رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن تفسير سورة الماعون

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن تفسير سورة الماعون

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

تَفْسِيرُ سُورَةِ الْمَاعُونِ

#في رحاب القرآن الكريم

– سُورَة الْمَاعُونِ سُورَةٌ عَظِيمَةُ الْمَعَانِي، جَامِعَةٌ بَيْنَ التَّوْحِيدِ وَالْأَخْلَاقِ وَالْعِبَادَةِ وَالْمُعَامَلَاتِ، تَفْضَحُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُكَذِّبِينَ بِالدِّينِ، وَتَرْسُمُ لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْهَجَ الْحَيَاةِ الْكَامِلَةِ فِي صِلَتِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَخَلْقِهِمْ. وَسَنَقِفُ فِي هَذِهِ الْمُحَاضَرَةِ عَلَى أَسْرَارِ هَذِهِ السُّورَةِ الْجَلِيلَةِ، مُسْتَهْدِينَ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَئِمَّةُ الْمُفَسِّرِينَ. رحمهم الله تعالى.

📖 بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ١ فَذَٰلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ٢ وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ٣ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ ٤ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ٥ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ٦ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ٧﴾ [الماعون، رقم: ١-٧]

⚫ التفسير

● أَوَّلًا: اسْمُ السُّورَةِ وَنُزُولُهَا وَمُنَاسَبَتُهَا لِمَا قَبْلَهَا

• اسْمُ السُّورَةِ:

* سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ التَّفْسِيرِ «سُورَةَ الْمَاعُونِ» لِوُرُودِ لَفْظِ الْمَاعُونِ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا.

* وَسُمِّيَتْ فِي بَعْضِ التَّفَاسِيرِ «سُورَةَ أَرَأَيْتَ» وَكَذَلِكَ فِي مُصْحَفٍ مِنْ مَصَاحِفِ الْقَيْرَوَانِ فِي الْقَرْنِ الْخَامِسِ، وَكَذَلِكَ عَنْوَنَهَا فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ».

* وَعَنْوَنَهَا ابْنُ عَطِيَّةَ بِ «سُورَةِ أَرَأَيْتَ الَّذِي». وَقَالَ الْكَوَاشِيُّ فِي «التَّلْخِيصِ»: «سُورَةُ الْمَاعُونِ وَالدِّينِ وَأَرَأَيْتَ». وَفِي «الْإِتْقَانِ»: وَتُسَمَّى «سُورَةَ الدِّينِ». وَفِي «حَاشِيَتَيِ الْخَفَاجِيِّ وَسَعْدِيٍّ» تُسَمَّى «سُورَةَ التَّكْذِيبِ». وَقَالَ الْبِقَاعِيُّ فِي «نَظْمِ الدُّرَرِ» تُسَمَّى «سُورَةَ الْيَتِيمِ». وَهَذِهِ سِتَّةُ أَسْمَاءٍ.

• نُزُولُهَا:

* هِيَ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

* وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ قَتَادَةَ: هِيَ مَدَنِيَّةٌ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا. وَفِي «الْإِتْقَانِ»: قِيلَ نَزَلَ ثَلَاثٌ أَوَّلُهَا بِمَكَّةَ إِلَى قَوْلِهِ: الْمِسْكِينِ [الماعون: 3] وَبَقِيَّتُهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، أَيْ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ [الماعون: 4] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ أُرِيدَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَهُ هِبَةُ اللَّهِ الضَّرِيرُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ.

وَقَالَ هِبَةُ اللَّهِ الْمُفَسِّرُ: نَزَلَ نِصْفُهَا بِمَكَّةَ فِي الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَنِصْفُهَا بِالْمَدِينَةِ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ الْمُنَافِقِ.

وَعُدَّتِ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ فِي عِدَادِ نُزُولِ السُّوَرِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ، نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التَّكَاثُرِ وَقَبْلَ سُورَةِ الْكَافِرُونَ.

