل يغيّر سلوك المجموعة كلها.
فالإنسان العاقل في بيئة عادلة يتعلم أن الحوار والحقائق والقواعد هي الطريق إلى القرار. أما في بيئة تستجيب للصوت الأعلى، فقد يتعلم أن القوة في الضغط، وأن كثرة الشكوى وسيلة للحصول على استثناء، وأن الشخص الذي يرفض التصعيد هو الحلقة الأسهل التي يمكن تحميلها المسؤولية.
وهنا يجب أن نتوقف أمام سؤال مهم:
هل نحن نبحث عن القرار الصحيح، أم عن القرار الذي سيُسكت أكثر شخص قادر على الاعتراض؟
الفرق بين الاثنين كبير جدًا.
المدير العادل لا يقيس صحة الموقف بدرجة الانفعال، ولا يعطي الاعتراض وزنه بسبب ارتفاع الصوت، ولا يحمّل الطرف الهادئ عبء المشكلة لمجرد أنه لن يصنع أزمة.
بل يستمع للجميع، ويفصل بين قوة الحجة وقوة الصوت، ويرجع إلى الوقائع والمسؤوليات والقواعد، ثم يتخذ قراره على أساس واضح يمكنه الدفاع عنه أمام الجميع.
فالهدوء ليس دليلًا على الخطأ، وكثرة الكلام ليست دليلًا على الحق.
وفي الإدارة تحديدًا، هناك قاعدة تستحق أن نتذكرها دائمًا:
لا تجعل خوفك من رد فعل شخص واحد سببًا في ظلم شخص آخر.
لأن المسؤول الذي يعتاد اتخاذ القرارات تحت ضغط الصوت العالي، قد ينجح في صناعة الهدوء المؤقت… لكنه يخسر شيئًا أهم بكثير: الثقة في عدالة القرار.
وفي النهاية، ليست قوة المدير في أن يمنع الاعتراض، ولا في أن يخيف أصحاب الأصوات العالية، وإنما في أن يستطيع أن يقول للجميع:
«سأسمعك… لكنني لن أحكم لصالحك لأنك الأعلى صوتًا، ولن أحكم ضد غيرك لأنه اختار أن يبقى هادئًا.»
تلك هي الإدارة التي لا تخاف من الضجيج، ولا تظلم الصمت.

