
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن حكم العمل عند من اختلط ماله: دراسة فقهية وتأصيلية
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
حكم العمل عند من اختلط ماله: دراسة فقهية وتأصيلية
————
مدخل:
#في زماننا المعاصر، كثرت الشركات والمؤسسات التي تختلط أموالها بين الحلال المباح وبين المعاملات المحرمة (كالفوائد الربوية وغيرها).
#وقد يتساءل المسلم: هل يجوز لي العمل عند هؤلاء وأخذ الأجرة منهم؟ وهل تنتقل حرمة مالهم إلى راتبي؟
#للإجابة عن ذلك، نضع بين أيديكم هذا التأصيل الفقهي الشامل لبيان سعة الشريعة وواقعيتها.
———–
المحور الأول: القاعدة الفقهية في التعامل مع مختلط المال
#فرق فقهاؤنا الأجلاء بين (عين المال المحرم) وبين (المال المختلط).
#فإذا كان المال بعينه مسروقاً أو مغصوباً، فلا يجوز أخذه ولا التعامل فيه.
#أما إذا كان مال الشخص مختلطاً (فيه حلال وحرام)، ولم تتميز عين الحرام، فإن التعامل معه بالبيع والشراء والإجارة (العمل) جائز شرعاً، ويكون الإثم على مكتسب الحرام لا على من أخذه منه بحق مشروع كالأجرة.
#قال الإمام النووي: “إذَا كَانَ مَعَهُ مَالٌ حَلَالٌ وَحَرَامٌ… جَازَ مُعَامَلَتُهُ وَأَكْلُ طَعَامِهِ”. (النووي، المجموع شرح المهذب، ج9، ص330).
——–
المحور الثاني: الأدلة القرآنية والحديثية على الجواز
#هناك أدلة أخرى كثيرة تعضد هذا الحكم، منها:
١. الدليل القرآني (إباحة طعام أهل الكتاب):
#أباح الله تعالى لنا طعام أهل الكتاب ومعاملتهم، فقال: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5].
#وهذا مع أن الله تعالى أخبرنا في آية أخرى أن أموالهم مختلطة بالحرام، فقال عنهم: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: 161].
#وجه الدلالة: إباحة التعامل معهم رغم اختلاط أموالهم بالربا وأكل أموال الناس بالباطل.
———
٢. تعامل النبي ﷺ مع اليهود بيعاً وشراءً:
#توفي رسول الله ﷺ ودرعه مرهونة عند يهودي في شعير اشتراه لأهله. (أخرجه البخاري برقم 2068).
#وجه الدلالة: أن النبي ﷺ تعامل معهم بالبيع والشراء والرهن، وأموالهم لا تخلو من الحرام.
——–
٣. إجابة النبي ﷺ لدعوتهم:
#أجاب النبي ﷺ دعوة المرأة اليهودية التي قدمت له شاة مشوية في خيبر، وأكل منها. (أخرجه مسلم برقم 2190).
———-
٤. عمل الصحابة كأجراء عند من اختلط ماله:
# عمل علي بن أبي طالب رضي الله عنه عند يهودي يسقي له النخل كل دلو بتمرة. (أخرجه الترمذي برقم 2473، وقال: حديث حسن غريب).
#وكذلك قصة كعب بن عجرة رضي الله عنه حين آجر نفسه ليهودي يسقي له الإبل ليأتي بطعام للنبي ﷺ. (أخرجه الطبراني في المعجم الكبير برقم 144).
———-
المحور الثالث: آثار الصحابة وأقوال الفقهاء
#سُئل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن رجل له جار يأكل الربا، ويدعوه لطعامه، فقال: “أَجِبْهُ، فَإِنَّمَا الْمَهْنَأُ لَكَ وَالْإِثْمُ عَلَيْهِ”. (عبد الرزاق، المصنف، ج8، ص150).
#قال الإمام ابن تيمية: “مَا فِي وُجُودِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ الْمُخْتَلِطَةِ بِالْحَرَامِ… يَجُوزُ مُعَامَلَتُهُمْ فِيهِ”. (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج29، ص273).
#فالقاعدة عند الفقهاء أن (تبدل سبب الملك، كأنه تبدل للعين)، فالمال الذي دخل ذمة صاحب العمل بطريق محرم، يخرج إلى العامل بطريق حلال (وهو الأجرة مقابل الجهد).
———-
المحور الرابع: ضوابط وشروط الجواز
#هذا الجواز ليس مطلقاً، بل قيده الفقهاء بضوابط صارمة، وهي:
١. أن يكون العمل ذاته مباحاً: فلا يجوز العمل في كتابة العقود الربوية، أو تقديم الخمور، أو الإعانة المباشرة على المحرم.
٢. ألا يكون الأجر من عين المال المحرم: كأن يعطيه سيارة يعلم العامل يقيناً أنها مسروقة.
٣. الكراهة عند غلبة الحرام: إذا كان (أغلب) مال صاحب العمل من حرام، جاز العمل مع الكراهة، والأولى للمسلم أن يتنزه عنه خروجاً من الخلاف واستبراءً لدينه.
———-
الخلاصة:
#يجوز للمسلم العمل وأخذ الأجرة ممن اختلط ماله بالحلال والحرام، ما دام العمل الموكل إليه مباحاً في ذاته.
#الإثم في كسب الحرام يقع على ذمة كاسبه الأول، ولا يتعدى إلى من أخذه منه بحق مشروع كأجرة العمل أو ثمن المبيع.
#هذا الحكم يبرز سعة الشريعة الإسلامية ورفعها للحرج عن الناس في معايشهم.
والحمد لله رب العالمين

