رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن المقولات الوظيفية في النحو التوليدي

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن المقولات الوظيفية في النحو التوليدي

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

المقولات الوظيفية في النحو التوليدي: من البنية المقولية إلى البنية الوظيفية للجملة

تمهيد

شكّل مفهوم المقولات الوظيفية أحد التحولات المهمة في تطور النظرية التوليدية، إذ لم يعد تحليل الجملة مقتصرًا على المقولات المعجمية التقليدية، مثل الاسم والفعل والصفة وحرف الجر، بل أصبح ينظر إلى الجملة باعتبارها بنية هرمية تتضمن، إلى جانب العناصر المعجمية، عناصر وظيفية تؤدي أدوارًا نحوية ودلالية وتركيبية دقيقة. وقد أسهم هذا التصور في إعادة بناء النظرية التوليدية للجملة، ولا سيما منذ تطور نظرية X-bar ثم نظرية الحكومة والربط، وصولًا إلى البرنامج الأدنى.

وتنبع أهمية المقولات الوظيفية من كونها لا تحمل في الغالب معنى معجميًا مستقلًا، وإنما تسهم في تحديد الخصائص النحوية للجملة، مثل الزمن، والوجه، والجهة، والتعيين، والتطابق، والقوة الإنجازية. ومن هنا أصبحت الجملة في التصورات التوليدية الحديثة بنية مركبة تتفاعل فيها المقولات المعجمية مع المقولات الوظيفية.

1. المقصود بالمقولات الوظيفية

يقصد بالمقولات الوظيفية مجموعة من العناصر أو الرؤوس النحوية التي لا تتمثل وظيفتها الأساسية في تقديم محتوى معجمي، وإنما في تنظيم العلاقات النحوية داخل الجملة وتحديد خصائصها التركيبية والدلالية.

فإذا كانت المقولات المعجمية، مثل N وV وA وP، ترتبط بمحتوى دلالي ومعجمي، فإن المقولات الوظيفية ترتبط أساسًا بخصائص مثل:

الزمن.

التطابق.

التعيين.

القوة الإنجازية.

النفي.

الوجه Modalité.

الجهة Aspect.

بعض الخصائص المرتبطة بالبنية المعلوماتية.

ومن ثم يمكن القول إن الفرق بين المقولتين المعجمية والوظيفية لا يتعلق بمجرد الشكل، بل بطبيعة الوظيفة التي يؤديها كل منهما داخل البنية النحوية.

2. المقولات المعجمية والمقولات الوظيفية

اعتمدت النماذج التوليدية الأولى بصورة أساسية على المقولات المعجمية في بناء التمثيل التركيبي. فالفعل، مثلًا، يُنظر إليه بوصفه عنصرًا يحدد عدد حججه ونوعها، ويُسهم في بناء البنية الأساسية للجملة.

لكن هذا التصور لم يكن كافيًا لتفسير عدد من الظواهر، مثل:

> كتبَ الطالبُ الرسالةَ.

فالفعل كتب يحدد الإطار الحجاجي للجملة، لكنه لا يفسر بمفرده خصائص مثل الزمن أو المطابقة أو القوة الإخبارية للجملة. لذلك أصبح من الضروري افتراض طبقات وظيفية تتفاعل مع البنية المعجمية.

ويمكن تبسيط التمييز على النحو الآتي:

المقولات المعجمية المقولات الوظيفية

الاسم N التعيين D

الفعل V الزمن T

الصفة A القوة الإنجازية C

حرف الجر P التطابق/الخصائص الوظيفية

تحمل محتوى معجميًا تؤدي وظائف تركيبية ونحوية

وهذا التقابل ليس مطلقًا في جميع النماذج التوليدية، لكنه يمثل اتجاهًا عامًا في التمييز بين المستوى المعجمي والمستوى الوظيفي.

3. من X-bar إلى المقولات الوظيفية

كان لنظرية X-bar دور أساسي في تهيئة الأرضية النظرية لمفهوم المقولات الوظيفية. فقد افترضت النظرية أن العبارات لا تتشكل بصورة عشوائية، وإنما تخضع لبنية هرمية يكون فيها الرأس هو العنصر المركزي.

وبناءً على ذلك يمكن تمثيل العبارة بصورة عامة:

XP → Spec X′

X′ → X Complement

وقد سمح هذا التصور بتوسيع فكرة الرأس لتشمل عناصر لا تحمل بالضرورة مضمونًا معجميًا واضحًا. فأصبح بالإمكان الحديث عن رأس وظيفي Functional Head، وعن عبارة وظيفية يتربع هذا الرأس على قمتها.

ومن هنا ظهرت تصورات مثل:

TP

CP

DP

AspP

AgrP

NegP

ModP

بحيث تمثل هذه العبارات طبقات مختلفة من التنظيم النحوي للجملة.

