
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن سبق أبو العلاء المعري شوبنهاور في فلسفة التشاؤم
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
هل سبق أبو العلاء المعري شوبنهاور في فلسفة التشاؤم؟
أرسى اليونانيون انقساما بين الفلسفة كبحث عقلي عن الحقيقة، والشعر كتصوير عاطفي يعتمد على الخيال و”الأكاذيب الجميلة”، وقد استمر هذا الإرث الأفلاطوني في إقصاء الشعراء من دائرة الفكر المنظم. غير أن قراءة متأنية للتراث الفكري العالمي تدعو إلى إعادة النظر في هذا التصنيف، خصوصا عند التوقف أمام تراث أبي العلاء المعري. يُطرح هنا تساؤل: هل كان المعري شاعرا متشائما يمتلك قدرة بلاغية فذة فحسب، أم كان مؤسسا لنسق فلسفي سبق مدرسة التشاؤم الألمانية بقرون؟
يقوم النسق الفكري لأبي العلاء المعري على ركائز تتجاوز مجرد التعبير عن حزن عابر أو رثاء للذات. قدم المعري في “اللزوميات” وغيرها من أعماله رؤية متماسكة تفسر آليات الوجود؛ فهو لم يكتفِ برفض الحياة، بل شرّح مبررات هذا الرفض. أدرك المعري مبكرا ما سيعرّفه شوبنهاور لاحقا بـ”إرادة الحياة العمياء”، من خلال مراقبته الدقيقة للطبيعة وقوانينها. لاحظ المعري أن الطبيعة ساحة صراع، تعيش فيه الكائنات على افتراس بعضها بعضا، وأن قانون الغاب هو الحاكم الأساسي للوجود المادي.
يقترب البناء الفلسفي للمعري إلى حد لافت مما قدمه الفكر الغربي الحديث. توصل المعري إلى أن الألم هو الحقيقة الجوهرية في الحياة، وأن الملذات مجرد خدع بيولوجية لضمان استمرار شقاء الكائنات. تصنَّف هذه الرؤية، التي تربط بين حركة النجوم وصراع الحيوانات وطبيعة البشر، عملا فلسفيا متكاملا يتضمن نظرية في الوجود، ونظرية في المعرفة تشكك في الحواس والعقول، ونظرية أخلاقية تدعو إلى الزهد التام والشفقة حتى على الحيوان.
تبرز إشكالية معرفية في القالب الذي اختاره المعري لتقديم أفكاره. استخدم المعري الشعر العربي، بقوافيه وبحوره، وعاء لأفكار فلسفية، وهذا ما جعله عرضة للتصنيف كـ”شاعر” في المقام الأول. غير أن استخدام الشعر لم يكن نقصا في أدواته الفلسفية، بل توظيفا للوسيط الأكثر تأثيرا في بيئته الثقافية. جعل المعري من الشعر مادة محملة بالمنطق والمجادلة والتشريح النقدي للظواهر الطبيعية والاجتماعية.
يتضح هذا عند مقابلة إرث المعري برفض أفلاطون الكلاسيكي للشعر بوصفه تقليدا يبتعد عن الحقيقة. يتحدى إرث المعري هذه المقولة، ويثبت أن الشعر يمكن أن يكون أداة للتفلسف، وأن الصورة الشعرية يمكن أن تختزل نظريات وجودية حول عبثية الزمن والعدم. تمكن المعري من خلال الشعر أن يؤسس مذهبا تشاؤميا يضاهي في تماسكه الداخلي وصرامته المنطقية ما كتبه شوبنهاور نثرا.
بناء على ذلك، يبدو من غير الدقيق حصر أبي العلاء المعري في دائرة الأدب واللغة بمعزل عن نسقه الفكري. كان فيلسوفا بكل المقاييس الأكاديمية؛ استقرأ الطبيعة، وحلل الدوافع البشرية، وأرسى قواعد أخلاقية للتعامل مع معضلة الوجود. إن سبقه التاريخي لشوبنهاور في رصد “خديعة الطبيعة” ودعوته إلى إيقاف عجلة التناسل يؤكد أن الفلسفة يمكن أن تُصاغ شعرا، وأن أبا العلاء كان فيلسوفا في ثوب شاعر، طرح أسئلة الوجود الكبرى بأدوات بيئته اللغوية.

