
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن دراسة القضية الجنائية
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
كيف تُدرس القضية الجنائية أمام محكمة أول درجة، ثم أمام محكمة الاستئناف، وأخيرًا أمام محكمة النقض؟
دراسة القضية الجنائية ليست مجرد قراءة لأوراق المحضر أو البحث عن دفع قانوني يصلح لإبدائه، وإنما هي عملية قانونية متكاملة، تختلف أدواتها وأهدافها باختلاف المرحلة التي وصلت إليها الدعوى.
ومن الأخطاء الشائعة التعامل مع المراحل الثلاث بالمنهج ذاته، رغم أن لكل مرحلة طبيعتها، ولكل محكمة نطاقًا مختلفًا في نظر الدعوى.
أولًا: دراسة القضية الجنائية أمام محكمة أول درجة.
في هذه المرحلة، لا يكفي أن يقرأ المحامي محضر جمع الاستدلالات وأقوال الشهود، بل يجب أن يعيد بناء الواقعة منذ بدايتها، وأن يدرس الأدلة في ضوء أركان الجريمة المسندة إلى المتهم.
وتبدأ الدراسة بتحديد الواقعة محل الاتهام، وتاريخها ومكانها، والأفعال المنسوبة إلى المتهم، ثم تحديد النص القانوني الذي تنطبق عليه الواقعة، ومدى توافر أركان الجريمة المادية والمعنوية.
ثم تأتي مرحلة فحص الأدلة، وتشمل:
محاضر جمع الاستدلالات والتحقيقات.
أقوال المجني عليه والشهود ومدى اتساقها.
التقارير الفنية والطبية وتقارير الخبراء.
الأحراز والمضبوطات، ومدى اتصالها بالواقعة.
اعتراف المتهم، إن وجد، ومدى صحته وسلامة الاستدلال به.
ولا بد من المقارنة بين الأدلة، والبحث عن التناقضات الجوهرية، والتمييز بين التناقض الذي يؤثر في تكوين عقيدة المحكمة، والتناقض الذي لا يغير من حقيقة الواقعة.
بعد ذلك، تُدرس الدفوع القانونية والإجرائية، مع تحديد مدى انطباق كل دفع على وقائع الدعوى، ومدى تأثيره في صحتها أو في الأدلة المقدمة فيها.
والأهم أن يكون الدفاع قائمًا على تحليل حقيقي لأوراق القضية، لا على مجرد ترديد دفوع محفوظة لا تتصل بوقائعها.
والغاية من دراسة القضية أمام محكمة أول درجة هي بناء دفاع موضوعي وقانوني متكامل، ومناقشة أدلة الاتهام، وتقديم ما يلزم من طلبات ودفوع قبل أن تتكون عقيدة المحكمة في الدعوى.
ثانيًا: دراسة القضية أمام محكمة الاستئناف.
هنا يتغير منهج الدراسة؛ لأن المحامي لا يبدأ من فراغ، وإنما أمامه حكم قضائي يجب أن يدرسه إلى جانب أوراق الدعوى ومذكرات الدفاع ومحاضر الجلسات.
والخطأ أن يكتفي المحامي بإعادة تقديم دفاعه أمام محكمة أول درجة دون أن يحدد مواضع الخطأ في الحكم المستأنف.
فدراسة القضية في هذه المرحلة تقتضي الإجابة عن أسئلة جوهرية:
هل أحاط الحكم بوقائع الدعوى إحاطة صحيحة؟
هل استند إلى أدلة لها أصل ثابت في الأوراق؟
هل واجه دفوع الدفاع الجوهرية ورد عليها ردًا سائغًا؟
هل استخلص النتيجة التي انتهى إليها استخلاصًا منطقيًا من الأدلة المطروحة؟
وهل أخطأ في تطبيق القانون أو في تكييف الواقعة؟
كما يجب دراسة أسباب الحكم ومنطوقه، ومقارنة ما أثبته الحكم بما ورد في محاضر الجلسات والتحقيقات، وتحديد أوجه القصور أو الخطأ التي يمكن أن تؤثر في النتيجة التي انتهى إليها.
ولا بد من التمييز بين مجرد عدم الاقتناع بالحكم، وبين وجود أسباب قانونية وواقعية جدية تبرر طلب إلغائه أو تعديله.
وفي القضايا التي يجوز فيها لمحكمة الاستئناف إعادة بحث الموضوع، يجب إعداد الدفاع على أساس أن المحكمة قد تعيد تقدير الأدلة، وقد تسمع الشهود أو تستكمل التحقيق متى رأت ضرورة لذلك.
فالاستئناف ليس مجرد تكرار للمرافعة السابقة، وإنما فرصة لإعادة طرح أوجه الدفاع ومناقشة الحكم في ضوء ما شاب أسبابه أو إجراءاته من أخطاء.
ثالثًا: دراسة القضية أمام محكمة النقض.
هذه المرحلة تختلف اختلافًا جوهريًا عن المرحلتين السابقتين؛ لأن محكمة النقض ليست محكمة موضوع تعيد نظر الواقعة وأدلتها لمجرد اختلاف الطاعن مع تقدير محكمة الموضوع.
وإنما تنصب الدراسة أساسًا على الحكم المطعون فيه، ومدى سلامته من الناحية القانونية، وفقًا لأسباب الطعن التي يجيزها القانون.
ويبدأ المحامي بقراءة الحكم قراءة دقيقة، مع تحليل أسبابه ومنطوقه، ثم مراجعة محاضر الجلسات والمذكرات والمستندات اللازمة للتحقق من وجود عيب قانوني يصلح سببًا للطعن.
ومن أهم المسائل التي تستحق الدراسة:
مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله.
بطلان الحكم.
بطلان الإجراءات إذا كان قد أثر في الحكم.
القصور في التسبيب، متى بلغ حد العيب القانوني المؤثر.
التناقض بين أسباب الحكم بعضها مع بعض، أو بين الأسباب والمنطوق، متى كان التناقض مؤثرًا.
الإخلال بحق الدفاع، متى توافرت شروطه القانونية.
ولا يكفي أن يذكر الطاعن أن الحكم أخطأ في تقدير الأدلة، بل يجب أن يحدد العيب القانوني الذي شاب الحكم، وأن يوضح موضعه وأثره، وأن يصوغ سبب الطعن صياغة قانونية دقيقة.
فالفارق كبير بين أن تقول إن المحكمة لم تقتنع بدفاع المتهم، وبين أن تثبت أنها أغفلت دفاعًا جوهريًا من شأنه، لو صح، أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى.
والغاية من دراسة القضية أمام محكمة النقض هي اختبار سلامة الحكم قانونًا، لا إعادة محاكمة الواقعة من جديد