* وَعُدَّتْ آيَاتُهَا سِتًّا عِنْدَ مُعْظَمِ الْعَادِّينَ. وَحَكَى الْآلُوسِيُّ أَنَّ الَّذِينَ عَدُّوا آيَاتِهَا سِتًّا أَهْلُ الْعِرَاقِ (أَيِ الْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ)، وَقَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ النُّورِيُّ الصَّفَاقِسِيُّ فِي «غَيْثِ النَّفْعِ»: وَآيُهَا سَبْعٌ حِمْصِيٌّ (أَيْ شَامِيٌّ) وَسِتٌّ فِي الْبَاقِي. وَهَذَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الْآلُوسِيُّ.

وَقَالَ صَاحِبُ «التَّفْسِيرِ الْقُرْآنِيِّ»: نُزُولُهَا: مَكِّيَّةٌ.. نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ التَّكَاثُرِ. عَدَدُ آيَاتِهَا: سَبْعُ آيَاتٍ.. عَدَدُ كَلِمَاتِهَا: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ كَلِمَةً.. عَدَدُ حُرُوفِهَا: مِائَةٌ وَخَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ حَرْفًا.

• مُنَاسَبَتُهَا لِمَا قَبْلَهَا:

جَاءَ فِي سُورَةِ «قُرَيْشٍ» تَنْوِيهٌ عَظِيمٌ بِشَأْنِ الشِّبَعِ مِنَ الْجُوعِ، وَالْأَمْنِ مِنَ الْخَوْفِ، حَيْثُ لَا حَيَاةَ بِغَيْرِ طَعَامٍ، وَلَا طَعْمَ لِحَيَاةٍ بِغَيْرِ أَمْنٍ! وَجَاءَتْ سُورَةُ «الْمَاعُونِ» لِتَضْرِبَ – وَالْحَدِيدُ سَاخِنٌ كَمَا يَقُولُونَ – عَلَى أَوْتَارِ هَذِهِ الْقُلُوبِ الْجَافِيَةِ، وَلِتَهُزَّ تِلْكَ الْمَشَاعِرَ الْجَامِدَةَ، الَّتِي عَرَفَتْ طَعْمَ الشِّبَعِ بَعْدَ الْجُوعِ، وَذَاقَتْ هَنَاءَةَ الْأَمْنِ بَعْدَ الْخَوْفِ، حَتَّى تَنْدَى بِالْمَعْرُوفِ، وَتَسْخُوَ بِالْخَيْرِ، قَبْلَ أَنْ تَنْسَى لَذْعَةَ الْجُوعِ، وَرَعْدَةَ الْخَوْفِ.

● ثَانِيًا: أَغْرَاضُ السُّورَةِ

مِنْ مَقَاصِدِهَا التَّعْجِيبِ مِنْ حَالِ مَنْ كَذَّبُوا بِالْبَعْثِ وَتَفْظِيعِ أَعْمَالِهِمْ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الضَّعِيفِ وَاحْتِقَارِهِ وَالْإِمْسَاكِ عَنْ إِطْعَامِ الْمِسْكِينِ، وَالْإِعْرَاضِ عَنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ مِنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ لِأَنَّهُ لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ أَنْ يَكُونَ فِي فِعْلِهِ ذَلِكَمَا يَجْلِبُ لَهُ غَضَبَ اللَّهِ وَعِقَابَهُ.

● ثَالِثًا: تَفْسِيرُ الْآيَاتِ

📖 ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ ١﴾ [الماعون، رقم: ١]

نَبْدَأُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَرَأَيْتَ﴾، وَفِيهِ لَفْتَةٌ بَلَاغِيَّةٌ عَجِيبَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ أَنْ تَكُونَ لِطَلَبِ الْفَهْمِ، لَكِنَّهَا هُنَا خَرَجَتْ عَنْ مَعْنَاهَا الْأَصْلِيِّ إِلَى الْمُبَالَغَةِ فِي التَّعَجُّبِ وَالتَّشْوِيقِ.

