
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن مدى قدرة الحاكم على تغيير المجتمع:
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مدى قدرة الحاكم على تغيير المجتمع:
لقد أثبت حكيم المؤرِّخين ابن خَلدون أنَّ الحكم – أو الْمُلْك على حدِّ تعبيره – لا بدَّ له من عصبيَّة، أي كتلة أو جماعة قوية تسنده وتحميه، وبدونه لا يبقى، بل بدونه لا يصل صاحب الحكم إلى الحكم ابتداءً.
وهذا أمر يشهد له قراءة الواقع، كما يشهد له استقراء التاريخ.
والحاكم لا يصل إلى مقعد الحكم في ظل كوكبة من ملائكة السماء، بل في ظل كتلة من أهل الأرض، بواسطتها يصل، وبمساندتها يستمرُّ، سواء أكانت هذه الكتلة أو الجماعة دينيَّة كالمهاجرين والأنصار في عهد الراشدين، أو قَبَليَّة كبني أُمَيَّة ومَن معهم في عهد الأُمَوِيِّين، أو عسكريَّة كالمماليك في العصر المملوكي، وكالجيوش في بلاد الديكتاتوريَّات العسكريَّة إلى اليوم، أو فكريَّة سياسيَّة مثل كثير من رؤساء الدول في الشرق والغرب اليوم، ممَّن تسندهم أحزاب عقائديَّة، أو سياسيَّة.
المهمُّ أنَّ الحاكم لا يصل إلى سُلطان الحكم إلَّا بجماعة، ولا يستمرُّ فيه إلَّا بجماعة، وهذا في حاكمٍ عادي كلُّ همِّه أنْ يحفظ أمن البلاد في الداخل، ويحميها من الغزو والانتقاص من الخارج، ويُسيِّر دفة الأمور على ما هي عليه.
فكيف إذا كان الحاكم صاحب عقيدة، يريد نشرها وسيادتها، وحامل منهاج يريد تحقيقه في حياة الناس؟ وكيف إذا كان هذا المنهاج يتضمن مُثُلًا عليا، يتطلب تنفيذها إرادةً وصبرًا وجهادًا؟ وكيف إذا كان لهذا المنهاج خصوم متربصون وأعداء كثر سافرون ومقنعون؟! وكيف إذا كان المجتمع الَّذي تحقق فيه ذلك قد كثر فيه التخريب إلى حد يريد بناءه من جديد؟
إنَّ هذا يجعل مهمة الحاكم مستحيلة ما لم تكن له أسناد قوية تنصره إذا خُذِل، وتحميه إذا هُدِّد، وتقويه إذا ضَعُف، وترشده إذا أخطأ، وتقوِّمه إذا اعوج. وما لم يكن معه أعوان مخلصون يؤمنون بما يؤمن به، ويدعون إلى ما يدعو إليه، يجمعون القوَّة إلى الأمانة، والكفاية إلى الديانة، يراهم النَّاس فيرون فيهم فكرة الحكم ماثلة، وعقيدة الدولة مجسّدة.
وبدون هؤلاء الأقوياء الأمناء تظل الأفكار النظريَّة للحكم المنشود، والدولة المثالية المرتقبة، حبرًا على ورق مصقول، أو مواد مرتبة في دستور مجمّد!
ولقد رأينا دساتير بالفعل، هي أقرب ما تكون إلى الإسلام، ومع هذا لم يقم المجتمع الإسلامي المنشود بمجرد وضعها أو إقرارها.
ومن هنا نعلم أنَّ تصوُّر حاكم ما لنفسه، أو تصور بعض النَّاس له، أنَّه قادر على تغيير صورة المجتمع وحقيقته بقرارات ثورية، أو مراسيم دستورية، تصور غير صحيح؛ لأنَّه مبنيٌّ على عدم الإحاطة بإمكانية الحاكم، وبتعقيد المجتمع.
إنَّ تغيير الأسلحة والأجهزة والأدوات وكل ما يتعلق بشؤون المادة ميسور، وإن بناء الحصون والمدارس والمصانع مقدور عليه. ولكن الصعب حقًّا هو تغيير الإنسان وبناء الإنسان!

