رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن استصحاب الماضي في الحاضر من خلال قاعدة: (الأصل بقاء ما كان على ما كان)

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن استصحاب الماضي في الحاضر من خلال قاعدة: (الأصل بقاء ما كان على ما كان)

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

استصحاب الماضي في الحاضر من خلال قاعدة: (الأصل بقاء ما كان على ما كان)

——–

مدخل:

#تتغير أحوال الناس وتتبدل، وكثيراً ما يقع الشك في زوال النعم، أو انقضاء العقود، أو براءة الذمم.

#ولمنع الفوضى والنزاعات، قرر فقهاؤنا قاعدة عظيمة تضبط حركة الحياة وتحفظ الحقوق، وهي قاعدة: (الأصل بقاء ما كان على ما كان)، والتي يُطلق عليها الأصوليون مصطلح (الاستصحاب).

#فما هو المعنى الدقيق لهذه القاعدة؟ وما هي أدلتها؟ وكيف نطبقها في المحاكم والمعاملات والأحوال الشخصية؟

——–

أولاً: معنى القاعدة وأدلتها الشرعية

١. المعنى الإفرادي:

#(الأصل) هو القاعدة المستمرة أو الحالة الافتراضية الأولى.

#(بقاء ما كان) أي استمرار الحالة التي ثبتت في الماضي.

#(على ما كان) أي استمرارها في الحاضر والمستقبل حتى يثبت ما يغيرها.

——-

٢. المعنى الإجمالي للقاعدة:

#إذا ثبت أمر من الأمور في الزمن الماضي (سواء كان حقاً، أو عقداً، أو حياة إنسان)، فإننا نحكم باستمراره وبقائه في الزمن الحاضر، ولا نقبل دعوى زواله أو تغيره إلا بدليل قاطع.

———

٣. الأدلة الشرعية:

#من القرآن الكريم: قوله تعالى في شأن من أكل الربا قبل تحريمه ثم تاب: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: 275].

#وجه الدلالة: أقر الله تعالى بقاء الأموال التي اكتسبوها في الماضي على ما كانت عليه من الملكية، ولم يأمرهم بردها؛ لأن الأصل بقاء ما ثبت في الماضي حتى يأتي حكم جديد يغيره.

#من السنة النبوية: قوله ﷺ للرجل الذي يخيل إليه أنه أحدث في الصلاة: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». (أخرجه مسلم برقم 362).

#وجه الدلالة: أمر النبي ﷺ باستصحاب الحالة الماضية (وهي الطهارة) والحكم ببقائها في الحاضر، وإلغاء الشك الطارئ في زوالها.

#وقد نص الإمام السيوطي على هذه القاعدة كفرع من فروع اليقين، فقال: “الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: الْأَصْلُ بَقَاءُ مَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ”. (السيوطي، الأشباه والنظائر، ص51).

———–

ثانياً: تطبيقات القاعدة في أبواب الفقه المختلفة

#تدخل هذه القاعدة في فصل الخصومات وإثبات الحقوق، ومن أبرز تطبيقاتها السبعة:

١. في باب المفقود (استصحاب الحياة):

#إذا سافر رجل وانقطعت أخباره ولم يُعلم أحي هو أم ميت، فإن ماله لا يُقسم على ورثته، وزوجته لا تتزوج بغيره؛ لأن الأصل بقاء حياته التي كانت ثابتة في الماضي، حتى يثبت موته بالبينة أو بحكم القاضي.

#قال الإمام ابن قدامة: “الْمَفْقُودُ… مَالُهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، وَزَوْجَتُهُ فِي حِبَالِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ حَيَاتِهِ”. (ابن قدامة، المغني، ج6، ص308).

——-

٢. في باب الديون (استصحاب انشغال الذمة):

#إذا أثبت الدائن أن له ديناً في ذمة شخص، فادعى المدين أنه سدد الدين، وأنكر الدائن السداد ولا بينة لأحدهما. فالقول قول الدائن؛ لأن الأصل بقاء الدين الذي كان ثابتاً، والسداد أمر طارئ يحتاج إلى إثبات.

#قال الإمام القرافي: “مَنْ ثَبَتَ عَلَيْهِ حَقٌّ فَادَّعَى الْأَدَاءَ… فَالْأَصْلُ بَقَاءُ الْحَقِّ فِي ذِمَّتِهِ”. (القرافي، الفروق، ج4، ص102).

———

٣. في باب الصيام (استصحاب بقاء الليل):

#إذا استيقظ الصائم في آخر الليل، وشك هل طلع الفجر أم لا؟ جاز له أن يأكل ويشرب؛ لأن الأصل بقاء الليل على ما كان عليه، ولا يُحكم بطلوع الفجر بالشك.

———-

٤. في باب الزواج (استصحاب بقاء العصمة):

#إذا وقع خلاف بين الزوجين، فادعت الزوجة أن زوجها طلقها، وأنكر الزوج، ولا توجد بينة (شهود أو وثيقة). فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل بقاء عقد النكاح على ما كان عليه.