قَالَ الرَّازِيُّ: «وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ وَإِنْ كَانَ فِي صُورَةِ الِاسْتِفْهَامِ، لَكِنَّ الْغَرَضَ بِمِثْلِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَجُّبِ كَقَوْلِكَ: أَرَأَيْتَ فُلَانًا مَاذَا ارْتَكَبَ وَلِمَاذَا عَرَّضَ نَفْسَهُ؟» . وَهَذَا الِاسْتِفْهَامُ التَّعَجُّبِيُّ لَيْسَ مُجَرَّدَ أُسْلُوبٍ بَلَاغِيٍّ، بَلْ هُوَ دَعْوَةٌ لِلْعَقْلِ أَنْ يُعِيدَ النَّظَرَ فِي حَالِ هَذَا الْمُكَذِّبِ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ الْعَاقِلَ إِذَا رَأَى مَنْ يُكَذِّبُ بِالدِّينِ بَعْدَ ظُهُورِ دَلَائِلِهِ وَوُضُوحِ تِبْيَانِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَجَّبُ مِنْهُ، كَيْفَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَا لِغَرَضٍ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ جَرُّ الْعُقُوبَةِ الْأَبَدِيَّةِ إِلَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ غَرَضٍ أَوْ لِأَجْلِ الدُّنْيَا، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِالْعَاقِلِ أَنْ يَبِيعَ الْكَثِيرَ الْبَاقِيَ بِالْقَلِيلِ الْفَانِي؟ . ثُمَّ قِيلَ: إِنَّهُ خِطَابٌ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: بَلْ خِطَابٌ لِكُلِّ عَاقِلٍ. . وَفِي هَذَا الِاسْتِفْهَامِ تَنْبِيهٌ لِلْعَقْلِ وَإِلْفَاتٌ لِلنَّظَرِ إِلَى هَذِهِ الظَّاهِرَةِ الْعَجِيبَةِ، وَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ يَتَعَدَّى فِعْلُهَا إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، فَإِنَّ الْمُكَذِّبِينَ بِالدِّينِ مَعْرُوفُونَ وَأَعْمَالُهُمْ مَشْهُورَةٌ، فَنَزَلَتْ شُهْرَتُهُمْ بِذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْأَمْرِ الْمُبْصَرِ الْمُشَاهَدِ. . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ يُخَاطِبُ الْعَقْلَ وَيُثِيرُ التَّفْكِيرَ، وَلَيْسَ كِتَابَ عَاطِفَةٍ فَقَطْ، بَلْ هُوَ كِتَابُ هِدَايَةٍ يَسْتَخْدِمُ كُلَّ الْوَسَائِلِ الْبَلَاغِيَّةِ وَالْمَنْطِقِيَّةِ لِإِيصَالِ الْحَقِّ، وَهَذَا مِنْ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ: أَنَّهُ يُخَاطِبُ الْعَقْلَ وَالْقَلْبَ وَالْوِجْدَانَ فِي آنٍ وَاحِدٍ.

وَالِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ مِنْ حَالِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْجَزَاءِ، وَمَا أَوْرَثَهُمُ التَّكْذِيبُ مِنْ سُوءِ الصَّنِيعِ. فَالتَّعْجِيبُ مِنْ تَكْذِيبِهِمْ بِالدِّينِ وَمَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِ مِنْ دَعِّ الْيَتِيمِ وَعَدَمِ الْحَضِّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ، وَقَدْ صِيغَ هَذَا التَّعْجِيبُ فِي نَظْمٍ مَشُوقٍ لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ عَنْ رُؤْيَةِ مَنْ ثَبَتَتْ لَهُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ يَذْهَبُ بِذِهْنِ السَّامِعِ مَذَاهِبَ شَتَّى مِنْ تَعَرُّفِ الْمَقْصِدِ بِهَذَا الِاسْتِفْهَامِ، فَإِنَّ التَّكْذِيبَ بِالدِّينِ شَائِعٌ فِيهِمْ فَلَا يَكُونُ مَثَارًا لِلتَّعَجُّبِ فَيَتَرَقَّبُ السَّامِعُ مَاذَا يَرِدُ بَعْدَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَفِي إِقْحَامِ اسْمِ الْإِشَارَةِ وَاسْمِ الْمَوْصُولِ بَعْدَ الْفَاءِ زِيَادَةُ تَشْوِيقٍ حَتَّى تَقْرَعَ الصِّلَةُ سَمْعَ السَّامِعِ فَتَتَمَكَّنُ مِنْهُ كَمَالَ تَمَكُّنٍ. . وَهَذَا الِاسْتِدْرَاجُ فِي الْعَرْضِ يُسَمَّى فِي عِلْمِ الْبَلَاغَةِ «الْإِطْنَابَ بِالتَّشْوِيقِ»، وَهُوَ أَنْ يُقَدِّمَ الْمُتَكَلِّمُ مَا يُشَوِّقُ السَّامِعَ لِمَعْرِفَةِ مَا بَعْدَهُ، فَيَجْعَلُهُ مُتَرَقِّبًا لِسَمَاعِ الْجَوَابِ، وَهَذَا يَجْعَلُ الْكَلَامَ أَبْلَغَ وَأَقْوَى فِي النُّفُوسِ، وَهُوَ أُسْلُوبٌ قُرْآنِيٌّ بَدِيعٌ يَتَكَرَّرُ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.

