
رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد على المداومة على الطاعة بعد رمضان
بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف
مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي
رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين
مما لاشك فيه أن من تمام النعمة وقبول العمل أن يُعقب العبد الطاعة بطاعة، وأن يكون رمضان بداية انطلاقة لا نهاية موسم، فإن من علامة قبول الحسنة فعل الحسنة بعدها، ومن علامة الردة إتباع السيئة السيئة.
وإني سائلكم بالله: كيف تكون حالنا بعد رمضان؟ هل سنكون ممن ينقطعون عن الطاعات كما ينقطع المسافر عن منزله، أم نكون ممن يداومون على الطاعات ويزدادون قربًا من رب الأرض والسماوات؟
وإن من أعظم ما يعيننا على ذلك أن نتذكر هدي سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، فقد كانوا إذا عملوا عملاً أثبتوه وأداموا عليه.
أبدأ معكم بقصة من قصص الصحابة رضوان الله عليهم:
روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا حديثًا لو عده العاد لأحصاه، ثم تذكر قصة حنظلة بن أبي عامر رضي الله عنه، وكان من كتاب الوحي ومن أكابر الصحابة، قال حنظلة: “يا رسول الله، نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي عين، فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأهل والأولاد وضيعنا كثيرًا”، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة”.
ففي هذا الحديث الشريف بيان أن المداومة على الطاعات وإن قلّت خير من الانقطاع بعد النشوة الروحية.
فضل المداومة على العمل الصالح بعد رمضان
فقد قال الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99]، واليقين هو الموت، أي الزم عبادة ربك مدى الحياة.
وقال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} [الكهف:28]، فأمر بالصبر على ملازمة الطاعات والمداومة عليها.
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملاً أثبته، وفي رواية: كان أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل.
فهذا دليل عظيم على أن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحب الصلاة إلى الله صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، ويصوم يومًا ويفطر يومًا” [متفق عليه]. فكان نبي الله داود عليه السلام يداوم على عمل لا يشق، لكنه دائم.
—
خطر الانقطاع عن الطاعات بعد رمضان
فإن من أعظم المصائب أن يكون رمضان موسمًا لانطلاق العباد ثم لا يلبث أن يعودوا إلى الغفلة والإعراض، وقد قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا} [النحل:92]، وهي صورة ذميمة لمن ينقض عهده مع الله بعد أن كان قويًا في الطاعة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه” [رواه الترمذي وصححه الألباني]. فانقطاع العبد عن الطاعات والعود إلى المعاصي يغطي القلب ويورثه قسوة.
وقال الحسن البصري رحمه الله: “إن من عقوبة الذنب أن يتبع بذنب آخر، ومن ثواب الحسنة أن تتبع بحسنة أخرى”.
—
معنى المداومة وأنها لا تعني الإرهاق
المداومة هي الثبات والاستمرار على الطاعة، وليست تعني الإرهاق الذي يؤدي إلى الملل والانقطاع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما حين أخبره أنه يصوم النهار ويقوم الليل: “إن لنفسك عليك حقًا، وإن لزوجك عليك حقًا، وإن لزائرك عليك حقًا، فصم وأفطر، وقم ونم” [متفق عليه].
وقال عليه الصلاة والسلام: “خذوا من العمل ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا” [متفق عليه].
وقد كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه معروفًا بالثبات، فلم ينقطع بعد رمضان ولا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، بل ثبت على طاعته وازداد إيمانًا. ومن قصصه أنه كان يصوم كثيرًا، حتى قيل إنه كان يصوم الدهر ويقوم الليل.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: “لو أن أحدكم جعل من دعائه: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، لفعل”. وقد ورد الدعاء مرفوعًا: “اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك” [رواه أبو داود والنسائي وصححه الألباني].
—
صور من المداومة على الطاعات بعد رمضان
1. المحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها مع الجماعة: فإنها أعظم الطاعات وأساس الدين، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر” [رواه الترمذي وصححه الألباني].
2. المحافظة على السنن الرواتب: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من عبد مسلم يصلي لله كل يوم اثنتي عشرة ركعة تطوعًا غير الفريضة إلا بنى الله له بيتًا في الجنة” [رواه مسلم].
3. قيام الليل ولو بركعتين: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل” [رواه مسلم].
4. صيام التطوع: كصيام الست من شوال، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال كان كصيام الدهر” [رواه مسلم]. وصيام أيام البيض والإثنين والخميس.
5. الصدقة: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكًا تلفًا” [متفق عليه].
6. الذكر والدعاء: كالأذكار بعد الصلوات، وأذكار الصباح والمساء، وقد قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة:152].
7. قراءة القرآن وتدبره: فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن على أجزاء، وكان الصحابة يختمونه في كل أسبوع أو في كل شهر. قال تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص:29].
وقد كان سعيد بن جبير رضي الله عنه يختم القرآن في كل ليلة، وقتادة يختم في كل سبع، والشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة، وفي غيره ثلاثين، وهذا دليل على المداومة والثبات.
إن من أعظم ما يعين على المداومة:
· الإخلاص لله تعالى، فإن الإخلاص يثمر الثبات.
· الدعاء بالثبات، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من قول: “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك” [رواه الترمذي وصححه الألباني].
· مصاحبة الصالحين الذين يذكرونك بالله ويعينونك على الطاعة.
· تذكر الموت والقبر والآخرة، فإن ذلك يهون العمل الصالح.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة:119].
، لقد ذكرنا فضل المداومة على الطاعات بعد رمضان، وحذّرنا من الانقطاع، وبيّنا أن المداومة لا تعني الإرهاق، ثم ذكرنا صورًا من الطاعات التي ينبغي أن نداوم عليها.
فإن الله يحب المدومين على العمل الصالح وإن قل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل” [متفق عليه].
وقال سفيان الثوري رحمه الله: “ما عالجت شيئًا أشد عليّ من نيتي، إنها تتقلب عليّ”. فليكن همّنا تجديد النية والاستمرار على الطاعة.
واعلموا أن أفضل الزاد بعد رمضان هو:
· أن تجعلوا لكم وردًا من القرآن لا تنقطعوا عنه.
· أن تحافظوا على قيام الليل ولو بركعتين.
· أن تتصدقوا ولو بالقليل كل يوم.
· أن تذكروا الله في كل حال.
وأن الله أمركم بالصلاة على نبيه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
اللهم اجعلنا من عتقائك من النار، وأدخلنا الجنة مع الأبرار.