————

٥. في باب الإجارة (استمرار العقد):

#إذا استأجر شخص بيتاً لمدة سنة، ثم اختلفا بعد فترة في انقضاء المدة، فالأصل بقاء عقد الإجارة واستمراره حتى يثبت المؤجر انقضاء المدة المتفق عليها.

———

٦. في باب البيوع (استصحاب السلامة من العيوب):

#إذا اشترى شخص سلعة، ثم أراد إرجاعها بحجة وجود عيب فيها، فقال البائع: العيب حدث عندك بعد الشراء، وقال المشتري: بل كان فيها قبل الشراء، ولا بينة. فالقول قول البائع؛ لأن الأصل بقاء السلعة على السلامة، والعيب طارئ.

#قال الإمام النووي: “لِأَنَّ الْأَصْلَ السَّلَامَةُ مِنْ الْعَيْبِ”. (النووي، المجموع شرح المهذب، ج9، ص315).

———-

٧. في باب المياه (استصحاب الطهارة):

#إذا وجد المسلم ماءً متغيراً، وشك هل تغير بطول المكث والتراب (فيبقى طاهراً) أم تغير بوقوع نجاسة فيه (فينجس)؟ فالأصل بقاء طهارته التي خُلق عليها.

#قال الإمام ابن قدامة: “لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمِيَاهِ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ”. (ابن قدامة، المغني، ج1، ص15).

————–

ثالثاً: المستثنيات من القاعدة

#تُستثنى من هذه القاعدة الحالات التي يعارض فيها (الأصل) ظاهرٌ قوي يغلب على الظن خلافه، ومنها:

١. المفقود في مهلكة:

#إذا فُقد الإنسان في ظروف يغلب عليها الهلاك (كغرق سفينة أو تحطم طائرة)، فإن القاضي لا يستصحب حياته للأبد، بل يحكم بوفاته بعد مدة يحددها القانون أو الاجتهاد، تغليباً للظاهر على الأصل، وحفظاً لحقوق الورثة والزوجة.

#قال الإمام السيوطي مبيناً ضابط الاستثناء: “يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا إِذَا عَارَضَ الْأَصْلَ ظَاهِرٌ”. (السيوطي، الأشباه والنظائر، ص54).

#وقال الإمام الدردير في تطبيقها على المفقود: “إذَا فُقِدَ فِي مُهْلِكَةٍ… ضُرِبَ لَهُ أَجَلٌ… ثُمَّ يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ”. (الدردير، الشرح الكبير، ج2، ص480).

————–

رابعاً: قواعد فقهية مشابهة ومكملة

#ترتبط هذه القاعدة بقواعد أخرى تفرعت عنها، منها:

١. قاعدة: (القديم يترك على قدمه)

#وتُستخدم غالباً في المنافع العامة، فمن كان له باب يفتح على طريق عام منذ سنوات طويلة، لا يجوز لجاره أن يطالبه بإغلاقه الآن؛ لأن الأصل بقاء القديم على حاله ما لم يثبت أنه وُضع بعدوان.

#قال الإمام السيوطي: “الْقَاعِدَةُ السَّادِسَةُ: الْقَدِيمُ يُتْرَكُ عَلَى قِدَمِهِ”. (السيوطي، الأشباه والنظائر، ص59).

———

٢. قاعدة: (الأصل براءة الذمة)

#وهي الوجه الآخر للقاعدة، فكما نستصحب (انشغال الذمة) إذا ثبت الدين، فإننا نستصحب (براءة الذمة) إذا ادعى شخص على آخر حقاً بلا دليل.

#قال الإمام السيوطي: “الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ: الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ”. (السيوطي، الأشباه والنظائر، ص52).

———-

خامساً: تنبيه دعوي وتصحيح لخطأ شائع

#يخطئ بعض الناس في تطبيق هذه القاعدة على (العادات السيئة والذنوب)، فإذا نُصح بترك معصية أو قطيعة رحم، تعلل قائلاً: (نحن وجدنا آباءنا على هذا، والأصل بقاء ما كان على ما كان).

#وهذا فهم فاسد؛ لأن هذه القاعدة وُضعت لضبط (الأحكام الشرعية والحقوق المالية)، وليست مبرراً للجمود على الباطل أو الإصرار على المعاصي. الحق أحق أن يُتبع، والتوبة تجُبُّ ما قبلها، ولا يُستصحب الباطل أبداً.

———

الخلاصة:

١.قاعدة (الأصل بقاء ما كان على ما كان) هي أداة القاضي والفقيه لفض النزاعات وإرساء الاستقرار في المجتمع.

٢.بها تُحفظ الأموال من ادعاءات السداد الكاذبة، وبها تُحفظ الأعراض من دعاوى الطلاق المرسلة.

٣.كل حق ثبت لك في الماضي، فهو باقٍ لك في الحاضر بقوة الشرع، حتى يثبت زواله بيقين مثله.

اللهم فقهنا في ديننا