رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن تربية الأبناء جهاد كبير

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن تربية الأبناء جهاد كبير

بقلم \ المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربى الدولى

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

إِنَّ تَرْبِيَةَ الأَبْنَاءِ فِي زَمَانِنَا هَذَا، لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ نَافِلَةٍ، بَلْ هِيَ “جِهَادٌ كَبِيرٌ”، وَمَسْؤُولِيَّةٌ تَنُوءُ بِحَمْلِهَا الجِبَالُ، فلَيْسَتِ التَّرْبِيَةُ أَنْ تَمْلأَ بُطُونَهُمْ طَعَاماً، أَوْ تُوَفِّرَ لَهُمْ أَفْخَرَ اللِّبَاسِ، فَهَذِهِ “رِعَايَةٌ” تَشْتَرِكُ فِيهَا جَمِيعُ الكَائِنَاتِ، أَمَّا “التَّرْبِيَةُ”: فَهِيَ صِنَاعَةُ العَقْلِ، وَتَهْذِيبُ الرُّوحِ، وَغَرْسُ القِيَمِ، وَرَبْطُ القَلْبِ بِخَالِقِهِ.

وإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُجِيبَ عَلَى السُؤَالِ: “كَيْفَ نُرَبِّي أَبْنَاءَنَا؟”، فَعَلَيْنَا أَنْ نَتَأَمَّلَ فِي مَنْهَجِ النُّبُوَّةِ في تربية الأبناء:

ومنها: التربيةُ بِالقُدْوَةِ: فَلَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ، فكُنْ صَادِقًا، فسيَتَعَلَّمُ أولادك الصِّدْقَ، وكُنْ مُصَلِّيًا، فسيَتَعَلَّمُون الصَّلَاةَ، واحذر أن تكون كاذبا، فيتعلمون الكذب، ففي سنن البيهقي :(عَنْ زِيَادٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى أُمِّي وَأَنَا غُلاَمٌ فَأَدْبَرْتُ خَارِجًا فَنَادَتْنِي أُمِّي يَا عَبْدَ اللَّهِ تَعَالَ هَاكَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- :«مَاذَا تُعْطِيهِ؟». قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا. قَالَ :«أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تَفْعَلِي كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةً».

وفي الصحيحين: (أن عُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ يَقُولُ كُنْتُ غُلاَمًا فِي حَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – وَكَانَتْ يَدِي تَطِيشُ فِي الصَّحْفَةِ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – «يَا غُلاَمُ سَمِّ اللَّهَ، وَكُلْ بِيَمِينِكَ وَكُلْ مِمَّا يَلِيكَ». فَمَا زَالَتْ تِلْكَ طِعْمَتِي بَعْدُ. فالأَبْنَاءُ مَرَايَا لِسُلُوكِكُمْ.

ومن مَنْهَجِ النُّبُوَّةِ في تربية الأبناء: بناءُ العَقِيدَةِ وَالحُبِّ: ففي سنن الترمذي: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فَقَالَ «يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ»، فابْدَأُوا بِغَرْسِ مَحَبَّةِ اللهِ فِي قُلُوبِهِمْ قَبْلَ خَوْفِهِ، وَرَبْطِهِمْ بِالقُرْآنِ لِيَكُونَ لَهُمْ نُوراً.

ومن مَنْهَجِ النُّبُوَّةِ في تربية الأبناء: الرِّفْقُ لَا العُنْفُ: ففي صحيح مسلم: (عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِنَّ الرِّفْقَ لاَ يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلاَّ زَانَهُ وَلاَ يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ شَانَهُ».

فالتَّرْبِيَةُ تَحْتَاجُ إِلَى طُولِ بَالٍ، وَاحْتِوَاءٍ لِلْمَشَاعِرِ، وَلَيْسَ إِلَى التَّوْبِيخِ المُسْتَمِرِّ، أَوْ الضَّرْبِ المُهِينِ، الذِي يَكْسِرُ الشَّخْصِيَّةَ.

ومن مَنْهَجِ النُّبُوَّةِ في تربية الأبناء: العَدْلُ بَيْنَ الأَبْنَاءِ: فلَا تُفَضِّلُوا أَحَدَهُمْ عَلَى الآخَرِ، فَإِنَّ المَيْلَ يُورِثُ الحِقْدَ وَالحَسَدَ بَيْنَ الإِخْوَةِ،

وفي الصحيحين: (عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ – رضي الله عنهما – قَالَ سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فَقَالَتْ لاَ أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم -. فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلاَمٌ، فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ – صلى الله عليه وسلم – فَقَالَ إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا، قَالَ «أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ». قَالَ نَعَمْ. قَالَ فَأُرَاهُ قَالَ « لاَ تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ»، وفي رواية: (فَقَالَ: أَفَعَلْت هَذَا بِوَلَدِك كُلِّهِمْ؟ قَالَ لَا. قَالَ: اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فَرَجَعَ أَبِي. فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ}.

وإِنَّ وَسَائِلَ التَّوَاصُلِ وَالشَّاشَاتِ اليَوْمَ، تُنَافِسُكُمْ فِي تَرْبِيَةِ أَبْنَائِكُمْ، فَلَا تَتْرُكُوا أَوْلَادَكُمْ فَرِيسَةً لَهَا، فكُونُوا “أَصْدِقَاءَ” لَهُمْ، واسْمَعُوا مِنْهُمْ، وَشَارِكُوهُمْ اهْتِمَامَاتِهِمْ، فإِنَّ الوَقْتَ الذِي تَقْضِيهِ

مَعَ ابْنِكَ، فِي تَوْجِيهِهِ وَمُدَاعَبَتِهِ، هُوَ أَعْظَمُ اسْتِثْمَارٍ لَكَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.

وفي الحديث: (قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ… أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» [أخرجه مسلم].

فإِنَّ الوَلَدَ الصَّالِحَ لَيْسَ صُدْفَةً، بَلْ هُوَ نِتَاجُ تَعَبٍ، وَسَهَرٍ، وَدُعَاءٍ طَوِيلٍ، فقد كَانَ الأَنْبِيَاءُ يَلْهَجُونَ بِالدُّعَاءِ لِذُرِّيَّاتِهِمْ، قال تعالى: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ} آل عمران (38).

وَكُفُّوا عَنِ الدُّعَاءِ “عَلَى” أَبْنَائِكُمْ إِذَا أَخْطَأُوا، وَأَكْثِرُوا مِنَ الدُّعَاءِ “لَهُمْ” بِالهِدَايَةِ، ففي صحيح مسلم: (لاَ تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَوْلاَدِكُمْ وَلاَ تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لاَ تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ».

واِزْرَعُوا اليَوْمَ لِتَحْصُدُوا غَداً ذُرِّيَّةً تَبَرُّكُمْ فِي الكِبَرِ، وَتَرْفَعُ ذِكْرَكُمْ بَعْدَ المَمَاتِ. ففي صحيح مسلم: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ».