رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن رائدةُ الرعايةِ الطبيةِ، وخدمةِ الجرحى في صدرِ الإسلام”

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن رائدةُ الرعايةِ الطبيةِ، وخدمةِ الجرحى في صدرِ الإسلام”

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

رائدةُ الرعايةِ الطبيةِ، وخدمةِ الجرحى في صدرِ الإسلام”

المقظمة : امرأةٌ صنعت أثرًا”:

حين نقرأ تاريخ الحضارة الإسلامية في بداياتها، نجد أن صناعة الحضارة لم تكن حكرًا على الرجال؛ فقد شاركت النساء في ميادين متعددة، وكان من بينهن رُفَيْدةُ الأسلمية، التي ارتبط اسمها في كتب السيرة ،والتاريخ بالعناية بالمرضى، والجرحى.

وتُذكر رُفيدة في سياق المجتمع الإسلامي في المدينة المنورة، حيث عُرفت بمعالجة المرضى ورعاية المصابين، وأصبحت سيرتها من أشهر النماذج النسائية المرتبطة بالرعاية الطبية في صدر الإسلام.

أولا: رُفيدة وخدمةُ الجرحى:

من أشهر الأخبار المرتبطة بها ما ورد بشأن سعد بن معاذ رضي الله عنه، عندما أُصيب يوم الخندق، فجُعل له موضع للعلاج والرعاية، وتذكر روايات السيرة أن ذلك كان في خيمة رُفيدة.

وكان سعد بن معاذ قد أُصيب بسهم في أكحله، فكان النبي ﷺ يتابع حاله، وبقي قريبًا منه حتى اشتدت إصابته ثم توفي رضي الله عنه.

وتكشف هذه الرواية عن أهمية وجود أماكن مخصصة لرعاية المصابين، وعن مشاركة النساء في تقديم العناية للمرضى، والجرحى.

ثانيا: خيمةٌ أصبحت رمزًا:

ارتبط اسم رُفيدة بما عُرف في بعض الروايات بـ خيمة رُفيدة، وهي صورة تاريخية مهمة لفكرة تخصيص مكان لعلاج المصابين.

ولا ينبغي إسقاط المفاهيم الطبية الحديثة عليها بصورة حرفية؛ فلم تكن المستشفيات في صدر الإسلام بالشكل المؤسسي المعروف اليوم، لكن وجود موضع لرعاية الجرحى يعكس تطورًا في مفهوم خدمة المصاب، والعناية به.

ثالثا:المرأةُ ،وخدمةُ المجتمع:

تكمن أهمية قصة رُفيدة في أنها تقدم نموذجًا لامرأة شاركت في مجال يحتاج إلى المعرفة،والمهارة، والصبر ،والرحمة.

فالرعاية الطبية ليست مجرد علاج للجسد، وإنما هي أيضًا:

رحمةٌ بالمريض،

وعنايةٌ بالضعيف،

وتخفيفٌ للألم،

وخدمةٌ للمجتمع.

وهذه المعاني تجعل قصة رُفيدة ذات دلالة إنسانية تتجاوز حدود عصرها.

رابعا : هل كانت أول ممرضة في التاريخ؟:

تصف بعض الكتابات الحديثة رُفيدة بأنها “أول ممرضة في الإسلام” أو “أول ممرضة في التاريخ”.

والتعبير الأول يمكن فهمه بوصفه وصفًا رمزيًا لدورها المبكر في الرعاية الطبية في المجتمع الإسلامي، أما القول بأنها أول ممرضة في تاريخ البشرية فهو أوسع من الأدلة المتاحة تاريخيًا؛ فالرعاية والعلاج وُجدا في حضارات أقدم من الإسلام بقرون طويلة.

ولهذا فإن الأدق علميًا أن نقول:

رُفيدة الأسلمية من أشهر النساء اللاتي ارتبطت أسماؤهن بالرعاية الطبية للمرضى ،والجرحى في صدر الإسلام.

خامسا: رُفيدة في الذاكرة الحضارية:

ظل اسم رُفيدة حاضرًا في الكتابات المتعلقة بتاريخ الطب، والتمريض في الحضارة الإسلامية، وأصبح رمزًا يُستشهد به عند الحديث عن مشاركة المرأة المسلمة في الرعاية الصحية.

وهنا تكمن القيمة الحقيقية لسيرتها؛ فهي تذكّرنا بأن الحضارة لا تُبنى بالعلم وحده، وإنما حين يتحول العلم إلى عملٍ نافع وخدمةٍ للإنسان.

سادسا:درسٌ من رُفيدة:

لم تترك لنا رُفيدة قصورًا ،ولا كنوزًا، وإنما تركت شيئًا أبقى:

أثرًا في حياة الإنسان.

وهذه هي القاعدة التي لا يغيرها الزمن:

قد ينسى التاريخ أسماء من امتلكوا كثيرًا، لكنه لا ينسى من جعلوا ما لديهم نافعًا للناس.

الخاتمة:

كانت رُفيدة الأسلمية واحدة من النساء اللاتي ارتبطت أسماؤهن بتاريخ الرعاية الطبية في المجتمع الإسلامي المبكر، فأصبحت سيرتها نموذجًا للرحمة والعطاء والمسؤولية.

وإذا كانت الحضارات تُقاس بما تبنيه من مؤسسات، فإنها تُقاس أيضًا بما تزرعه في نفوس أبنائها من قيم الرحمة والعلم وخدمة الإنسان.

وهكذا بقي اسم رُفيدة الأسلمية حاضرًا في الذاكرة؛ لا لأنها كانت امرأةً في زمن الرجال فحسب، بل لأنها جعلت من الرعاية رسالة، ومن المعرفة خدمة، ومن الرحمة أثرًا خالدًا.