رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الكليات الخمس في الشريعة الإسلامية

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن الكليات الخمس في الشريعة الإسلامية

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الكليات الخمس في الشريعة الإسلامية: حراسة الدين والدنيا

مدخل:

#تتسم الشريعة الإسلامية بالكمال والشمول، فهي لم تأتِ بأحكام متناثرة، بل جاءت بنسق متكامل يهدف إلى إسعاد الإنسان في العاجل والآجل.

#وقد استقرأ علماء الأصول نصوص القرآن والسنة، فوجدوا أن أحكام الشريعة تدور كلها حول حماية مقاصد عظمى، أطلقوا عليها اسم (الكليات الخمس) أو (الضروريات الخمس).

#فما هي هذه الكليات؟ وكيف شرع الإسلام من الأحكام ما يكفل حمايتها من جانب الوجود (بالبناء) ومن جانب العدم (بالدفاع عنها)؟

#وما هي الكلية السادسة التي أضافها بعض المحققين؟

——–

المحور الأول: مفهوم الكليات الخمس وترتيبها

#الكليات الخمس هي الأسس التي لا تستقيم حياة الناس بدونها، وإذا فُقدت حلت الفوضى والفساد في الأرض.

#وهذه الكليات مرتبة بحسب الأهمية عند تعارضها، وهي: (الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال).

#قال الإمام الغزالي: “وَمَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنْ الْخَلْقِ خَمْسَةٌ: وَهُوَ أَنْ يَحْفَظَ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَنَفْسَهُمْ، وَعَقْلَهُمْ، وَنَسْلَهُمْ، وَمَالَهُمْ، فَكُلُّ مَا يَتَضَمَّنُ حِفْظَ هَذِهِ الْأُصُولِ الْخَمْسَةِ فَهُوَ مَصْلَحَةٌ، وَكُلُّ مَا يُفَوِّتُ هَذِهِ الْأُصُولَ فَهُوَ مَفْسَدَةٌ”. (الغزالي، المستصفى، ج1، ص174).

———

المحور الثاني: حفظ الدين (الكلية الأولى)

#الدين هو رأس الأمر، والغاية التي خُلق من أجلها الإنسان، ولذلك قُدم على غيره.

#من جانب الوجود: شرع الإسلام أركان الإيمان والإسلام، كالصلاة والزكاة، لتثبيت الدين في القلوب.

#من جانب العدم: شرع الجهاد لدفع المعتدين، وشرع عقوبة الردة لمنع التلاعب بالدين.

#قال الإمام الشاطبي: “حِفْظُ الدِّينِ… هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ، وَلِأَجْلِهِ شُرِعَ الْجِهَادُ”. (الشاطبي، الموافقات، ج2، ص18).

———-

المحور الثالث: حفظ النفس (الكلية الثانية)

#النفس الإنسانية معصومة ومكرمة، ولا يجوز الاعتداء عليها بأي شكل.

#من جانب الوجود: أوجب الشرع على الإنسان أن يأكل ويشرب ما يقيم صلبه، وأباح له المحرمات عند الضرورة (كأكل الميتة للمضطر) حفظاً لحياته.

#من جانب العدم: حرم الانتحار، وحرم القتل بغير حق، وشرع (القصاص) لردع القتلة.

#قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179].

————

المحور الرابع: حفظ العقل (الكلية الثالثة)

#العقل هو مناط التكليف، وبه يميز الإنسان بين الخير والشر.

#من جانب الوجود: حث الإسلام على التفكر والتدبر وطلب العلم.

#من جانب العدم: حرم كل مسكر ومفتر، وشرع عقوبة شارب الخمر، سداً لذريعة إفساد العقل، كما فصلنا في مقال (المخدرات).

#قال الإمام الآمدي: “وَحِفْظُ الْعَقْلِ… بِتَحْرِيمِ الْمُسْكِرَاتِ وَإِيجَابِ الْحَدِّ فِيهَا”. (الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج3، ص274).

———

المحور الخامس: حفظ النسل والعرض (الكلية الرابعة)

#النسل هو امتداد الوجود البشري، والعرض هو كرامة الإنسان وسمعته.

#من جانب الوجود: رغب الإسلام في الزواج، ويسر أسبابه، وجعله الطريق الوحيد لبناء الأسرة.

#من جانب العدم: حرم الزنا وشرع له عقوبة رادعة، وحرم قذف المحصنات الغافلات حفظاً للأعراض من التشويه.

———

المحور السادس: حفظ المال (الكلية الخامسة)

#المال عصب الحياة، وقوام مصالح العباد.

#من جانب الوجود: حث الشرع على العمل والكسب الحلال، وأباح البيع والتجارة.

#من جانب العدم: حرم السرقة وشرع قطع يد السارق، وحرم الربا، والغش، وأكل أموال الناس بالباطل، وحجر على السفيه الذي يبدد ماله.

#قال الإمام العز بن عبد السلام: “وَالْمَالُ مَقْصُودٌ لِحِفْظِ النُّفُوسِ… فَوَجَبَ حِفْظُهُ عَنْ الضَّيَاعِ”. (العز بن عبد السلام، قواعد الأحكام، ج1، ص73).

———

المحور السابع: هل الكليات خمس أم ست؟ (إفراد “حفظ العِرض” ككلية سادسة)

#درج جمهور الأصوليين (كالإمام الغزالي والشاطبي) على إدراج (حفظ العرض) ضمناً تحت (حفظ النسل) كما بينا في المحور الخامس، واكتفوا بالخمسة.

#لكن طائفة من المحققين (كالإمام القرافي، وتاج الدين السبكي، والشوكاني) رأوا أن هناك فرقاً دقيقاً بينهما يقتضي الفصل، فجعلوها (ست كليات).

#الفرق الدقيق: (حفظ النسل) يتعلق بالجانب المادي واستمرار البشرية وحفظ الأنساب من الاختلاط (ولذلك حُرم الزنا). أما (حفظ العرض) فيتعلق بالجانب المعنوي وحماية كرامة الإنسان من التشويه (ولذلك حُرم القذف، والغيبة، والنميمة، والسخرية).

#قال الإمام الشوكاني مبيناً هذا الإلحاق: “وَهِيَ خَمْسَةٌ: حِفْظُ الدِّينِ، وَالنَّفْسِ، وَالْعَقْلِ، وَالنَّسَبِ، وَالْمَالِ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ سَادِسًا وَهُوَ: حِفْظُ الْعِرْضِ”. (الشوكاني، إرشاد الفحول، ج2، ص160).

#وقال الإمام تاج الدين السبكي: “وَالْمَقْصُودُ حِفْظُ الدِّينِ وَالنَّفْسِ وَالْعَقْلِ وَالنَّسَبِ وَالْمَالِ وَالْعِرْضِ”. (السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، ج3، ص51).

————

الخلاصة:

١.الكليات الخمس (أو الست) هي الدستور الرباني لحقوق الإنسان في الإسلام.

٢.كل حكم شرعي، سواء كان أمراً أو نهياً، إنما جاء ليحرس واحدة أو أكثر من هذه الكليات.

٣.بفهم هذه الكليات، يدرك المسلم أن الشريعة ما جاءت للتضييق عليه، بل جاءت لتحرسه وتحفظ له دينه ودنياه وكرامته.

اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا