
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث عن اللجوء إلى الله
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
قد يمرّ الإنسان في حياته بأوقات تتكاثر فيها المشكلات، وتتداخل فيها الأسباب، ويشعر أن الأبواب كلها قد أُغلقت. فيبدأ بالبحث هنا وهناك، يستشير الناس، ويقرأ، ويخطط، ويجرّب، ويعيد حساباته. وكل ذلك مطلوب ومشروع، لكن بعد استنفاد الأسباب يكتشف الإنسان حقيقة أعمق: أن بعض الأبواب لا تُفتح بكثرة التفكير وحدها، وإنما تُفتح بصلاح العلاقة مع الله.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]. فالتقوى ليست مجرد شعور ديني في القلب، وإنما منهج حياة يجعل الإنسان أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، وأكثر ثباتًا أمام المجهول.
1. حين تستنفد الحلول البشرية
هناك مشكلات يستطيع الإنسان حلها بالتخطيط والعمل، وهناك أزمات مهما بذل فيها من جهد تبقى فيها جوانب خارجة عن سيطرته. وهنا تظهر حقيقة الإنسان: ضعيف في قدرته، محدود في علمه، بينما علم الله محيط بكل شيء.
ليس معنى ذلك أن نتوقف عن البحث عن الحلول، بل أن نبحث عنها ونحن نعرف أن الأسباب لا تعمل مستقلة عن إرادة الله. فقد يملك الإنسان كل الوسائل، ثم لا يتحقق الأمر، وقد يبدو الطريق مسدودًا، ثم يأتي الفرج من جهة لم تكن في حساباته.
2. التقوى ليست هروبًا من الواقع
التقوى لا تعني أن يترك الإنسان العمل بحجة التوكل، ولا أن يستسلم للظروف وينتظر المعجزات. التقوى أن تعمل، وتخطط، وتستشير، وتأخذ بالأسباب، ولكن قلبك لا يتعلّق بالأسباب وحدها.
فالمؤمن يتحرك في الأرض بعقل واعٍ، لكنه يرفع قلبه إلى السماء بثقة. يعمل بيده، ويستعين بالله، ويعرف أن النتيجة النهائية ليست ملكًا له.
3. لماذا كانت التقوى طريقًا إلى المخرج؟
لأن التقوى تعيد ترتيب حياة الإنسان من الداخل. فعندما يتقي الإنسان الله، يصبح أكثر حرصًا على الحلال، وأبعد عن الظلم، وأصدق في معاملاته، وأقل اندفاعًا وراء الشهوات والقرارات المتهورة.
وكثير من الأزمات التي يعيشها الإنسان تبدأ من قرار خاطئ، أو طمع، أو علاقة محرمة، أو ظلم، أو استعجال، أو غرور. والتقوى تمنح الإنسان ميزانًا أخلاقيًا يحميه قبل أن يقع في كثير من هذه الأزمات.
4. المخرج قد لا يكون بالطريقة التي تتوقعها
من أعظم معاني قوله تعالى: ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ أن الله قد يفتح للإنسان بابًا لم يكن يراه أصلًا.
قد يظن أن الحل في شخص معين، فإذا بالله يصرفه عنه ويفتح له طريقًا آخر. وقد يعتقد أن خسارة معينة هي نهاية الطريق، ثم يكتشف بعد سنوات أنها كانت بداية تحول كبير في حياته.
لذلك لا تحصر قدرة الله في السيناريو الذي رسمته لنفسك.
5. التقوى عند الخوف
عندما يخاف الإنسان، يميل إلى اتخاذ قرارات سريعة، وقد يضخم المشكلة في ذهنه حتى تبدو أكبر من قدرته على الاحتمال. أما التقوى فتمنحه مرجعية ثابتة وسط اضطراب المشاعر.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 4].
فاليسر هنا ليس بالضرورة اختفاء المشكلة فورًا، وإنما قد يكون في أن يمنح الله الإنسان قوة على تحملها، وبصيرة في التعامل معها، ثم يفتح له بابًا للخروج منها.
6. حين يصبح الذنب جزءًا من المشكلة
أحيانًا يبحث الإنسان عن حل لمشكلة خارجية، بينما يحتاج أولًا إلى مراجعة داخلية. قد يسأل: لماذا لا تتغير حياتي؟ بينما هو يكرر السلوك نفسه الذي يصنع أزماته.