وَالْقِرَاءَاتُ فِي «أَرَأَيْتَ» مُتَنَوِّعَةٌ، وَكُلُّهَا تُثْرِي الْمَعْنَى وَلَا تُغَيِّرُهُ. قَرَأَ بَعْضُهُمْ (أَرَيْتَ) بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ، قَالَ الزَّجَّاجُ: وَهَذَا لَيْسَ بِالِاخْتِيَارِ، لِأَنَّ الْهَمْزَةَ إِنَّمَا طُرِحَتْ مِنَ الْمُسْتَقْبَلِ نَحْوَ يَرَى وَأَرَى وَتَرَى، فَأَمَّا رَأَيْتُ فَلَيْسَ يَصِحُّ عَنِ الْعَرَبِ فِيهَا رَيْتُ، وَلَكِنَّ حَرْفَ الِاسْتِفْهَامِ لَمَّا كَانَ فِي أَوَّلِ الْكَلَامِ سَهَّلَ إِلْغَاءَ الْهَمْزَةِ وَنَظِيرُهُ:

صَاحَ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْتَ بِرَاعٍ … رَدَّ فِي الضَّرْعِ مَا قَرَى فِي الْعِلَابِ

وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ (أَرَأَيْتَكَ) بِزِيَادَةِ حَرْفِ الْخِطَابِ كَقَوْلِهِ: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الْإِسْرَاءِ: 62]. .

وَقَرَأَ نَافِعٌ بِتَسْهِيلِ الْهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ الرَّاءِ مِنْ أَرَأَيْتَ أَلِفًا.

وَرَوَى الْمِصْرِيُّونَ عَنْ وَرْشٍ عَنْ نَافِعٍ إِبْدَالَهَا أَلِفًا وَهُوَ الَّذِي قَرَأْنَا بِهِ فِي تُونِسَ، وَهَكَذَا فِي فِعْلِ (رَأَى) كُلَّمَا وَقَعَ بَعْدَهُ هَمْزَةُ اسْتِفْهَامٍ، وَذَلِكَ فِرَارٌ مِنْ تَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ، وَقَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِتَحْقِيقِهِمَا.

وَقَرَأَهُ الْكِسَائِيُّ بِإِسْقَاطِ الْهَمْزَةِ الَّتِي بَعْدَ الرَّاءِ فِي كُلِّ فِعْلٍ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. . وَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ الْكَرِيمَ نُقِلَ إِلَيْنَا بِالتَّوَاتُرِ بِكُلِّ حُرُوفِهِ وَكَلِمَاتِهِ، وَأَنَّ عِنَايَةَ الْأُمَّةِ بِالْقِرَاءَاتِ عِنَايَةٌ فَائِقَةٌ تَحْفَظُ بِهَا كِتَابَ اللَّهِ مِنْ كُلِّ تَحْرِيفٍ أَوْ تَبْدِيلٍ. وَهَذِهِ الْقِرَاءَاتُ الْمُتَنَوِّعَةُ تُثْرِي الْمَعْنَى وَلَا تُغَيِّرُهُ، وَتُبَيِّنُ أَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ الَّذِي لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَلَا تَخْتَلِفُ مَعَانِيهِ.