4. عبارة الزمن TP

تعد عبارة الزمن TP (Tense Phrase) من أبرز المقولات الوظيفية في النحو التوليدي.

فبدل أن يكون الزمن مجرد خاصية مرتبطة بالفعل، أصبح يُنظر إليه بوصفه رأسًا نحويًا مستقلًا T، يأخذ موقعًا داخل البنية التركيبية.

ويمكن تمثيل ذلك بصورة مبسطة:

TP

↙︎

DP T′

↙︎↘︎

T VP

في:

> سافرَ محمدٌ.

يمكن تصور محمد في موقع الفاعل، بينما تمثل T الخصائص الزمنية التي تحدد أن الحدث يقع في الماضي.

وقد أتاح هذا التحليل فصل الزمن عن المحتوى المعجمي للفعل، وهو فصل مهم في النظرية التوليدية.

5. عبارة التعيين DP

من المقولات الوظيفية المهمة كذلك DP (Determiner Phrase)، التي ارتبط ظهورها بالنقاش حول طبيعة العبارة الاسمية.

ففي التحليل التقليدي يمكن اعتبار:

> الطالبُ

عبارة اسمية رأسها الاسم طالب.

لكن في تحليل DP يُفترض وجود طبقة وظيفية أعلى، يكون الرأس فيها عنصر التعيين D، بينما يشكل الاسم N رأسًا داخل المجال الاسمي:

DP → D + NP

وتساعد هذه الفرضية على تفسير ظواهر متعددة مرتبطة بالتعيين، والعدد، والملكية، وبعض الخصائص المرجعية.

ومن هنا أصبحت العبارة الاسمية نفسها بنية هرمية تتجاوز مجرد وجود اسم داخل مركب.

6. عبارة القوة الإنجازية CP

تمثل CP (Complementizer Phrase) طبقة وظيفية عليا في الجملة، وترتبط بالخصائص التي تتجاوز المحتوى القضوي المباشر، مثل نوع الجملة والقوة الإنجازية والعلاقة بين الجملة والسياق الخطابي.

فالجمل:

> جاءَ الطالبُ.

> هل جاءَ الطالبُ؟

> ليتَ الطالبَ جاءَ.

لا تختلف فقط في محتواها المعجمي، بل تختلف كذلك في خصائصها الوظيفية: خبرية، استفهامية، تمنٍّ أو غير ذلك.

وهنا تؤدي الطبقة الوظيفية العليا دورًا في تمثيل هذه الخصائص.

وفي بعض التصورات الحديثة، ولا سيما داخل برنامج العمل والترابط أو البرنامج الأدنى، أصبحت CP مجالًا غنيًا بالطبقات الوظيفية التي تتصل بالبنية المعلوماتية والقوة الإنجازية والحركة.

7. عبارة الجهة AspP

إلى جانب الزمن، ظهرت الجهة Aspect بوصفها مجالًا وظيفيًا مستقلًا نسبيًا.

فالفرق بين:

> كتبَ محمدٌ الرسالةَ.

و:

> كان محمدٌ يكتبُ الرسالةَ.

لا يرتبط بالزمن فقط، بل بكيفية تصور الحدث: هل هو مكتمل؟ مستمر؟ متكرر؟

ومن هنا افترضت النماذج التوليدية طبقة AspP، أي عبارة الجهة، لتفسير الخصائص المرتبطة ببنية الحدث وامتداده الزمني.

وهذا التصور مهم خصوصًا في اللغات التي تظهر فيها خصائص الجهة من خلال عناصر صرفية أو نحوية مستقلة.

8. المقولات الوظيفية والتطابق

من المقولات التي شغلت حيزًا مهمًا في النحو التوليدي التطابق Agreement.

وقد افترضت بعض النماذج وجود عبارات وظيفية مثل:

AgrP (Agreement Phrase)

لتفسير المطابقة بين الفعل والفاعل، وبين الفعل وبعض مكوناته في اللغات التي تظهر فيها هذه الظاهرة بصورة واضحة.

ففي العربية مثلًا تظهر المطابقة في عدد من السياقات بين الفعل والفاعل من حيث بعض الخصائص، مثل الشخص والعدد والجنس، بحسب موقع الفاعل ونوع البنية.

وقد أدى ذلك إلى محاولة تفسير المطابقة باعتبارها علاقة تركيبية بين عناصر تتحكم فيها خصائص نحوية مجردة.

9. المقولات الوظيفية في البرنامج الأدنى

مع ظهور البرنامج الأدنى عند تشومسكي، حدثت إعادة صياغة للعديد من الافتراضات السابقة.

