
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يتحدث في خواطر إيمانية
بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
في زحام الأيام وسرعة الحياة، نركض جميعًا خلف رزق، أو أمل، أو راحة نبتغيها، ونحمل في صدورنا همومًا تثقل الكاهل وتضيق بها الأنفاس. نبحث عن المخرج في كل اتجاه، وننسى أن باب المخرج مفتوح طوال اليوم دون استئذان.. إنه الباب الذي نُدعى إليه خمس مرات في اليوم:
«حيَّ على الصلاة.. حيَّ على الفلاح».
الصلاة ليست مجرد تكليف أو حركات نؤديها لنسقط عن أنفسنا واجبًا؛ الصلاة هي طوق النجاة الذي أُهدي إليك وسط أمواج الحياة العاتية.
هي اللحظة التي تضع فيها جبهتك على الأرض، فتفرغ حزنك وخوفك وتشتت عقلك بين يدي من يعلم سرك وعلانيتك، ومن هو أرحم بك من نفسك.
إلى من هجر الصلاة أو يقصّر فيها.. لا تجعل ذنوبك حجابًا.
ربما تخاطب نفسك الآن وتقول:
«ذنوبي كثيرة، وحياتي مليئة بالأخطاء.. فكيف أقف بين يدي الله؟»
وربما تقنعك نفسك بأنك غير مستعد بعد!
لكن لا تجعل شعورك بالتقصير سببًا لمزيد من البعد؛ فالإنسان لا يعود إلى الله لأنه كامل، وإنما يعود إليه لأنه محتاج إلى رحمته وهدايته.
إن الله تعالى لا يطلب منك أن تكون معصومًا حتى تقف بين يديه، بل الصلاة نفسها من أعظم أبواب الاستعانة بالله على ضعفك، ومن أعظم ما يعين القلب على الاستقامة.
وقد جاء في الحديث القدسي:
«وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً».
والذي خلقك يعلم ضعفك وقصورك، وباب التوبة مفتوح لمن عاد إليه بصدق، فهو سبحانه القائل:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
مهما بلغت تقصيراتك، ومهما ابتعدت، فلا تقل: لقد فات الأوان.فباب التوبة ما زال مفتوحًا.
ابدأ بخطوة.
الصلاة ليست جزاءً للصالحين فقط، بل هي من أعظم أبواب العودة إلى الله للمذنبين والمشتاقين والباحثين عن النور.
ماذا تفعل الصلاة في حياتك؟
حين تعود إلى صلاتك، لن تكون علاقتك بالله هي وحدها التي تتغير، بل ستجد أثر ذلك في حياتك يومًا بعد يوم:
قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾
[العنكبوت: 45]
وقال النبي ﷺ:
«أرأيتم لو أن نهرًا بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء؟»
قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال ﷺ:
«فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا»
رواه مسلم.
سكينة وانشراح صدر.
حين يحافظ الإنسان على صلاته، يجد في القرب من الله سكينة لا تُشترى بالمال، وطمأنينة تعينه على مواجهة الأزمات.
توفيق في السعي والأمور.
حين تجعل الصلاة جزءًا ثابتًا من يومك، تتعلم أن ترتب حياتك حول ما يرضي الله، وتسعى في أسباب رزقك وتوفيقك بقلب أكثر ثباتًا ويقينًا.
تطهير متواصل للنفس.
الصلاة تذكير متكرر بالله، وتجديد للعهد معه، وتربية للنفس على ترك ما يؤذيها ويبعدها عن طريق الاستقامة.
نور في الظلمات.
هي نور في القلب، وذكرى دائمة بالله وسط مشاغل الحياة، ورجاء في رحمة الله يوم نلقاه.
ابدأ الآن.. لا تنتظر غدًا.
الحياة أقصر من أن نضيّع منها لحظة واحدة بعيدًا عن أُنس الله.
لا تقل: «سأبدأ غدًا»، أو «من الأسبوع القادم»؛ فالتسويف قد يجعل الخطوة الصغيرة التي تستطيع أن تبدأها اليوم مؤجلة إلى أجل لا تعلمه.
قم الآن، توضأ، وضع سجادتك، وقف بين يدي ربك.
لا تحتاج إلى مقدمات طويلة.
فقط ادخل عليه بقلب صادق، وقل:
«يارب، جئتك بضعفي وتقصيري، فاغفر لي، وأصلحني، وأعنّي على العودة إليك».
وقد لا تتغير كل مشكلات حياتك في لحظة، لكنك ستبدأ شيئًا أعظم: أن تواجهها وقلبك متعلق بالله.
ومن أول سجدة صادقة، قد تدرك كم كان قلبك محتاجًا إلى هذا القرب.
من فوق كرسي العز.
أقولها لكل روح أثقلتها الذنوب، ولكل قلب طال ابتعاده:
لا تجعل بينك وبين الله مسافة تصنعها أنت.
إن كنت قد ابتعدت، فارجع.
وإن كنت قد قصّرت، فابدأ.
وإن كنت قد أذنبت، فاستغفر.
وإن كسرتك الحياة، فاسجد لله بما بقي فيك من قوة..
لا تنتظر أن تصبح حياتك مثالية حتى تصلي، ولا تنتظر أن تتخلص من كل أخطائك حتى تقترب من الله؛ اقترب منه أولًا، واطلب منه أن يعينك على إصلاح ما فيك.
فالكرامة الحقيقية ليست في أن تخفي ضعفك، وإنما في أن تعرف إلى من تلجأ حين يثقل عليك الطريق.
وما دام في القلب نبض، فباب الرجوع إلى الله لم يُغلق.
فارجع..
فإن الرب غفور رحيم.
صلاتك هي حياتك الحقيقية
لا تحرم نفسك من الصلاة، ولا تجعل ذنبًا واحدًا يقنعك بأنك لا تستحق الوقوف بين يدي الله؛
فبابه مفتوح، ورحمته أوسع من ذنوبك.
ارجع إليه كما أنت، واطلب منه أن يعينك على أن تصبح كما يحب.