ثُمَّ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾، وَالْإِشَارَةُ إِلَى الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ بِاسْمِ الْمَوْصُولِ لِتَمْيِيزِهِ أَكْمَلَ تَمْيِيزٍ حَتَّى يَتَبَصَّرَ السَّامِعُ فِيهِ وَفِي صِفَتِهِ، أَوْ لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ الظَّاهِرِ الْوَاضِحِ بِحَيْثُ يُشَارُ إِلَيْهِ. . وَاسْمُ الْمَوْصُولِ وَصِلَتُهُ مُرَادٌ بِهِمَا جِنْسُ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِك. وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ دَرَجُوا عَلَى ذَلِكَ. . وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَتْ خَاصَّةً بِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، بَلْ هِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ تَحَقَّقَتْ فِيهِ هَذِهِ الصِّفَاتُ، وَهَذَا يُقَرِّرُ قَاعِدَةً أُصُولِيَّةً مُهِمَّةً: أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَتَكُونُ الْآيَةُ نَاظِرَةً إِلَى كُلِّ مَنْ يُكَذِّبُ بِالدِّينِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى مَنْ نَزَلَتْ فِيهِ، وَهَذَا هُوَ مَا عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ وَالْأُصُولِيِّينَ، خِلَافًا لِمَنْ قَالَ بِقَصْرِهَا عَلَى سَبَبِهَا. وَجِيءَ بِالْمُضَارِعِ فِي «يُكَذِّبُ» لِإِفَادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِك مِنْهُ وَدَوَامِهِ، وَهَذَا إِيذَانٌ بِأَنَّ الْإِيمَانَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ هُوَ الْوَازِعُ الْحَقُّ الَّذِي يَغْرِسُ فِي النَّفْسِ جُذُورَ الْإِقْبَالِ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ لَهَا خُلُقًا إِذَا شَبَّتْ عَلَيْهِ، فَزَكَتْ وَانْسَاقَتْ إِلَى الْخَيْرِ بِدُونِ كُلْفَةٍ وَلَا احْتِيَاجٍ إِلَى أَمْرٍ وَلَا إِلَى مَخَافَةٍ مِمَّنْ يُقِيمُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَاتِ. . وَهَذَا أَصْلٌ أَصِيلٌ فِي التَّرْبِيَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ: أَنَّ الرَّقَابَةَ الذَّاتِيَّةَ النَّابِعَةَ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ هِيَ أَقْوَى وَازِعٍ لِلْإِنْسَانِ، وَهِيَ الَّتِي تُنْشِئُ الْخُلُقَ الْمُسْتَقِيمَ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الرُّقَبَاءِ، فَمَنْ آمَنَ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَاهُ فِي كُلِّ حَالٍ لَا يَحْتَاجُ إِلَى رَقِيبٍ مِنَ الْبَشَرِ، وَمَنْ لَا يُؤْمِنُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ مَعَايِيرَ مُتَغَيِّرَةً حَسَبَ الْأَحْوَالِ وَالْأَشْخَاصِ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ انْتِشَارِ الْفَسَادِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تُنْكِرُ الْآخِرَةَ.

وَفِي «الدِّينِ» أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ حُكْمُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِي: الْحِسَابُ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ، وَعِكْرِمَةُ.

وَالثَّالِثُ: الْجَزَاءُ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ.

وَالرَّابِعُ: الْقُرْآنُ، حَكَاهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ. .

وَفِي تَفْسِيرِ الدِّينِ وُجُوهٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ يُكَذِّبُ بِنَفْسِ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ إِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ مُنْكِرًا لِلصَّانِعِ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُنْكِرًا لِلنُّبُوَّةِ، أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ مُنْكِرًا لِلْمَعَادِ أَوْ لِشَيْءٍ مِنَ الشَّرَائِعِ، فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، وَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِكُلِّ أَحَدٍ دِينٌ؟ وَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الدِّينَ الْمُطْلَقَ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ هُوَ الْإِسْلَامُ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 19] أَمَّا سَائِرُ الْمَذَاهِبِ فَلَا تُسَمَّى دِينًا إِلَّا بِضَرْبٍ مِنَ التَّقْيِيدِ كَدِينِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ. وَثَانِيهَا: أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الْمَقَالَاتُ الْبَاطِلَةُ لَيْسَتْ بِدِينٍ، لِأَنَّ الدِّينَ هُوَ الْخُضُوعُ لِلَّهِ وَهَذِهِ الْمَذَاهِبُ إِنَّمَا هِيَ خُضُوعٌ لِلشَّهْوَةِ أَوْ لِلشُّبْهَةِ.

