
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن خُلُق الاستئذان وحفظ الخصوصية
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
خُلُق الاستئذان وحفظ الخصوصية في حياة النبي ﷺ وأثره في معالجة ظاهرة التصوير دون إذن
٠٠٠٠٠٠٠٠
مدخل
الحمد لله الذي جعل البيوت سكَناً، وحرّم تتبع العورات، والصلاة والسلام على المعلم الأول الذي أرسى قواعد الذوق والأدب، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد:
#فإن الإسلام دين يصون كرامة الإنسان، ويحفظ عليه خصوصيته، فلا يبيح اقتحام مساحته الشخصية أو كشف ستره بأي ذريعة.
#وفي زماننا المعاصر، ومع ثورة الهواتف الذكية والكاميرات الرقمية، برزت ظاهرة خطيرة تتمثل في “التصوير دون إذن والاعتداء على الخصوصية”، حيث استُبيحت الأعراض، ونُشرت الأسرار، وصار تتبع عثرات الناس وتوثيق لحظات ضعفهم مادة للتربح والشهرة.
#وأمام هذا الانفلات الرقمي والأخلاقي، يبرز “خُلُق الاستئذان وحفظ الخصوصية” كحصن نبوي منيع، يعيد للبيوت حرمتها، وللأفراد أمنهم النفسي، ويضبط سلوك المسلم في الفضاءين الواقعي والافتراضي.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠
المحور الأول: تجليات خُلُق الاستئذان وحفظ الخصوصية في حياة النبي ﷺ
#كان النبي ﷺ أشد الناس احتراماً لخصوصيات الآخرين، وأرسى قواعد دقيقة لمنع التلصص والاعتداء على الحرمات، وتجلى ذلك في صور عظيمة، منها:
١.حصر الغاية من الاستئذان في حفظ البصر:
#بيّن النبي ﷺ أن العلة الكبرى من الاستئذان ليست مجرد إعلام أهل البيت بالقدوم، بل منع العين من الوقوع على ما لا يحل.
#فعن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ» [أخرجه البخاري في صحيحه برقم (6241)، ومسلم برقم (2156)].
———
٢.الوقوف بجانب الباب لا في مواجهته:
#من كمال أدبه ﷺ وحفظه لخصوصية البيوت، أنه كان يتجنب الوقوف مواجهاً للباب المفتوح لئلا يقع بصره على عورة.
#فعن عبد الله بن بُسْر رضي الله عنه قال: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوِ الْأَيْسَرِ، وَيَقُولُ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ» [أخرجه أبو داود في سننه برقم (5186)، وأحمد في المسند برقم (17674)، وقال الإمام النووي: إسناده صحيح].
٠٠٠٠٠
٣.تغليظ العقوبة على من يتلصص على البيوت:
#حمايةً للخصوصية، أهدر النبي ﷺ دية عين المتلصص إذا فُقئت.
#فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله ﷺ قال: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ فَخَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ، مَا كَانَ عَلَيْكَ مِنْ جُنَاحٍ» [أخرجه البخاري برقم (6888)، ومسلم برقم (2158)].
٠٠٠٠٠
٤.النهي عن استراق السمع (التنصت):
#لم يقتصر حفظ الخصوصية على البصر، بل شمل السمع أيضاً.
#فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ، أَوْ يَفِرُّونَ مِنْهُ، صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ (الرصاص المذاب) يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [أخرجه البخاري برقم (7042)].
٠٠٠٠٠٠
٥.الاستئذان حتى على المحارم (كالأم والأخت):
#بلغ من تعظيم الإسلام للخصوصية أن أمر بالاستئذان حتى على أقرب الناس.
#سأل رجل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ فَقَالَ: «مَا عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهَا تُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا» [أخرجه البخاري في الأدب المفرد برقم (1059)، وصحح إسناده ابن حجر].
——-
٦.النهي عن قراءة رسائل الآخرين بغير إذن:
حفظ النبي ﷺ سرية المراسلات الشخصية واعتبرها من العورات.
#فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ نَظَرَ فِي كِتَابِ أَخِيهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَكَأَنَّمَا يَنْظُرُ فِي النَّارِ» [أخرجه أبو داود برقم (3148)، والطبراني في الكبير].
——–
المحور الثاني: القصة (موقف النبي ﷺ مع المتلصص من ثقب الباب)
#عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ (ثقب) فِي حُجَرِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِدْرًى (مشط من حديد) يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ.
فَلَمَّا رآه النبي ﷺ يتلصص النظر إلى داخل الحجرة، غضب غضباً شديداً لحرمة البيت، فَقَالَ لَهُ: «لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ، إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ». [أخرجه البخاري في صحيحه برقم (6241)، ومسلم برقم (2156)].
———
#الفوائد المستنبطة من القصة:
١.حرمة المساحة الشخصية: غضب النبي ﷺ يؤكد أن داخل البيت هو مساحة آمنة لا يجوز لأحد اختراقها بالنظر أو بأي وسيلة تصوير حديثة.
٢.الصرامة في حماية الخصوصية: تلويح النبي ﷺ بطعن عين المتلصص بالمشط الحديدي، يدل على أن الاعتداء على الخصوصية جريمة تستوجب الردع الحازم.
٣.العين هي أداة الانتهاك الأولى: تأكيد النبي ﷺ أن الاستئذان شُرع من أجل البصر، ينسحب اليوم على “عدسة الكاميرا” التي هي امتداد للبصر، فالتصوير بغير إذن هو تلصص محرم.
٤.لا عذر للفضول: لم يقبل النبي ﷺ أي مبرر لفضول الرجل، فمجرد النظر من الثقب (أو توجيه الكاميرا) هو اعتداء مدان شرعاً.
٥.حق الإنسان في الخلوة: كان النبي ﷺ يمشط شعره في خلوته، وهو حق طبيعي لكل إنسان أن يتخفف من قيود المظهر العام داخل بيته، وتصويره في هذه الحالة خيانة.
٦.سد الذرائع: هذا الموقف النبوي يسد كل ذريعة لتتبع عورات الناس، سواء كان بالنظر المباشر، أو عبر الثقوب، أو من خلال التقنيات الحديثة.
٠٠٠٠٠٠٠
المحور الثالث: القضية المعاصرة (ظاهرة التصوير دون إذن والاعتداء على الخصوصية)
#لقد حولت الهواتف الذكية بعض الناس إلى “متلصصين متجولين”، وتتجلى ظاهرة الاعتداء على الخصوصية في صور مفزعة:
١.تصوير الحوادث والمصابين: بدلاً من المسارعة لإنقاذ الجرحى في حوادث السير، يقوم البعض بتصويرهم وهم ينزفون أو في سكرات الموت، ونشر المقاطع لحصد المشاهدات، في تجرد تام من الرحمة والمروءة.
٠٠٠٠
٢.التصوير الخفي في الأماكن العامة والخاصة: التقاط صور أو مقاطع فيديو للناس في المطاعم، أو الأسواق، أو قاعات الأفراح دون علمهم، ونشرها للسخرية منهم أو تتبع زلاتهم.
٠٠٠٠
٣.نشر المحادثات الخاصة (الرسائل الصوتية والنصية): تصوير الشاشة للمحادثات الخاصة بين الأصدقاء أو الأزواج، ونشرها للتشهير أو الانتقام، وهو خيانة للأمانة.
٠٠٠٠٠
٤.انتهاك خصوصية الأطفال: قيام بعض الآباء والأمهات بتصوير أبنائهم في مواقف محرجة (وهم يبكون أو خائفون) ونشرها على منصات التواصل لجلب التفاعل، مما يسبب للطفل أذى نفسياً مستقبلياً.
٠٠٠٠٠٠
٥.كاميرات المراقبة في الأماكن غير اللائقة: قيام بعض ضعاف النفوس بوضع كاميرات مراقبة مخفية في غرف تبديل الملابس، أو العيادات، أو المكاتب المغلقة، لابتزاز الناس وكشف عوراتهم.
٠٠٠٠٠٠
٦.تصوير الموتى والجنائز: اقتحام خصوصية الموتى بتصويرهم أثناء التغسيل أو في الكفن، ونشر ذلك بحجة “أخذ العظة”، وهو انتهاك صارخ لحرمة الميت التي صانها الإسلام.
٠٠٠٠٠٠٠٠
المحور الرابع: المعالجة النبوية لظاهرة الاعتداء على الخصوصية
وضع الهدي النبوي سياجاً أخلاقياً وتشريعياً لحماية الأعراض، وعالج هذه الظاهرة من خلال:
١.تحريم تتبع العورات والتوعد بالفضيحة الإلهية:
حذر النبي ﷺ من أن من يتتبع خصوصيات الناس، سيفضحه الله في عقر داره.
#فعن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» [أخرجه أبو داود برقم (4880)، وأحمد برقم (19776)، وقال ابن حجر: إسناده حسن].
