
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن دراسة تفسيرية لآيات سورة الإسراء من الآية (9) إلى الآية (14)
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
عبقُ السُّنَّة ورحيقُ القرآن
دراسة تفسيرية لآيات سورة الإسراء من الآية (9) إلى الآية (14)
تمهيد
تأتي هذه الآيات في سياق عظيم من سورة الإسراء، فتبدأ ببيان هداية القرآن، ثم تعرض عاقبة الإيمان والكفر، وتكشف شيئًا من طبيعة الإنسان وعجلته، ثم تلفت النظر إلى آيات الله في الليل والنهار، وتنتهي بتقرير المسؤولية الفردية والحساب والجزاء.
وهذا الترتيب القرآني بديع؛ فالقرآن يهدي، ومن أعرض عن هدايته استحق الوعيد، والإنسان بما فيه من عجلة يحتاج إلى هذا الهدى، ثم يُذكَّر بآيات الله في الكون، وبعد ذلك يُوقظ قلبه بمشهد الحساب الفردي.
فهي آيات تجمع بين الهداية، والتحذير، والتربية، والتأمل، والمسؤولية، والاستعداد للقاء الله.
أولًا: قوله تعالى
﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9]
تضع هذه الآية القرآن في موضعه الذي لا يعلوه موضع: كتاب هداية وإصلاح وإقامة للحياة على الطريق الأقوم.
وقوله تعالى: ﴿لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أعمق من أن يكون معناه مجرد الطريق المستقيم؛ فهو الطريق الذي هو أقوم في الاعتقاد والعبادة والأخلاق والمعاملات وسائر شؤون الحياة.
وقد ذكر ابن كثير أن القرآن يهدي إلى أقوم الطرق وأوضحها وأعدلها في الاعتقاد والعمل والسلوك.
وقال الطبري في معنى الآية: إن هذا القرآن يرشد إلى الطريقة التي هي أعدل وأصوب.
ومن جمال التعبير القرآني قوله: ﴿هَٰذَا الْقُرْآنَ﴾، ففيه إشارة إلى الكتاب الحاضر المتلو الذي بين أيدي الناس، لا إلى فكرة مجردة عن الوحي.
ثم لم يجعل القرآن الهداية مجرد معرفة ذهنية، بل قال: ﴿وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾.
فالإيمان الحق ثماره عمل صالح، والعمل الصالح ثمرة من ثمار الإيمان.
وهذا المعنى تشهد له نصوص كثيرة من الكتاب والسنة، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: 2].
وفي صحيح مسلم قال النبي ﷺ: «والقرآن حجة لك أو عليك»، فهو إما أن يقود صاحبه إلى النجاة إن اهتدى به، وإما أن تقوم به الحجة عليه إن أعرض عنه.
فالقرآن ليس كتاب تلاوة فحسب، وإن كانت تلاوته عبادة عظيمة، وإنما هو كتاب حياة وهداية.
ومن هنا كان أعظم الناس انتفاعًا بالقرآن من جمع بين حسن التلاوة، وصحة الفهم، وصدق الاتباع.
وقد كان النبي ﷺ هو النموذج العملي للقرآن، حتى قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلقه: «كان خلقه القرآن» رواه مسلم.
فالسنة النبوية جاءت شارحة للقرآن ومبينة لكيفية تحويل هدايته إلى واقع عملي.
ومن تدبر هذه الآية علم أن الطريق الأقوم ليس ما تستحسنه الأهواء، وإنما ما دل عليه الوحي.
وهنا يلتقي رحيق القرآن بعبق السنة؛ فالقرآن يهدي إلى الأقوم، والنبي ﷺ يبين للأمة كيف تسلك هذا الطريق.
ثانيًا: قوله تعالى
﴿وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الإسراء: 10]
بعد أن ذكر الله تعالى أهل الإيمان والعمل الصالح وبشَّرهم بالأجر الكبير، ذكر في المقابل الذين أعرضوا عن الإيمان بالآخرة.
وهذا من سنن القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب؛ حتى لا يغلب على القلب جانب الرجاء فيأمن، ولا جانب الخوف فيقنط.
والإيمان بالآخرة أصل عظيم من أصول الإيمان، ولذلك جعله القرآن في مواضع كثيرة قرين الإيمان بالله.
والمقصود ليس مجرد الاعتقاد النظري بوجود يوم القيامة، بل الإيمان بما أخبر الله ورسوله به من البعث والحساب والجزاء والجنة والنار.
وقوله تعالى: ﴿أَعْتَدْنَا﴾ يدل على أن العذاب مُعَدٌّ لهم، وهو وعيد شديد لمن كذب باليوم الآخر وأعرض عن الإيمان به.
وقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ فَأُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ [العنكبوت: 23].
والإيمان بالآخرة له أثر بالغ في إصلاح الإنسان؛ لأنه يجعله يعلم أن أعماله ليست منتهية بانتهاء الدنيا.
فالظالم يعلم أنه سيقف بين يدي الله، والمظلوم يعلم أن حقه لا يضيع، والمحسن يعلم أن إحسانه محفوظ.
وقد قال النبي ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت» متفق عليه.
فتأمل كيف جعل النبي ﷺ الإيمان باليوم الآخر باعثًا على تهذيب اللسان والسلوك.
وقال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره» متفق عليه.
فالإيمان بالآخرة ليس عقيدة منعزلة عن الحياة، بل قوة أخلاقية تحمل الإنسان على مراقبة الله وضبط جوارحه.
ومن هنا يتضح اتصال الآية التاسعة بالعاشرة: القرآن يهدي إلى أقوم طريق، والإعراض عن هدايته يقود إلى الخسران والوعيد.
وفي القلب الذي يعمره اليقين بالآخرة تستقيم الأولويات؛ فلا يجعل الدنيا أكبر همه، ولا يبيع الباقي بالفاني.
ولهذا كان تذكر الآخرة من أعظم ما يحيي القلب ويزكي العمل ويبعث على التوبة والاستقامة.
ثالثًا: قوله تعالى
﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11]
تكشف هذه الآية جانبًا دقيقًا من طبيعة الإنسان، وهو العجلة وعدم التثبت.
فقد يدعو الإنسان على نفسه أو ولده أو ماله بالشر في لحظة غضب أو ضيق، كما يدعو بالخير، ولو استجيب له دعاؤه في تلك اللحظة لهلك.
وقد ذكر المفسرون أن الآية تشمل دعاء الإنسان بالشر في حال الغضب، كما تشمل استعجاله بعض الأمور قبل أوانها.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ يصف ميلًا بشريًا يحتاج إلى تهذيب ومجاهدة.
والعجلة لا تكون في الدعاء فقط، بل قد تظهر في الحكم على الناس، واتخاذ القرارات، واستعجال النتائج، والغضب، والجواب قبل فهم الكلام.
ومن رحمة الله بالإنسان أنه لا يستجيب لكل ما يجري على لسانه من دعاء في لحظات الانفعال.
وقد نهى النبي ﷺ عن الدعاء على النفس والأولاد والأموال، فقال: «لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم، لا توافقوا من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءٌ فيستجيب لكم» رواه مسلم.
وهذا الحديث يفسر جانبًا عمليًا من الآية ويكشف رحمة الشريعة بالإنسان.
والقرآن حين يذكر عجلة الإنسان لا يريد أن ييئسه من نفسه، وإنما يريد أن يعلّمه كيف يعالج هذا الضعف.
ومن أعظم علاجات العجلة: الصبر، والاستعاذة بالله عند الغضب، والتثبت، والصمت عند شدة الانفعال.
قال النبي ﷺ للرجل الذي طلب الوصية: «لا تغضب»، فردد مرارًا، فقال: «لا تغضب» رواه البخاري.
وقال ﷺ: «التأني من الله والعجلة من الشيطان»، وقد حسنه جماعة من أهل العلم.
فالعبد إذا تذكر أن كلمة واحدة قد تجر عليه الندم، تعلم أن يسكن قبل أن يتكلم.
وهنا يظهر جمال السياق: القرآن يهدي إلى الأقوم، ومن لوازم الطريق الأقوم أن يتخلص الإنسان من العجلة التي تفسد عليه دينه ودنياه.
إنها آية تربي المؤمن على أن ليس كل ما يخطر بالقلب يُقال، وليس كل ما يُقال يُدعى به، وليس كل ما يُستعجل فيه يكون خيرًا.
رابعًا: قوله تعالى
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: 12]
بعد الحديث عن الإنسان وعجلته، ينقلنا القرآن إلى مشهد كوني عظيم: الليل والنهار.
وهما آيتان من آيات الله الدالة على قدرته وحكمته وتدبيره.
قال تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾، أي جعل الله الليل مظلمًا، وجعل النهار مضيئًا، كما بين ذلك أهل التفسير.
وقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ يبين أن النهار مجال السعي في طلب الرزق والمعاش.
وأما الليل ففيه السكون والراحة، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: 10-11].
ثم يذكر الله فائدة أخرى عظيمة: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾.
فحركة الزمن ليست فوضى، بل جعلها الله منضبطة بحساب يعرف به الناس الأيام والشهور والسنين والمواقيت.
ومن أعظم ثمرات هذا النظام معرفة أوقات العبادات، كالصلاة والصيام والحج وسائر المواقيت.
وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36].
فالمؤمن حين ينظر إلى تعاقب الليل والنهار لا يرى مجرد ظاهرة طبيعية، بل يرى آثار القدرة والحكمة والرحمة.
وقد كان النبي ﷺ إذا استيقظ من الليل نظر إلى السماء وتلا آيات من آخر سورة آل عمران، كما ثبت في الصحيحين.
وهذا من هدي النبوة في تحويل النظر في الكون إلى عبادة وتفكر وذكر.
ثم تختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾، أي بيّن الله لعباده من أمر الدين والدنيا ما تقوم به الحجة وتتحقق به الهداية بحسب ما تقتضيه حكمته.
فالكون كتاب منظور، والقرآن كتاب مسطور، وكلاهما يدل على حكمة الخالق سبحانه.
ومن جمع بين تدبر القرآن والنظر في آيات الله ازداد يقينًا بأن هذا الوجود لم يُخلق عبثًا، وأن وراء كل يوم يمضي موعدًا مع الله.
خامسًا: قوله تعالى
﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾ [الإسراء: 13]
تقرر هذه الآية أصلًا عظيمًا من أصول العدل الإلهي: أن كل إنسان مسؤول عن عمله.
وقوله تعالى: ﴿طَائِرَهُ﴾ فسره أهل العلم بعمل الإنسان وما قدمه، وهو من استعمال العرب للطائر بمعنى العمل أو الحظ والنصيب.
ومعنى ﴿أَلْزَمْنَاهُ فِي عُنُقِهِ﴾ أن عمل الإنسان ملازم له لا ينفك عنه، ولا يستطيع أن يتخلص من تبعته.
فالإنسان لا يحمل يوم القيامة ذنب غيره، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].
وهذا من تمام عدل الله سبحانه؛ فلا يؤاخذ عبدًا بجريرة غيره.
ثم تنتقل الآية بالقلب إلى مشهد القيامة: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾.
إنه كتاب الأعمال الذي حُفظ فيه ما قدمه الإنسان في حياته.
قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: 10-12].
وهكذا يشعر المؤمن أن حياته ليست مهملة ولا منسية، وأن كل كلمة وكل عمل داخل في علم الله وحفظ ملائكته.
وفي الصحيحين قال النبي ﷺ: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون»، وفي الحديث إشارة إلى خطورة استهانة الإنسان بما يعمل وكأن شيئًا لا يُكتب عليه.
ثم يقول تعالى: ﴿يَلْقَاهُ مَنشُورًا﴾، أي يجد كتابه مفتوحًا ظاهرًا، لا يخفى منه ما كان خفيًا عليه.
وهنا تبلغ التربية القرآنية ذروتها: أنت الآن تكتب كتابك بيدك، وغدًا ستقرؤه أمام الخلق.
فمن عقل هذه الحقيقة راقب نفسه قبل أن يراقبه الناس، وحاسبها قبل أن يُحاسب.
وكان بعض السلف يستشعرون هذا المعنى فيقولون: إن صحيفتك اليوم بيدك، وغدًا تكون بين يديك.
إنها دعوة لأن يعيش المؤمن كل يوم وهو يسأل نفسه: ماذا أودعت في كتابي الذي سألقاه منشورًا؟
سادسًا: قوله تعالى
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 14]
تبلغ السورة هنا مشهدًا يهز القلب: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾.
إنها لحظة لا يحتاج فيها العبد إلى شاهد من الناس؛ لأن كتابه يشهد بما قدمت يداه.
والأمر بالقراءة يدل على ظهور الأعمال وبيانها، حتى يكون الحساب قائمًا على الحجة والعدل.
ثم يقول سبحانه: ﴿كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾، أي إن الإنسان نفسه يكون شاهدًا على أعماله.
قال تعالى في موضع آخر: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور: 24].
وقال سبحانه: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾؛ فالعبد يرى حقيقة ما قدمه، فلا يبقى مجال للإنكار.
وقد أخبر النبي ﷺ في الحديث الصحيح عن موقف الحساب وما يكون فيه من عرض الأعمال، ومن ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين عن تقريب المؤمن من ربه وستر ذنوبه ثم إقراره بها.
وفي صحيح مسلم: «يعرض على ابن آدم يوم القيامة كل عمل عمله» بمعناه في أحاديث العرض والحساب.
وهذا المشهد ليس لإرهاب القلب فحسب، بل لتربيته في الدنيا قبل أن يأتي ذلك اليوم.
ولهذا كان من أعظم أعمال الصالحين محاسبة النفس.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم»، وهو أثر مشهور عنه.