وهنا تأتي التقوى باعتبارها مراجعة صادقة للنفس: هل ظلمت أحدًا؟ هل أكلت مالًا بغير حق؟ هل قطعت رحمًا؟ هل أصررت على خطأ أعرف أنه خطأ؟ هل جعلت الدنيا أكبر من الله في قلبي؟
ليست كل مشكلة عقوبة، ولا يجوز لنا أن نحكم على الناس بذلك، لكن مراجعة النفس والتوبة والاستغفار أبواب عظيمة للإصلاح.
7. التقوى تصنع وضوحًا في القرار
الإنسان القَلِق يرى عشرات الطرق، ولا يعرف أيها يسلك. أما عندما يستقيم داخله، تصبح بعض الخيارات واضحة؛ لأنه لم يعد يسأل فقط: ماذا سأربح؟ بل يسأل أيضًا: هل هذا يرضي الله؟ هل فيه ظلم؟ هل هو حلال؟ هل أستطيع أن أعيش مرتاح الضمير بعده؟
وهذه الأسئلة قد تختصر على الإنسان سنوات من الندم.
8. لا تجعل تأخر الفرج دليلًا على غياب الله
من الأخطاء أن يظن الإنسان أن التقوى تعني أن كل مشكلة ستنتهي فورًا. الأنبياء والصالحون مروا بالابتلاءات، وتأخر عنهم الفرج، لكنهم لم يفقدوا ثقتهم بالله.
فالفرج قد يكون بتغيير الواقع، وقد يكون بتغيير الإنسان نفسه، وقد يكون في دفع شر أعظم، وقد يكون في أجر لا يراه الإنسان الآن.
إن تأخر الفرج لا يعني أن الله تركك؛ فقد يكون الله يبني فيك شيئًا لا تستطيع رؤيته وأنت داخل المحنة.
9. التقوى مع الأخذ بالأسباب
الإيمان الحقيقي لا يلغي العقل. إذا مرض الإنسان فإنه يبحث عن العلاج، وإذا ضاقت به أموره المالية فإنه يبحث عن العمل، وإذا واجه مشكلة أسرية فإنه يحاول إصلاحها بالحوار والحكمة.
لكن المؤمن يفعل ذلك دون أن ينسى الدعاء والاستعانة بالله.
قال النبي ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» رواه مسلم.
وهذه قاعدة عظيمة: اعمل بما تستطيع، واستعن بمن لا يعجزه شيء.
10. خير الزاد التقوى
قال الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: 197].
والإنسان في رحلته الطويلة يحتاج إلى أكثر من المال والخبرة والعلاقات. يحتاج إلى زاد يحمله عندما تتغير الظروف، وتضعف الوسائل، وتغيب الإجابات.
والتقوى هي ذلك الزاد؛ لأنها تمنح الإنسان معيارًا حين يختلط عليه الطريق، وثباتًا حين تتزلزل الأشياء، ورجاءً حين تضيق المساحات.
11. من البحث عن المخرج إلى صناعة الطريق
ليس المقصود أن يجلس الإنسان منتظرًا المخرج، بل أن يصبح هو نفسه أكثر استعدادًا له. يصلح أخلاقه، ويرتب حياته، ويترك ما يضره، ويتعلم، ويعمل، ويستغفر، ويصلح ما أفسده، ويطلب الحلال، ويحسن الظن بالله.
عندها قد لا يتغير العالم من حوله فورًا، لكنه يتغير من الداخل، وعندما يتغير الإنسان تتغير طريقته في رؤية المشكلات والتعامل معها.
12. عندما تضيق بك الحياة… عد إلى الأصل
قد تبحث عن الحل في كتاب، أو عند خبير، أو في تجربة إنسان آخر، أو في فرصة جديدة، وكل ذلك نافع. لكن لا تجعل بحثك عن الحلول يبعدك عن أصل الحل.
ارجع إلى الله.
راجع قلبك، وصلِّ، واستغفر، وتُب، وخذ بالأسباب، ولا تظلم، ولا تيأس، ولا تستعجل حكم الله على حياتك.
فقد تكون المشكلة التي تبحث لها عن باب هي نفسها التي ستقودك إلى باب أكبر: باب الله.
وفي النهاية، مهما تعددت الطرق والوسائل، يبقى وعد الله واضحًا:
﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾.
فليست التقوى مجرد زاد للآخرة، بل هي أيضًا نور للطريق في الدنيا؛ تجعل الإنسان يأخذ بالأسباب دون أن يعبدها، ويطلب الحلول دون أن يفقد ثقته بالله، ويمرّ بالأزمات دون أن يفقد معنى حياته.
وحين تضيق بك السبل، لا تتوقف عن البحث… ولكن لا تنسَ أن ترفع رأسك إلى السماء و تقول: يا رب

