
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الأسس اللسانية للسيميائيات: من العلامة اللغوية إلى بناء المعنى
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
الأسس اللسانية للسيميائيات: من العلامة اللغوية إلى بناء المعنى
مقدمة
تُعدّ السيميائيات من أبرز الحقول المعرفية التي اهتمت بدراسة العلامات وأنظمة الدلالة، وكيفية إنتاج المعنى وتداوله داخل المجتمع والثقافة. وعلى الرغم من اتساع مجالها ليشمل اللغة والصورة والإشارة والحركة والطقوس واللباس والفنون والإعلانات وغيرها، فإن اللغة ظلت تمثل أحد أهم منطلقاتها النظرية والمنهجية.
وقد ارتبط التأسيس العلمي للسيميائيات، في صورتها الحديثة، بالتحول الذي أحدثه فردينان دو سوسير في الدرس اللساني؛ إذ لم يعد ينظر إلى اللغة باعتبارها مجرد وسيلة للتواصل، وإنما بوصفها نظامًا من العلامات تتحدد قيم عناصره من خلال العلاقات التي تنتظم بينها. ومن هنا أصبحت اللسانيات نموذجًا مرجعيًا استفادت منه السيميائيات في بناء مفاهيمها ومناهجها.
وتسعى هذه المقالة إلى بيان أهم الأسس اللسانية التي قامت عليها السيميائيات، من خلال مفاهيم العلامة، والدال والمدلول، والقيمة، والعلاقات التركيبية والاستبدالية، والاعتباطية، ثم بيان كيفية انتقال هذه المبادئ من دراسة اللغة إلى دراسة مختلف الأنظمة العلاماتية.
1. سوسير والانتقال من اللسانيات إلى علم العلامات
يشكل مشروع فردينان دو سوسير نقطة مركزية في تاريخ السيميائيات الحديثة. فقد اقترح في محاضرات في اللسانيات العامة تصورًا للغة باعتبارها نظامًا من العلامات، ورأى أن من الممكن قيام علم عام يدرس حياة العلامات داخل المجتمع، وأطلق عليه اسم السيميولوجيا.
ويكتسب هذا التصور أهمية خاصة لأن اللغة، وفق الرؤية السوسيرية، ليست مجموعة من الكلمات المنعزلة، وإنما نسق من العلاقات. فالعلامة لا تستمد قيمتها من ذاتها، بل من موقعها داخل النظام ومن علاقاتها بالعلامات الأخرى.
وبذلك انتقلت الدراسة من التركيز على العنصر المفرد إلى دراسة البنية والعلاقات والنسق، وهو تحول كان له أثر بالغ في السيميائيات والبنيوية والنقد الأدبي فيما بعد.
2. العلامة اللغوية: الدال والمدلول
من أهم الأسس التي انتقلت من اللسانيات إلى السيميائيات مفهوم العلامة. وتتكون العلامة اللغوية، عند سوسير، من طرفين متلازمين:
الدال: الصورة السمعية للعلامة.
المدلول: المفهوم الذي تحيل إليه هذه الصورة السمعية.
ولا يعني الدال مجرد الصوت المادي المنطوق، وإنما الصورة النفسية لذلك الصوت كما تتمثل في ذهن المتكلم.
فكلمة «شجرة» مثلًا ليست مجرد سلسلة من الأصوات، وإنما ترتبط في النظام اللغوي بمفهوم ذهني معين. ومن ثم فالعلامة لا تقوم على علاقة مباشرة بين كلمة وشيء خارجي فحسب، بل على علاقة بين دال ومدلول داخل نسق لغوي.
وقد أصبح هذا التقابل أساسًا مهمًا في الدراسات السيميائية، التي وسعت مفهوم العلامة ليشمل وحدات غير لغوية أيضًا.
3. اعتباطية العلامة
يُعد مبدأ اعتباطية العلامة من أهم المبادئ السوسيرية التي أثرت في التفكير السيميائي.
ويقصد به أن العلاقة بين الدال والمدلول ليست علاقة طبيعية أو ضرورية. فلا توجد، في ذات الأصوات التي تتكون منها كلمة معينة، ضرورة تجعلها تدل على مفهوم بعينه.
ويظهر ذلك بوضوح عند مقارنة اللغات: فالمفهوم الواحد يمكن أن يعبر عنه بدوال مختلفة في لغات متعددة.
غير أن الاعتباطية لا تعني أن الفرد يستطيع تغيير العلامة بإرادته الخاصة؛ فالعلامة، بمجرد دخولها في النظام اللغوي، تصبح خاضعة للأعراف والاستعمال الجماعي. ولذلك يجتمع في اللغة عنصران متكاملان: الاعتباطية من جهة، والاجتماعية من جهة أخرى.
4. اللغة نسق من العلاقات
لا تكمن قيمة العلامة في ذاتها، بل في العلاقات التي تقيمها مع العلامات الأخرى. وهذه الفكرة تمثل أحد أهم الأسس البنيوية التي انتقلت إلى السيميائيات.