فالعاقل من فتح كتابه في الدنيا قبل أن يفتح له في الآخرة؛ فينظر في صلاته، وصدقه، ولسانه، وأمانته، وحقوق الناس، وخلواته، ونواياه.
فإن وجد خيرًا حمد الله وسأله الثبات، وإن وجد تقصيرًا بادر إلى التوبة والإصلاح.
وهكذا تختم الآيات الست برسالة عظيمة: القرآن يهديك، والآخرة تنتظرك، وأعمالك تلازمك، وكتابك سيُفتح لك، وأنت المسؤول عن الصفحة التي تكتبها اليوم.
فطوبى لمن جعل كتابه في الدنيا عامرًا بالتوحيد، والصلاة، والصدق، والرحمة، وبر الوالدين، والإحسان إلى الخلق، والاستغفار.
وحسرة على من ملأ صحيفته بما يندم عليه يوم لا ينفع الندم.
فاللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، ودليلنا إليك، واجعل سنتك المطهرة لنا بيانًا وعملاً، واجعل يوم نلقاك يوم أمن وبشرى، لا يوم حسرة وندامة.
الخيط الجامع بين الآيات (9–14)
إذا تأملنا هذه الآيات متتابعة ظهر لنا بناء قرآني بالغ الإحكام:
الآية 9: القرآن يهدي إلى الطريق الأقوم.
الآية 10: من أعرض عن الإيمان بالآخرة فله الوعيد.
الآية 11: الإنسان بطبيعته عجول، ولذلك يحتاج إلى هداية الوحي.
الآية 12: آيات الكون والزمان تشهد بعظمة الخالق وحكمته.
الآية 13: كل إنسان مسؤول عن عمله، وكل عمل محفوظ.
الآية 14: سيأتي اليوم الذي يقرأ فيه الإنسان كتابه بنفسه.
فالسياق كله ينتقل بالقارئ من الهداية إلى الحساب، ومن القرآن المسطور إلى الكون المنظور، ومن العمل في الدنيا إلى الكتاب المنشور في الآخرة.
وهنا يظهر جمال العلاقة بين القرآن والسنة:
فالقرآن يضع الأصول الكبرى، والسنة تبينها وتترجمها إلى حياة عملية.
فالقرآن يأمر بالاستقامة، والنبي ﷺ يجسدها.
والقرآن يحذر من العجلة، والنبي ﷺ يعلمنا الحلم والتأني.
والقرآن يذكر الآخرة، والسنة تصف لنا أحوالها.
والقرآن يقرر حفظ الأعمال، والسنة تحذر من الكلمة والعمل الذي لا يلقى له الإنسان بالًا.
وهذا هو عبق السنة الذي يخالط رحيق القرآن: لا تُجعل السنة بديلًا عن القرآن، ولا يُفهم القرآن بعيدًا عن بيان رسول الله ﷺ.
أهم المصادر التفسيرية والحديثية المعتمدة
تفسير الطبري – جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
تفسير ابن أبي حاتم، فيما صح من الآثار.
تفسير البغوي – معالم التنزيل.
تفسير ابن كثير – تفسير القرآن العظيم.
تفسير القرطبي – الجامع لأحكام القرآن.
تفسير السعدي – تيسير الكريم الرحمن.
تفسير أبي حيان – البحر المحيط عند الحاجة إلى دقائق اللغة.
صحيح البخاري.
صحيح مسلم.
وما صح من السنن والمسانيد، مع مراعاة الحكم على الأحاديث وعدم الاستشهاد بالضعيف عند الاستدلال العقدي أو التشريعي.
خاتمة
هذه الآيات الست ليست مقاطع متفرقة، بل رحلة قصيرة بالإنسان من نور الوحي إلى حقيقة المصير.
فالقرآن يمسك بيده ويقول له:
هذا هو الطريق الأقوم.
ثم يذكره بالمصير:
هناك آخرة وحساب.
ثم يكشف له ضعفه:
أنت عجول، فتعلم التؤدة.
ثم يريه آيات ربه:
ليل ونهار، وحساب وزمان.
ثم يضع أمام عينيه صحيفته:
كل عمل محفوظ.
ثم تأتي الكلمة التي ينبغي أن توقظ القلب قبل فوات الأوان:
﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ﴾.
فمن قرأ كتابه اليوم بعين البصيرة، وأصلح ما فيه بالتوبة والعمل الصالح، أُكرم غدًا حين يقال له:
﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19].
نسأل الله أن يجعل القرآن حجة لنا لا علينا، وأن يرزقنا اتباع سنة نبيه ﷺ، وأن يجعل صحائفنا يوم نلقاه بيضاء من الذنوب، عامرة بالإيمان والعمل الصالح، وأن يجعل آخر ما نلقاه منه رضوانه ورحمته

