رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن الفجر و الفرج، كلاهما يوحي بانفتاح بعد ضيق، و خروج للنور بعد احتباس،

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن الفجر و الفرج، كلاهما يوحي بانفتاح بعد ضيق، و خروج للنور بعد احتباس،

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

الفجر و الفرج، هل بينهما سر؟

هناك كلمات في القرآن تشبه أن بينها صلة من أول وهلة.

الفجر و الفرج، كلاهما يوحي بانفتاح بعد ضيق، و خروج للنور بعد احتباس، و لذلك قد يشعر القلب أن بين اللفظين قرابة.

لكن هنا ينبغي أن ننتبه إلى شيء مهم: الفجر و الفرج ليسا مترادفين في اللغة، و لا يصح أن نقول إن أحدهما هو الآخر.

فـ الفجر من مادة تدور حول الشق و الإنفجار و الإنفتاح، و منه انفجار الصبح عن ظلمة الليل.

و الفرج من مادة أخرى، تدور حول الإنفتاح و الخروج من الضيق.

فالإشتراك هنا ليس ترادفا لغويا، بل يمكن أن يكون صورة تأملية:

شيء مغلق، ثم ينفتح.

شيء مظلم، ثم ينكشف.

شيء ضيق ثم يأتيه المخرج.

و هنا تبدأ سورة الفجر في الكلام بطريقة أعجب مما نظن.

يقول الله: { وَ الْفَجْرِ ۝ وَ لَيَالٍ عَشْرٍ ۝ وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ ۝ وَ اللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ۝ هَلْ فِي ذَٰلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ }.

لماذا يبدأ القسم بـ الفجر؟ ثم لماذا ينتقل إلى الليل؟

ثم بعد ذلك مباشرة: { أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۝ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۝ وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ۝ وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ }.

كأن السورة تريد أن تقول لنا: ليست كل قوة تدوم، و ليست كل ظلمة تبقى، و ليس كل ما يعلو فوق الناس ينجو.

عاد كانت لها قوة، و ثمود كانت لها حضارة و نحت في الصخر.

و فرعون كان له سلطان و أوتاد.

ثم قال: { الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ۝ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ۝ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ۝ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ }.

و هنا يظهر أول كشف، الفجر ليس فقط طلوع النور في السماء، بل في بنية السورة نفسها، يأتي بعد ذكر الليل و الظلمة و البطش و الفساد، و كأن القارئ يتعلم سنة من سنن الله: ما يظنه الإنسان ممتدا إلى الأبد له فجر، و ما يظنه مستترا إلى الأبد له انكشاف.

لكن السورة لا تتوقف عند الظالمين، و هنا تأتي المفاجأة.

تنتقل من عاد و ثمود و فرعون، إلى أنت.

{ فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَ نَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَ أَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ۝ كَلَّا }.

كلا، هنا تتغير الخريطة كلها.

الإنسان كان يظن أن الفرج هو اتساع الرزق، و أن الضيق إهانة.

و القرآن يصحح له الميزان: النعمة ليست دليلا على الكرامة وحدها، و الضيق ليس دليلا على الهوان.

ثم يكشف القرآن السبب الذي ربما لم ينتبه إليه الإنسان:

{ بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ۝ وَ لَا تَحَاضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ ۝ وَ تَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَّمًّا ۝ وَ تُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا }.

و هنا الفجر يأخذ معنى آخر.

الفجر ليس فقط أن ينكشف الصبح من الليل، قد يكون الفجر الحقيقي أن ينكشف لك الخلل الذي كنت تسميه رزقا، و البعد الذي كنت تسميه نجاحا، و القسوة التي كنت تسميها قوة.

ثم ماذا؟، تنتقل السورة فجأة إلى المشهد الذي لا يستطيع أحد تأجيله: { كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا }.

كأن كل ما كان يبدو ثابتا سيتغير، و كل ما كان مستورا سينكشف.

و كل إنسان سيعرف الحقيقة التي كان يؤجلها.

حتى يقول: { يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي }.

لاحظ التعبير: لم يقل: يا ليتني قدمت لمالي، و لا لبيتي، و لا لمنصبي، و لا لما جمعته.

قال: “لِحَيَاتِي”، كأن الإنسان يومها يكتشف أن الحياة التي كان يظنها هي هذه لم تكن إلا مقدمة للحياة.

ثم تأتي أجمل نقطة في السورة كلها.

بعد كل هذا الفجر.

بعد انكشاف الطغيان.

و انكشاف المال.

و انكشاف وهم الإهانة و الكرامة.

و انكشاف الدنيا.

يأتي النداء: { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً ۝ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ۝ وَ ادْخُلِي جَنَّتِي }.

و هنا أظن أن السورة أعطتنا خريطتها كاملة: بدأت بـ الفجر و انتهت بـ الرجوع إلى الله.

بدأت بانشقاق الصبح عن الليل و انتهت بانشقاق النفس عن كل ما كان يحجبها عن ربها.

فإذا كان الفرج في حياتك هو خروجك من ضيق إلى سعة.

فأعظم الفرج ليس أن تتغير ظروفك فقط.

أعظم الفرج أن يتغير قلبك وهو داخل الظروف نفسها.

و لهذا قال الله: { أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ }.

و قال: { فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا }.

و قال: { ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ }.

فربما كان بعض الناس ينتظر الفجر في السماء، بينما الله يدعوه أن يبحث عن الفجر في قلبه.

و ربما كان يطلب الفرج من تبدل الأشياء حوله.

بينما أول أبواب الفرج أن يعود هو إلى الله.

الفجر لا يستأذن الليل حين يأتي، و الفرج لا يحتاج أن يخبرك كيف سيأتي.

يكفي أن تعرف أن رب الفجر، هو ربك، و أن الذي أخرج الصبح من قلب الظلمة قادر أن يفتح لك من حيث لا تحتسب.