فمعنى العنصر اللغوي يتحدد جزئيًا من خلال اختلافه عن العناصر الأخرى. ويمكن تقريب ذلك من خلال الألوان؛ إذ لا تتحدد قيمة «الأحمر» داخل نظام إشاري إلا في علاقته بالأخضر والأصفر وغيرهما.
وهكذا تصبح السيميائيات معنية ليس فقط بالسؤال:
ماذا تعني هذه العلامة؟
بل أيضًا:
ما موقعها داخل النظام؟ وما العلاقات التي تربطها بالعلامات الأخرى؟
ومن هنا ظهر الاهتمام السيميائي بمفاهيم مثل النسق، والعلاقة، والاختلاف، والبنية، والقيمة.
5. القيمة والعلاقات داخل النظام
يرتبط مفهوم القيمة ارتباطًا وثيقًا بالنظرية السوسيرية. فالعلامة لا تملك قيمة مستقلة عن النظام الذي توجد فيه.
ويمكن توضيح ذلك من خلال اللغة نفسها: فالقيمة الدلالية أو الوظيفية لوحدة لغوية تتحدد عبر شبكة من التقابلات والعلاقات مع الوحدات الأخرى.
وقد انتقل هذا التصور إلى السيميائيات، فأصبح تحليل أي نظام من الأنظمة العلاماتية يتطلب الكشف عن:
1. وحداته الأساسية.
2. العلاقات التي تربط هذه الوحدات.
3. التقابلات القائمة بينها.
4. القواعد التي تنظم اشتغالها.
5. القيم التي تنتج عن انتظامها داخل النسق.
وبهذا المعنى أصبحت السيميائيات تبحث عن منطق النظام العلاماتي وليس عن العلامات منفردة.
6. العلاقات التركيبية والاستبدالية
من الأسس اللسانية المهمة أيضًا التمييز بين نوعين من العلاقات:
أ. العلاقات التركيبية
تنشأ بين العناصر التي تجتمع داخل سلسلة أو تركيب معين.
ففي الجملة:
«قرأ الطالبُ الكتابَ»
تتحدد وظيفة كل عنصر من خلال علاقته بالعناصر الأخرى داخل السلسلة.
وقد استفادت السيميائيات من هذا المفهوم في تحليل مختلف الأنظمة؛ فالصورة، مثلًا، لا تنتج معناها من عناصرها منفردة فقط، وإنما من طريقة تنظيم هذه العناصر وتجاورها.
ب. العلاقات الاستبدالية
تقوم على إمكانية اختيار عنصر من مجموعة عناصر يمكن أن يحل بعضها محل بعض في موضع معين.
ففي الجملة:
«قرأ الطالبُ الكتابَ»
يمكن استبدال «الطالب» بـ«الباحث» أو «الطفل» أو «الأستاذ»، بحسب السياق.
وقد وظفت السيميائيات هذا التصور في دراسة الملابس والألوان والصور والإعلانات وغيرها، حيث يمكن أن يحمل اختيار عنصر معين دلالة مرتبطة بالعناصر التي كان من الممكن أن تحل محله.
7. من العلامة اللغوية إلى العلامة غير اللغوية
لم تتوقف السيميائيات عند حدود العلامة اللفظية، بل وسعت مجال الدراسة ليشمل مختلف أشكال التعبير الإنساني.
فإذا كانت اللغة نظامًا من العلامات، فإن أنظمة أخرى يمكن أن تؤدي وظائف دلالية أيضًا، مثل:
الصورة؛
الإشارات المرورية؛
الألوان؛
اللباس؛
الإيماءات؛
العمارة؛
الإعلان؛
السينما؛
المسرح؛
الطقوس الاجتماعية.
وهنا تظهر أهمية الأساس اللساني؛ فاللسانيات قدمت للسيميائيات نموذجًا يمكن من خلاله التفكير في الأنظمة غير اللغوية باعتبارها أنساقًا لها وحدات وعلاقات وقواعد إنتاج للمعنى.
8. اللسانيات البنيوية وأثرها في السيميائيات
أسهمت البنيوية اللسانية في ترسيخ مجموعة من المبادئ التي ستصبح ذات أهمية كبيرة في السيميائيات، وأبرزها:
أولوية النسق على العنصر المنعزل.
الاهتمام بالعلاقات الداخلية.
دراسة البنية بدل الاكتفاء بالوصف السطحي.
التركيز على التزامن.
البحث عن القواعد المنظمة للنسق.
النظر إلى المعنى باعتباره ناتجًا عن العلاقات والاختلافات.
ومن هنا أصبح التحليل السيميائي قريبًا في بعض مراحله من التحليل البنيوي؛ إذ يبحث عن البنية العميقة التي تنتظم خلف الظواهر الظاهرة.
9. من سوسير إلى بيرس: توسيع مفهوم العلامة
إذا كان سوسير قد أسس تصورًا ثنائيًا للعلامة، فإن تشارلز ساندرس بيرس قدم تصورًا ثلاثيًا يقوم على:
العلامة؛
الموضوع؛
المؤوِّل.
ويختلف النموذجان في عدد من الجوانب، لكنهما يشتركان في جعل العلامة محورًا لفهم إنتاج الدلالة.
كما ميز بيرس بين ثلاثة أنواع شهيرة من العلامات:
الأيقونة: تقوم على علاقة مشابهة، كالصورة.
المؤشر: يقوم على علاقة مجاورة أو سببية، كالدخان بوصفه مؤشرًا على النار.
الرمز: تقوم علاقته بموضوعه على العرف أو الاتفاق، كالعلامات اللغوية.
وقد أسهم هذا التصنيف في توسيع مجال البحث السيميائي خارج اللغة.
10. من السيميولوجيا إلى السيميائيات
تطورت السيميائيات لاحقًا على أيدي باحثين متعددين، مثل رولان بارت وأمبرتو إيكو وألغرداس جوليان غريماس وغيرهم، مع اختلاف مشروعاتهم النظرية.
فقد وظف بارت بعض المبادئ البنيوية والسيميولوجية في تحليل الثقافة اليومية والإعلان والموضة والصورة.
أما إيكو فاهتم بالعلامة والتأويل والثقافة والاتصال، وسعى إلى بناء تصور واسع للسيميائيات بوصفها نظرية للعمليات الدلالية والتواصلية.
في حين عمل غريماس على تطوير سيميائيات تهتم بالبنى العميقة لإنتاج المعنى، ولا سيما من خلال النموذج العاملي والمربع السيميائي.
وهكذا انتقلت السيميائيات من دراسة العلامة في حد ذاتها إلى دراسة الخطابات والأنظمة الثقافية وآليات إنتاج المعنى وتأويله.
11. الأساس اللساني والسيميائيات الأدبية
كان للأصول اللسانية أثر واضح في السيميائيات الأدبية؛ إذ أصبح النص يُنظر إليه بوصفه بنية من العلامات والعلاقات، وليس مجرد وعاء لمعنى جاهز.
ومن هذا المنظور يمكن دراسة النص الأدبي عبر مستويات متعددة:
المستوى الصوتي؛
المستوى المعجمي؛
المستوى التركيبي؛
المستوى الدلالي؛
المستوى التداولي؛
المستوى السردي.
وهذا ما جعل السيميائيات تلتقي مع اللسانيات النصية وتحليل الخطاب والنقد البنيوي والسرديات.
وفي تحليل السرد، مثلًا، لم يعد الاهتمام منصبًا على مضمون الحكاية وحده، وإنما على كيفية تنظيم الشخصيات والأحداث والأفعال والعلاقات والتوترات الدلالية داخل النص.
12. نحو تصور تكاملي للعلاقة بين اللسانيات والسيميائيات
لا ينبغي فهم العلاقة بين اللسانيات والسيميائيات باعتبارها علاقة تبعية مطلقة؛ فالسيميائيات تطورت لتصبح مجالًا أوسع يدرس أنظمة دلالية متعددة. ومع ذلك ظلت اللسانيات تمثل أحد أهم روافدها النظرية.
فاللغة تقدم نموذجًا متقدمًا لفهم كيفية اشتغال العلامة داخل نسق من العلاقات، بينما تسمح السيميائيات بتوسيع هذا النموذج ليشمل الثقافة والصورة والفن والإعلام وغيرها.
ومن ثم يمكن القول إن العلاقة بينهما تقوم على التقاطع والتكامل: اللسانيات تركز أساسًا على اللغة بوصفها نظامًا خاصًا من العلامات، بينما تسعى السيميائيات إلى دراسة أنظمة العلامات والدلالة في نطاق أوسع.
خاتمة
يتضح أن الأسس اللسانية للسيميائيات ترتبط بصورة أساسية بالتحول الذي أحدثه سوسير في النظر إلى اللغة باعتبارها نسقًا من العلامات والعلاقات. وقد شكلت مفاهيم الدال والمدلول، واعتباطية العلامة، والقيمة، والنسق، والعلاقات التركيبية والاستبدالية، أرضية نظرية مهمة لنشوء التفكير السيميائي الحديث.
غير أن السيميائيات لم تظل أسيرة النموذج اللغوي، بل وسعت مجالها لتدرس الصورة والإشارة والسينما والإعلان والأدب والثقافة وغيرها. وهكذا انتقلت من سؤال «كيف تعمل اللغة؟» إلى سؤال أكثر اتساعًا هو: «كيف يُنتَج المعنى داخل مختلف الأنظمة العلاماتية؟»
ومن هنا يمكن النظر إلى اللسانيات والسيميائيات باعتبارهما مجالين متداخلين؛ فاللغة تمثل أحد أكثر الأنظمة العلاماتية تعقيدًا، والسيميائيات تستفيد من تحليلها لبناء تصور أوسع عن العلامة والدلالة والتواصل والثقافة.
مراجع
سوسير، فردينان دو، دروس في اللسانيات العامة.
Peirce, Charles Sanders, Collected Papers of Charles Sanders Peirce.
Barthes, Roland, Éléments de sémiologie.
Eco, Umberto, A Theory of Semiotics.
Greimas, A. J., Sémantique structurale.
Jakobson, Roman, Essais de linguistique générale.
Benveniste, Émile, Problèmes de linguistique générale.
Hjelmslev, Louis, Prolegomena to a Theory of Language

