رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن علاقة التعاون مع من يخالفنا في الدين دون أن نخالف ديننا

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن علاقة تعاون مع من يخالفنا في الدين دون أن نخالف ديننا

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

كيف نبني علاقة تعاون مع من يخالفنا في الدين دون أن نخالف ديننا؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1. التمييز بين الاختلاف الديني والتعامل الإنساني

الاختلاف في العقيدة لا يعني بالضرورة العداء أو القطيعة. فالإسلام يقرّ بوجود الاختلاف بين الناس، ويفتح باب التعامل بالحسنى والعدل مع من لا يعادي المسلمين ولا يعتدي عليهم. ومن هنا ينبغي أن نفرّق بين ثبات المسلم على عقيدته وبين حسن معاملته للآخر؛ فالأول مبدأ ديني، والثاني خلق إسلامي.

2. الثبات على العقيدة دون استفزاز الآخر

المسلم لا يحتاج إلى إخفاء دينه حتى يتعاون مع غيره، كما أنه لا يحتاج إلى التقليل من معتقدات الآخرين حتى يثبت إيمانه. قوة العقيدة تظهر في الهدوء والوضوح والثقة، لا في الاستفزاز أو السخرية. قال تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]. فاحترام الاختلاف لا يعني التخلي عن القناعة.

3. العدل هو القاعدة الأولى

من أهم القواعد التي تحفظ العلاقة مع المخالف: العدل. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. فالاختلاف مع شخص في الدين لا يبرر ظلمه، ولا إنكار فضله، ولا الاعتداء على حقوقه.

4. التعاون في الخير المشترك

يمكن للمسلم أن يتعاون مع غير المسلم في مجالات كثيرة تخدم الإنسان والمجتمع: الإغاثة، التعليم، حماية البيئة، مكافحة الفقر، مساعدة المرضى، البحث العلمي، الأعمال المهنية، والمبادرات الاجتماعية. قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. فالميزان ليس هو هوية الشخص وحدها، وإنما طبيعة العمل الذي نتعاون عليه.

5. ضع حدوداً واضحة

التعاون لا يعني الذوبان. يمكن أن أعمل مع شخص مختلف عني في الدين، وأحترمه، وأساعده في الخير، من غير أن أشاركه في شعيرة دينية تخالف عقيدتي، أو أتبنى معتقده، أو أتنازل عن ثوابتي. الحدود الواضحة تحمي العلاقة ولا تفسدها؛ لأن الإنسان يستطيع أن يقول باحترام: «أحترم اختيارك، لكن هذا الأمر لا أستطيع المشاركة فيه لأنه يخالف ديني».

6. لا تجعل الحوار الديني ساحة صراع

إذا تحول كل نقاش إلى محاولة لإثبات أن الآخر مخطئ، تحولت العلاقة إلى معركة دائمة. أما الحوار الراشد فيبدأ من قاعدة: أنا أملك قناعة وأنت تملك قناعة، ويمكننا أن نتحدث عنها بأدب دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة شخصية. قال تعالى: ﴿وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125].

7. احترم الإنسان دون أن توافق على عقيدته

هناك فرق مهم بين احترام الإنسان والموافقة على كل ما يؤمن به. تستطيع أن تحترم جارك أو زميلك أو شريكك في العمل، وأن تحفظ كرامته وحقوقه، دون أن يعني ذلك أنك تتبنى معتقداته. الاحترام هنا قيمة أخلاقية، أما الاعتقاد فمسألة إيمانية لا تُفرض على الإنسان ولا تُنتزع منه بالمجاملة.

8. ابحث عن المساحات المشتركة

العلاقات الناجحة لا تقوم دائماً على التطابق، بل كثيراً ما تنجح بسبب وجود أهداف مشتركة. قد نختلف في العقيدة، لكننا نتفق على الصدق، والأمانة، وحماية الأطفال، ومساعدة الفقراء، واحترام القانون، ورفض الظلم. هذه المساحات المشتركة يمكن أن تكون جسوراً للتعاون دون أن تكون جسوراً للتنازل عن الهوية.

9. كن سفيراً لأخلاق دينك

أحياناً يكون سلوك المسلم في علاقته بالآخرين أكثر تأثيراً من آلاف الكلمات. عندما يرى المخالف فيك الصدق، والأمانة، والرحمة، والعدل، واحترام الإنسان، فإنه يرى صورة عملية من أخلاق الإسلام. قال رسول الله ﷺ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فالتعامل الراقي ليس ضعفاً في الدين، بل يمكن أن يكون من أقوى مظاهر الالتزام به.

10. متى يصبح التعاون غير مقبول؟

القاعدة البسيطة هي: نتعاون فيما هو مشروع ومشترك، ونمتنع عما يخالف عقيدتنا أو المشارك في إثم أو عدوان. فإذا طلب منك شريكك المشاركة في أمر ديني يناقض إيمانك، أو عمل غير أخلاقي، أو ظلم للآخرين، فهنا يجب أن تكون الحدود واضحة. قال تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

11. لا تخلط بين التسامح والتنازل

التسامح يعني أن أعيش مع اختلافك دون ظلمك أو احتقارك، أما التنازل عن العقيدة فيعني أن أترك ما أراه حقاً من أجل إرضاء الآخرين. المسلم يستطيع أن يكون متسامحاً دون أن يكون متنازلاً، ومنفتحاً دون أن يكون ذائباً، ومتعاوناً دون أن يكون تابعاً.

12. المعادلة المتوازنة

يمكن تلخيص الموقف كله في معادلة واضحة: ثبات في العقيدة، وعدل في التعامل، ورحمة في الأخلاق، ووضوح في الحدود، وتعاون في الخير. بهذه المعادلة يستطيع المسلم أن يعيش مع المختلف معه بسلام، وأن يمد جسور التعاون، دون أن يشعر أن احترام الآخر يهدد هويته أو أن الحفاظ على هويته يفرض عليه كراهية الآخر.

خاتمة

الإسلام لا يطلب من المسلم أن يكره كل من يختلف معه، كما لا يطلب منه أن يتنازل عن عقيدته حتى يكون متسامحاً. المطلوب هو موقف أكثر نضجاً: أن تعرف من أنت، وما تؤمن به، وما حدودك، ثم تعامل الآخرين بالعدل والرحمة والإحسان. فاختلاف العقائد يمكن أن يبقى اختلافاً فكرياً ودينياً، بينما تتحول الأخلاق المشتركة إلى مساحة للعيش المشترك والتعاون على الخير. وهنا يصبح المسلم ثابتاً على دينه، واسع الصدر في تعامله، قادراً على بناء الجسور دون أن يفقد هويته.

مراجع شرعية: القرآن الكريم: البقرة 256، المائدة 2 و8، النحل 125، الكافرون 6، الممتحنة 8-9.

ومن السنة: أحاديث حسن الخلق، والعدل، وحفظ الحقوق وحسن الجوار في صحيح البخاري وصحيح مس