فلم تعد القضية تتمثل في إضافة عدد كبير من المقولات الوظيفية لمجرد وصف الظواهر، بل أصبح السؤال أكثر تجريدًا:

ما الخصائص النحوية التي تحتاجها البنية لكي تتقارب مع واجهتي الصوت والدلالة؟

ومن هنا برز مفهوم السمات النحوية، وأصبحت المقولات الوظيفية مرتبطة بمجالات مثل:

السمات القابلة للتفسير.

السمات غير القابلة للتفسير.

المطابقة.

الحركة.

التحقق من السمات.

الانتقاء.

المجال التركيبي.

وبهذا أصبحت المقولات الوظيفية جزءًا من آلية اشتغال النظام النحوي ذاته، وليست مجرد تصنيفات وصفية.

10. المقولات الوظيفية والحركة

تلعب المقولات الوظيفية دورًا أساسيًا في تفسير ظاهرة الحركة Movement.

فالعنصر قد يبدأ في موقع معين ثم ينتقل إلى موقع أعلى بسبب خصائص تركيبية مرتبطة برأس وظيفي.

ومن الأمثلة البارزة حركة الفاعل إلى موقع الموضوع أو المبتدأ، وحركة بعض العناصر الاستفهامية إلى المجال الوظيفي الأعلى.

ويمكن تمثيل ذلك بصورة مبسطة:

CP

↙︎↘︎

XPᵢ . C′

↙︎↘︎

C TP

↙︎

tᵢ …

فالرمز t يمثل الأثر أو الموقع الذي ارتبط به العنصر قبل الحركة في التحليلات التي تعتمد هذا النوع من التمثيل.

وهكذا لا تكون الحركة ظاهرة اعتباطية، وإنما ترتبط بالبنية الوظيفية والسمات التي تحملها الرؤوس.

11. أهمية المقولات الوظيفية في تحليل العربية

تكتسب المقولات الوظيفية أهمية خاصة عند دراسة العربية، بسبب غنى النظام العربي بالخصائص الصرفية والتركيبية التي تتداخل فيها العلامات الزمنية والجهية والتطابقية والتعريفية.

فالعربية تتيح للباحث أن يدرس العلاقة بين:

المعجم ← الصرف ← التركيب ← الدلالة

ومن ثم يمكن الاستفادة من المقولات الوظيفية في تحليل قضايا مثل:

ترتيب عناصر الجملة.

الجملة الاسمية والفعلية.

التطابق بين الفعل والفاعل.

النفي.

الاستفهام.

التقديم والتأخير.

التعريف والتنكير.

الزمن والجهة.

البنية المعلوماتية.

حركة المكونات.

وهنا تظهر أهمية الربط بين التصور التوليدي الحديث وبين المعطيات الخاصة بكل لغة، بدل افتراض أن البنية الوظيفية لجميع اللغات متطابقة بصورة تامة.

خاتمة

تكشف المقولات الوظيفية عن تحول عميق في التفكير التوليدي في بنية الجملة. فالجملة لم تعد تُختزل في سلسلة من المقولات المعجمية المرتبة خطيًا، وإنما أصبحت بنية هرمية متعددة الطبقات تتفاعل داخلها رؤوس معجمية مع رؤوس وظيفية تحدد الزمن والجهة والتطابق والتعيين والقوة الإنجازية وغيرها من الخصائص النحوية.

وقد انتقل مفهوم المقولات الوظيفية من تصورات مرتبطة بالبنية العامة لنظرية X-bar إلى تصورات أكثر تجريدًا في الحكومة والربط ثم في البرنامج الأدنى، حيث أصبحت السمات والحركة والمطابقة من المفاهيم المركزية في تفسير اشتغال البنية الوظيفية.

وبذلك أسهمت المقولات الوظيفية في توسيع قدرة النحو التوليدي على تفسير التنوع التركيبي بين اللغات، وعلى الانتقال من وصف الجملة إلى البحث في المبادئ المجردة التي تجعل بناء الجملة ممكنًا.

مراجع

Chomsky, Noam. Lectures on Government and Binding. Foris, 1981.

Chomsky, Noam. The Minimalist Program. MIT Press, 1995.

Chomsky, Noam. Derivation by Phase. In: Michael Kenstowicz (ed.), Ken Hale: A Life in Language, MIT Press, 2001.

Abney, Steven. The English Noun Phrase in Its Sentential Aspect. MIT, 1987.

Pollock, Jean-Yves. “Verb Movement, Universal Grammar, and the Structure of IP.” Linguistic Inquiry, 20(3), 1989.

Rizzi, Luigi. “The Fine Structure of the Left Periphery.” In: Liliane Haegeman (ed.), Elements of Grammar, Kluwer, 1997.

Cinque, Guglielmo. Adverbs and Functional Heads: A Cross-Linguistic Perspective. Oxford University Press, 1999.

عرض أقل