
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الدكتور أحمد عصمت عبد المجيد الأمين العام للجامعة العربية الأسبق وعضو الإتحاد
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
عصمت عبد المجيد | صوت مصر الهادئ في الأمم المتحدة وحارس الجامعة العربية بعد عودتها للقاهرة
في مسيرة الدبلوماسية المصرية الطويلة، هناك من ارتبط اسمه بالمواجهة والحسم، وهناك من جعل من التدرج والصبر المؤسسي نهجًا في إدارة الملفات المعقدة. وينتمي السفير الدكتور أحمد عصمت عبد المجيد إلى الفئة الثانية؛ فلم يكن رجلًا يسعى إلى الأضواء أو المواجهات الصاخبة، بل دبلوماسيًا امتد حضوره لأكثر من نصف قرن في مواقع بالغة الحساسية، من أروقة الأمم المتحدة إلى مقعد وزير الخارجية، وصولًا إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، في مرحلة شهدت عودة مقرها إلى القاهرة.
وُلد الدكتور أحمد عصمت عبد المجيد في الإسكندرية في 22 مارس 1923، وكان والده محمد فهمي عبد المجيد مؤسس جمعية المواساة الخيرية بالإسكندرية. تلقى تعليمه بكلية الحقوق في جامعة الإسكندرية، وحصل على ليسانس الحقوق عام 1944. ثم سافر إلى فرنسا لاستكمال دراساته العليا، فنال الدكتوراه في القانون الدولي من جامعة باريس عام 1951، عن رسالة تناولت محكمة الغنائم في مصر من منظور مقارن.
التحق بالسلك الدبلوماسي المصري عام 1950، وبدأ مسيرته المهنية في عدد من البعثات والمواقع الدبلوماسية، من بينها عمله ملحقًا وسكرتيرًا ثالثًا بسفارة مصر في لندن، ثم وزيرًا مفوضًا بالسفارة المصرية في باريس بين عامي 1963 و1967. وفي عام 1969، تولى رئاسة الهيئة العامة للاستعلامات، وعمل متحدثًا رسميًا باسم الحكومة المصرية بدرجة نائب وزير. ثم عُيّن سفيرًا لمصر في فرنسا عام 1970، قبل أن يتولى منصب وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء خلال الفترة من 1970 إلى 1972.
وجاءت إحدى أبرز محطات مسيرته بتعيينه مندوبًا دائمًا لمصر لدى الأمم المتحدة في نيويورك، حيث أمضى نحو أحد عشر عامًا بين 1972 و1983. وخلال هذه الفترة، تعزز حضوره في العمل الدبلوماسي متعدد الأطراف، وشارك في عدد من المحطات المؤسسية المهمة، من بينها عضويته في اللجنة التأسيسية لجامعة الأمم المتحدة في طوكيو عام 1974، وترؤسه اللجنة المعنية بإدخال اللغة العربية لغةً عاملة رسمية في الأمم المتحدة في العام نفسه.
وفي عام 1984، تولى حقيبة وزارة الخارجية المصرية، ثم أصبح في العام التالي نائبًا لرئيس الوزراء مع احتفاظه بمنصبه وزيرًا للخارجية. واستمرت ولايته حتى عام 1991، خلال مرحلة اتسمت بتعقيدات إقليمية ودولية، وكانت مصر تعمل خلالها على استعادة موقعها داخل النظام العربي بعد سنوات من القطيعة التي أعقبت اتفاقية كامب ديفيد. وقد ارتبطت هذه المرحلة بجهود إعادة بناء العلاقات المصرية العربية وتهيئة الظروف لعودة مصر إلى جامعة الدول العربية.
أما المحطة الأبرز في مسيرته، فجاءت في 15 مايو 1991، حين تولى منصب الأمين العام لجامعة الدول العربية، وظل في موقعه حتى عام 2001. وكان الأمين العام الخامس للجامعة، وأول من تولى المنصب بعد عودة مقرها من تونس إلى القاهرة، في خطوة حملت دلالة سياسية ومؤسسية على استعادة مصر موقعها داخل المنظومة العربية.
وجاءت ولايته في عقد شهد تحولات إقليمية كبرى، من بينها حرب الخليج الثانية وأزمة لوكربي، فضلًا عن تحديات العمل العربي المشترك في ظل تباين مواقف الدول الأعضاء. وقد فرضت تلك المرحلة على الأمانة العامة التعامل مع ملفات تتجاوز حدود التنسيق الدبلوماسي التقليدي، لتلامس مستقبل النظام الإقليمي العربي ذاته.
واتسم أسلوبه في إدارة الأمانة العامة بالهدوء والتحفظ والاعتماد على المسارات المؤسسية. وبينما رأى بعض المراقبين في هذا النهج قدرًا من التريث، اعتبر آخرون أنه لم يكن كافيًا لمواكبة سرعة الأزمات العربية وتعقيداتها. ومع اختلاف التقييمات، بقي حضوره ممتدًا لعشر سنوات في منصب تتطلب طبيعته موازنة دقيقة بين المصالح والمواقف العربية المتباينة.
ولم تقتصر مسيرته على العمل الرسمي، بل امتدت إلى التوثيق الفكري والسياسي لتجربته؛ فألف كتاب «مواقف وتحديات في العالم العربي»، كما أصدر مذكراته السياسية بعنوان «زمن الانكسار والانتصار: مذكرات دبلوماسي عربي» عام 1998، مستعرضًا فيها أحداثًا مصرية وعربية ودولية عاصرها على امتداد عقود من التحولات.
وحصل خلال مسيرته على عدد من الأوسمة والتكريمات من مصر ودول أخرى، من بينها إيطاليا واليونان وألمانيا وكولومبيا وفرنسا والدنمارك، تقديرًا لإسهاماته الدبلوماسية. وتوفي في 21 ديسمبر 2013 عن عمر ناهز 90 عامًا، ودُفن في مسقط رأسه بالإسكندرية.
ومن الإسكندرية إلى باريس، ومن أروقة الأمم المتحدة في نيويورك إلى وزارة الخارجية المصرية، ثم الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، امتدت مسيرة عصمت عبد المجيد عبر أكثر من نصف قرن من العمل الدبلوماسي المتصل. وقد مثّل نهجه القائم على التدرج المؤسسي والصبر التفاوضي أحد أنماط الدبلوماسية المصرية، في تجربة تستحق القراءة بوصفها جزءًا من تاريخ السياسة الخارجية المصرية والعربية، وما شهدته من تحولات في النصف الثاني من القرن العشرين.

