رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن رسول الإسلام كان وجوده كله رحمة

رئيس اتحاد الوطن العربي الدولي يؤكد أن رسول الإسلام كان وجوده كله رحمة

بقلم / المفكر العربي الدكتور خالد محمود عبد القوي عبد اللطيف

مؤسس ورئيس اتحاد الوطن العربي الدولي

رئيس الإتحاد العالمي للعلماء والباحثين

مما لاشك فيه أن رسول الله ﷺ لم تكن الرحمة خُلُقًا من أخلاقه فحسب؛ بل كان وجودُه كلُّه رحمةً، امتد أثرها في الدنيا والآخرة.

قال أبو بكر محمد بن طاهر القيسي الإشبيلي: «زَيَّنَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِزِينَةِ الرَّحْمَةِ؛ فَكَانَ كَوْنُهُ رَحْمَةً، وَجَمِيعُ شَمَائِلِهِ رَحْمَةً، وَصِفَاتُهُ رَحْمَةً عَلَى الْخَلْقِ».

فمن أصابه شيءٌ من رحمته ﷺ فهو الناجي في الدارين من كل مكروه، والواصل فيهما إلى كل محبوب؛ ألا ترى أن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

فكانت حياته ﷺ رحمةً، ومماته رحمةً. وقد رُوي عنه ﷺ: «حياتي خيرٌ لكم، ومماتي خيرٌ لكم».

وثبت عنه ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا أَرَادَ رَحْمَةَ أُمَّةٍ مِنْ عِبَادِهِ، قَبَضَ نَبِيَّهَا قَبْلَهَا، فَجَعَلَهُ لَهَا فَرَطًا وَسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْهَا…».

وقال السمرقندي في قوله تعالى: ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾: يعني للجن والإنس.

وقيل: بل لجميع الخلق؛ فهو للمؤمن رحمةٌ بالهداية، وللمنافق رحمةٌ بالأمان من القتل، وللكافر رحمةٌ بتأخير العذاب.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: هو رحمةٌ للمؤمنين والكافرين؛ إذ عُوفوا مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة.

وحُكي أن النبي ﷺ قال لجبريل عليه السلام: «هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟» فقال: نعم؛ كنت أخشى العاقبة، فأمنتُ لثناء الله عليَّ بقوله: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ۝ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 20-21].

فالملائكة في خشيةٍ دائمةٍ من الله سبحانه وتعالى، لا يعلمون ما يقضي به في خلقه إلا ما أعلمهم به؛ والله سبحانه وتعالى ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.

والنبي ﷺ يقول: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ».

فجبريل عليه السلام يعلم هذه الحقيقة، ولكنه اطمأن بعدما أثنى الله عليه، ووصفه بأنه ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ۝ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾؛ لأن الله سبحانه وتعالى صادقٌ لا يُخلف وعده.

أما قبل ذلك التصريح، فالملَك -وإن كان معصومًا- في خشية الله وهيبته الدائمة، كما أنه في رجاءٍ دائم. فجبريل عليه السلام اطمأن لمستقبله بالنبي المصطفى ﷺ؛ فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين.

ورُوي عن جعفر بن محمد الصادق رحمه الله في قوله تعالى: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾ [الواقعة: 91]، أي: بك؛ إنما وقعت سلامتهم من أجل كرامة سيدنا محمد ﷺ.

وهنا فسَّر بعض المفسرين قوله تعالى: ﴿رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ بأن رحمته ﷺ تصيب الخلق جميعًا، ويشهد لهذا المعنى حديث الشفاعة العظمى الذي أورده الإمام البخاري في صحيحه.

فإن الخلق يوم القيامة يلجؤون إلى سيدنا آدم عليه السلام فيعتذر، ثم إلى سيدنا نوح فيعتذر، ثم إلى سيدنا إبراهيم فيعتذر، ثم إلى سيدنا موسى، ثم إلى سيدنا عيسى عليهم السلام، وكلُّ واحدٍ منهم يحيلهم إلى غيره، حتى يحيلهم سيدنا عيسى عليه السلام إلى سيدنا النبي المصطفى، الحبيب المجتبى ﷺ.

فيذهب ﷺ ويسجد لله رب العالمين عند العرش سجودًا طويلًا، ويفتح الله عليه بمحامد لم يفتح بها على أحدٍ من قبله، حتى يقول الله سبحانه وتعالى له:

«يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، قُلْ تُسْمَعْ، سَلْ تُعْطَ، اشْفَعْ تُشَفَّعْ».

ويستجيب الله له؛ فتصيب رحمته ﷺ بهذه الشفاعة الخلقَ أجمعين في ذلك الموقف، من لدن آدم عليه السلام إلى قيام الساعة؛ فينتفع بها المؤمن وغيره، مَن آمن به ومَن كفر به، بل ومَن أساء إليه، وذلك بالشفاعة العظمى في فصل القضاء.

ويقول الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47]. فيوم القيامة طوله ألف سنة، وسيختصره إلى النصف بالشفاعة الكبرى.

وهكذا تمتد رحمة سيدنا رسول الله ﷺ من الدنيا إلى الآخرة؛ فكان كونه رحمةً، وشمائله رحمةً، وصفاته رحمةً، وحياته رحمةً، ويمتد أثر رحمته إلى الخلق يوم يقوم الناس لرب العالمين.