٠٠٠٠٠٠
٢.تعظيم حرمة المسلم (دمه وماله وعرضه):
#جعل النبي ﷺ الاعتداء على العرض (والخصوصية من صميمه) كحرمة الدماء.
#فقال في حجة الوداع: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» [أخرجه البخاري برقم (67)، ومسلم برقم (1679) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه].
٠٠٠٠٠٠٠
٣.الأمر بستر المسلم وعدم فضيحته:
#بدلاً من تصوير زلات الناس ونشرها، أمر النبي ﷺ بالستر.
#فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» [أخرجه مسلم برقم (2699)]. فمن صور مسلماً في موقف ضعف فقد خالف أمر الستر.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠
٤.اعتبار المجالس بالأمانة:
عالج النبي ﷺ ظاهرة نشر الأسرار والمحادثات بقاعدة عظيمة. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ» [أخرجه أبو داود برقم (4869)، وقال ابن حجر: إسناده حسن]. فكل ما يدور في المجلس (أو المحادثة الرقمية) هو أمانة يحرم تصويرها أو نقلها بغير إذن.
٠٠٠٠٠٠٠
٥النهي عن ترويع المسلم (ولو بالمزاح):
#تصوير الناس في مواقف الخوف أو الغفلة للمزاح هو ترويع محرم.
#فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا» [أخرجه أبو داود برقم (5004)، وأحمد برقم (23064)، وصحح إسناده الإمام النووي].
٠٠٠٠٠٠٠
٦.حفظ سرية العلاقة الزوجية:
#حذر النبي ﷺ من نشر ما يدور بين الزوجين، وهو ما ينطبق اليوم على من يصورون تفاصيل حياتهم الزوجية الدقيقة.
#فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ، ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا» [أخرجه مسلم برقم (1437)].
———
المحور الخامس: الواجب العملي
#يتبين مما سبق أن خصوصية
#الإنسان في الإسلام خط أحمر، وأن عدسة الكاميرا التي تلتقط صور الناس بغير إذنهم هي بمثابة “عين المتلصص” التي أهدر النبي ﷺ ديتها. ولمواجهة هذه الظاهرة، نوصي بما يلي:
١.تغليظ العقوبات القانونية: تفعيل وتغليظ قوانين الجرائم الإلكترونية التي تعاقب بالسجن والغرامة كل من يصور شخصاً بغير إذنه أو ينشر محادثاته الخاصة.
٢.التربية الرقمية للأبناء: غرس خُلُق “الاستئذان الرقمي” في نفوس الأطفال، وتعليمهم أن تصوير الآخرين أو أشيائهم بغير إذن هو سرقة واعتداء.
٣.مقاطعة حسابات الفضائح: توعية المجتمع بضرورة التوقف عن متابعة الحسابات التي تقتات على نشر فضائح الناس وتتبع عوراتهم، فالمتابع شريك في الإثم.
٤. احترام حرمة الموتى والمصابين: إطلاق حملات توعوية تؤكد على أن تصوير الحوادث والجنائز هو خرم للمروءة ومخالفة للشرع، وأن الواجب هو الإنقاذ والدعاء لا التصوير.
٥. ضبط استخدام كاميرات المراقبة: وضع لوائح صارمة تُلزم المحلات والمؤسسات بوضع لافتات واضحة تفيد بوجود كاميرات، وتجريم وضعها في الأماكن ذات الخصوصية العالية.
٦. تفعيل دور خطباء المساجد: تخصيص خطب ودروس لتنزيل أحكام “الاستئذان وغض البصر” على واقع الهواتف الذكية، وتذكير الناس بوعيد الله لمن يتتبع عورات المسلمين.
٠٠٠٠٠٠٠٠٠
مسك الختام (أبيات شعرية):
ولله در القائل حين لخص هذا المعنى البديع في ضرورة حفظ العورات وغض الطرف عن خصوصيات الناس، فقال:
احْفَظْ لِسَانَكَ وَالعُيُونَ عَنِ الأَذَى … وَدَعِ الفُضُولَ وَعَوْرَةَ الإِخْوَانِ
لا تَكْشِفَنَّ سَرِيرَةً مَخْبُوءَةً … فَاللهُ يَسْتُرُ عَوْرَةَ الإِنْسَانِ
وَاسْتَأْذِنِ النَّاسَ الكِرَامَ بِدَارِهِمْ … إِنَّ الدِّيَارَ مَعَاقِلُ الإِيمَانِ

