
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مسؤولية الفتوى بين المفتي والمستفتي
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مسؤولية الفتوى بين المفتي والمستفتي: من يتحمل وزر الخطأ أمام الله؟
——–
مدخل:
#كثيراً ما يعتري المسلم غير المتخصص (العامي) قلق شديد حينما يستفتي عالماً في مسألة ما، خاصة مع تعدد الآراء واختلاف الفتاوى.
#ويتساءل: ماذا لو كان هذا المفتي مخطئاً؟ هل سأحاسب أمام الله على هذا الخطأ لأنني قلدته؟
#لتحرير هذه المسألة وبث الطمأنينة في النفوس، نضع هذه القواعد الشرعية المنضبطة التي تحدد نطاق المسؤولية لكل طرف.
———-
أولاً: حدود مسؤولية المستفتي (العامي)
#الشريعة الإسلامية شريعة واقعية وميسرة، لا تكلف الناس بما يفوق طاقاتهم.
#فالعامي الذي لا يملك أدوات الاجتهاد، ولا يعرف طرق استنباط الأحكام من النصوص، واجبه الشرعي ينحصر في أمر واحد فقط: سؤال أهل العلم الموثوقين.
#قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43].
#فإذا سأل المسلم عالماً يثق في دينه وعلمه، فقد أدى ما أوجبه الله عليه، وبرئت ذمته تماماً.
——
#وقد قرر علماء الأصول أن المفتي هو “دليل” العامي، فكما أن العالم يبحث في الآيات والأحاديث ليصل للحكم، فإن العامي يبحث عن العالم الثقة ليأخذ منه الحكم.
#قال الشاطبي: “فتاوى المجتهدين بالنسبة إلى العوام كالأدلة الشرعية بالنسبة إلى المجتهدين” (الشاطبي . الموافقات . 336 . 4 .).
#وبناءً على ذلك، لا يحاسب الله المستفتي على خطأ المفتي أبداً، لأنه امتثل لأمر الله بسؤال أهل الذكر.
——–
#ثانياً: مسؤولية المفتي عن خطئه
تنتقل المسؤولية الشرعية كاملة إلى المفتي بمجرد تصدره للفتوى، وهو أمام حالتين:
١.المفتي المؤهل المجتهد: إذا بذل وسعه واستفرغ جهده للوصول إلى الحق، ثم أخطأ، فهو معذور بل ومأجور على اجتهاده، ولا إثم عليه ولا على من قلده.
#قال رسول الله ﷺ: “إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر” أخرجه البخاري في صحيحه برقم 7352، ومسلم في صحيحه برقم 1716.
——-
٢.المفتي غير المؤهل (المتجرئ): إذا أفتى بغير علم، أو تسرع دون تثبت، فالإثم يقع عليه وحده، ولا يحمل المستفتي من وزره شيئاً.
#قال رسول الله ﷺ: “من أفتي بفتيا غير ثبت فإنما إثمه على من أفتاه” أخرجه أبو داود في سننه برقم 3657.
——–
ثالثاً: متى يأثم المستفتي؟
#رغم أن الأصل هو براءة ذمة المستفتي، إلا أن هناك حالات يتحمل فيها الإثم، وهي:
١.تتبع الرخص (تلفيق الفتاوى): أن يبحث السائل متعمداً عن الأقوال الشاذة أو الضعيفة التي توافق هواه، فينتقل من مفتٍ إلى آخر حتى يجد من يبيح له ما يريد. هذا التلاعب محرم، لأنه اتباع للهوى وليس اتباعاً للشرع.
٢.استفتاء من يُعلم جهله: أن يسأل شخصاً يعرف مسبقاً أنه ليس من أهل الاختصاص ولا يمتلك الأهلية العلمية، فهنا يأثم لتقصيره في اختيار من يسأله في أمر دينه.
——–
رابعاً: المخرج عند اختلاف الفتاوى
#إذا سأل المسلم أكثر من عالم، أو استمع لعدة فتاوى واختلفت عليه الآراء، فالأمر واسع، وله أن يسلك أحد هذه المسالك:
١.الترجيح بالثقة: أن يأخذ بقول من يراه أعلم وأورع وأتقى لله من غيره.
٢.الأخذ بالأيسر: إذا تساوى المفتون عنده في العلم والثقة، فله أن يأخذ بالقول الأيسر والأرفق بحاله، لأن مبنى الشريعة على التيسير ورفع الحرج.
٣.استفتاء القلب: إذا حاك في صدره شيء من الفتوى، ولم يطمئن لها رغم صدورها من عالم، فله أن يتركها تورعاً.
#قال رسول الله ﷺ: “استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك” أخرجه أحمد في مسنده برقم 18006.
———
الخلاصة:
#أن المستفتي العامي تبرأ ذمته بمجرد سؤاله للعالم الموثوق، ولا يحاسبه الله على خطأ المفتي، بل يقع الإثم على المفتي إن أفتى بغير علم أو تسرع. ولا يأثم المستفتي إلا إذا تتبع الرخص أو سأل من يعلم جهله. وعند اختلاف الفتاوى، فله أن يرجح بالثقة أو يأخذ بالأيسر أو يستفتي قلبه.
#ويضاف إلى ذلك:
١. الفرق بين الفتوى والقضاء: الفتوى إخبار بالحكم الشرعي غير ملزم، بينما حكم القاضي ملزم ويرفع الخلاف. وإذا أفتى المفتي بحل شيء وهو في الباطن حرام (كأن يكذب السائل في عرض مشكلته)، فإن الفتوى لا تحل له الحرام.
٢. اختلاف العلماء رحمة: تنوع الآراء الفقهية المعتبرة ليس تناقضاً في الدين، بل هو سعة ورحمة بالأمة لتستوعب اختلاف أحوال الناس وبيئاتهم وأزمانهم.