وَثَالِثُهَا: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ الْمُرَادَ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ، قَالُوا: وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَوْلَى لِأَنَّ مَنْ يُنْكِرُ الْإِسْلَامَ قَدْ يَأْتِي بِالْأَفْعَالِ الْحَمِيدَةِ وَيَحْتَرِزُ عَنْ مَقَابِحِهَا إِذَا كَانَ مُقِرًّا بِالْقِيَامَةِ وَالْبَعْثِ، أَمَّا الْمُقْدِمُ عَلَى كُلِّ قَبِيحٍ مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ فَلَيْسَ هُوَ إِلَّا الْمُنْكِرُ لِلْبَعْثِ وَالْقِيَامَةِ. .

وَهَذَا التَّرْجِيحُ يَكْشِفُ لَنَا عَنْ حَقِيقَةٍ نَفْسِيَّةٍ عَمِيقَةٍ: أَنَّ الْمُنْكِرَ لِلْبَعْثِ لَا يَجِدُ دَافِعًا دَاخِلِيًّا لِلْخَيْرِ، وَلَا رَادِعًا عَنِ الشَّرِّ، فَتَكُونُ أَخْلَاقُهُ رَهْنَةَ شَهَوَاتِهِ وَأَهْوَائِهِ، وَهَذَا هُوَ سِرُّ انْتِشَارِ الْفَسَادِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تُنْكِرُ الْآخِرَةَ، وَهَذَا الْمَعْنَى يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: 7-8]، فَتَأَمَّلْ كَيْفَ رَبَطَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَ عَدَمِ الْإِيمَانِ بِاللِّقَاءِ وَبَيْنَ الِاطْمِئْنَانِ بِالدُّنْيَا وَالْغَفْلَةِ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ، ثُمَّ رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْوَعِيدَ بِالنَّارِ.

وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.

وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَمْرِو بْنِ عَائِذٍ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ.

وَالثَّالِثُ: فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، قَالَهُ السُّدِّيُّ. وَالرَّابِعُ: فِي الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، قَالَهُ ابْنُ السَّائِبِ. وَالْخَامِسُ: فِي أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَالسَّادِسُ: فِي أَبِي جَهْلٍ، حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ. . وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ وَإِنْ تَعَدَّدَتْ فَإِنَّهَا لَا تَتَعَارَضُ، لِأَنَّ الْآيَةَ عَامَّةُ اللَّفْظِ، وَالْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي سُفْيَانَ كَانَ يَنْحَرُ جَزُورَيْنِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ، فَأَتَاهُ يَتِيمٌ فَسَأَلَهُ لَحْمًا فَقَرَعَهُ بِعَصَاهُ.

وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ فِي الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَكَانَ مِنْ صِفَتِهِ الْجَمْعُ بَيْنَ التَّكْذِيبِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ وَالْإِتْيَانِ بِالْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ، وَقَالَ السُّدِّيُّ: نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي جَهْلٍ، وَرُوِيَ أَنَّهُ كَانَ وَصِيًّا لِيَتِيمٍ، فَجَاءَهُ وَهُوَ عُرْيَانٌ يَسْأَلُهُ شَيْئًا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، فَدَفَعَهُ وَلَمْ يَعْبَأْ بِهِ فَأَيِسَ الصَّبِيُّ، فَقَالَ لَهُ أَكَابِرُ قُرَيْشٍ: قُلْ لِمُحَمَّدٍ يَشْفَعْ لَكَ، وَكَانَ غَرَضُهُمُ الِاسْتِهْزَاءَ وَلَمْ يَعْرِفِ الْيَتِيمُ ذَلِكَ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْتَمَسَ مِنْهُ ذَلِكَ، وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا كَانَ يَرُدُّ مُحْتَاجًا فَذَهَبَ مَعَهُ إِلَى أَبِي جَهْلٍ فَرَحَّبَ بِهِ وَبَذَلَ الْمَالَ لِلْيَتِيمِ فَعَيَّرَهُ قُرَيْشٌ فَقَالُوا: صَبَوْتَ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ مَا صَبَوْتُ، لَكِنْ رَأَيْتُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ حَرْبَةً خِفْتُ إِنْ لَمْ أُجِبْهُ يَطْعَنْهَا فِيَّ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مُنَافِقٍ جَمَعَ بَيْنَ الْبُخْلِ وَالْمُرَاءَاةِ. . وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَقِيلَ: فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ، وَقِيلَ: فِي عَمْرِو بْنِ عَائِذٍ الْمَخْزُومِيِّ، وَقِيلَ: فِي أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ قَبْلَ إِسْلَامِهِ بِسَبَبِ أَنَّهُ كَانَ يَنْحَرُ كُلَّ أُسْبُوعٍ جَزُورًا فَجَاءَهُ مَرَّةً يَتِيمٌ فَسَأَلَهُ مِنْ لَحْمِهَا فَقَرَعَهُ بِعَصًا. وَقِيلَ: فِي أَبِي جَهْلٍ: كَانَ وَصِيًّا عَلَى يَتِيمٍ فَأَتَاهُ عُرْيَانًا يَسْأَلُهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَدَفَعَهُ دَفْعًا شَنِيعًا. وَالَّذِينَ جَعَلُوا السُّورَةَ مَدَنِيَّةً قَالُوا: نَزَلَتْ فِي مُنَافِقٍ لَمْ يُسَمُّوهُ، وَهَذِهِ أَقْوَالٌ مَعْزُوٌّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضِ التَّابِعِينَ وَلَوْ تَعَيَّنَتْ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ لَمْ يَكُنْ سَبَبُ نُزُولِهَا مخصصًا حُكْمَهَا بِمَنْ نَزَلَتْ بِسَبَبِهِ. . وَهَذَا السَّبَبُ يُبَيِّنُ لَنَا كَيْفَ كَانَتْ قُرَيْشٌ تُعَامِلُ الضُّعَفَاءَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَيْفَ جَاءَ الْإِسْلَامُ لِيُقِيمَ مِيزَانَ الْعَدْلِ وَالرَّحْمَةِ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ لِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ عَنْ أَحْوَالِ الْمُشْرِكِينَ، بَلْ لِيُغَيِّرَ وَاقِعَ الْمُجْتَمَعِ وَيُقِيمَ الْعَدْلَ وَيَنْشُرَ الرَّحْمَةَ، وَهَذَا هُوَ الْمَنْهَجُ الْقُرْآنِيُّ فِي التَّغْيِيرِ: يَبْدَأُ بِتَصْحِيحِ الْعَقِيدَةِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى تَصْحِيحِ السُّلُوكِ وَالْمُعَامَلَاتِ.

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: يَقُولُ تَعَالَى: أَرَأَيْتَ -يَا مُحَمَّدُ- الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ؟ وَهُوَ: الْمَعَادُ وَالْجَزَاءُ وَالثَّوَابُ. . وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُوَافِقُ تَرْجِيحَ الرَّازِيِّ وَأَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ، وَيُؤَكِّدُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالدِّينِ هُنَا هُوَ الْجَزَاءُ وَالْحِسَابُ، لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي تَنْبَنِي عَلَيْهِ الْأَخْلَاقُ وَالسُّلُوكُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ بِالْآخِرَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَقِيدَةٍ نَظَرِيَّةٍ، بَلْ هُوَ الْمُحَرِّكُ الْأَسَاسِيُّ لِلسُّلُوكِ الْإِنْسَانِيِّ، فَمَنْ آمَنَ بِالْحِسَابِ اسْتَقَامَ سُلُوكُهُ، وَمَنْ أَنْكَرَهُ انْهَارَتْ أَخْلَاقُهُ، وَهَذَا مَا نَرَاهُ بِالْعِيَانِ فِي حَيَاةِ الْأُمَمِ: أَنَّ الْأُمَمَ الَّتِي تُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ تَكُونُ أَكْثَرَ اسْتِقَامَةً وَعَدْلًا مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي تُنْكِرُهَا، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ أَدِلَّةِ صِدْقِ الْإِسْلَامِ